إقتناء الرّوح القدس

اقتناء الروح القدس:

‏في يوم من الأيام الباردة المثلجة جرى بين القدّيس سيرافيم ساروسكي ونيقولاوس موتوفيلوف حوار، جاء فيه:

- القدّيس سيرافيم: لقد كشف لي الرب أنك عندما كنت ولدًا رغبت في معرفة غاية الحياة المسيحيّة، وطرحت السؤال بشأنها على عدد من رجال الكنيسة البارزين. 0fbbdfe870abac5bb304c5db61113d88-copy.jpg
- نيقولاوس: اعترف أن هذا السؤال كان يؤرقني منذ أن كنت في سن الثانية عشر...
- القدّيس سيرافيم: ومع ذلك لم يقل لك أحد شيئًَا واضحًا محدّدًا. قالوا لك أن تذهب إلى الكنيسة وأن تصلّي وأن تصنع صلاحًا، وأن هذه هي غاية الحياة المسيحيّة. حتى أن بعضهم قال لك: لا تبحث عن أمور أكبر منك. لذلك سأحاول، أنا العبد الشقي، أن أشرح لك ما هو هذا القصد. فالصلاة والصيام وأعمال الرحمة كلّها صالحة لكنّها أدوات للحياة المسيحيّة وليست القصد منها. إن الغاية الحقيقيّة هي اقتناء الروح القدس.
‏- نيقولاوس: ولكن، ماذا تعني بلفظة اقتناء؟ لست أفهم تماماً ما تقول.
- القدّيس سيرافيم: أن تقتني معناه أن تمتلك. أنت تعرف معنى أن يربح الإنسان مالًا، أليس كذلك؟ الشيء نفسه يقال عن الروح القدس. يرمي بعض الناس لأن يصيروا أغنياء. وأن يحظوا بكرامات وامتيازات. والروح القدس نفسه رأسمال، لكنه رأسمال أبدي.
السيّد يشبّه حياتنا بالتجارة وأعمال هذه الحياة بالشراء: أشير عليك أن تشتري مني ذهبًا.. لكي تستغني (رؤيا3‏:18‏). 

أثمن الأعمال على الأرض هي الأعمال الصالحة التي نقوم بها من أجل المسيح. هذه تكسبنا نعمة الروح القدس. ولا تأتينا الأعمال الصالحة بثمار الروح القدس إلا إذا كانت معمولة من أجل محبّة المسيح. لذا قال السيد نفسه: من لا يجمع معي يفرِق... في مثل العذارى، دعي فريق منهن جاهلات رغم كونهن محافظات على عذريتهن. ما نقصهن في الحقيقة كانت نعمة الروح القدس. الأمر الأساسي ليس أن يصنع الإنسان صلاحًا بل أن يقتني نعمة الروح القدس، ثمرة كل الفضائل، الذي من دونه لا يكون خلاص... هذا الروح القدس الكلّي القدرة معطى لنا شريطة أن نعرف نحن كيف نقتنيه. فإنّه يقيم فينا ويعدّ في نفوسنا وأجسادنا مكاناً للآب حسب كلمة الله: أني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعبًا (٢‏كورنثوس١٦:٦‏)... هذا وأكثر الأعمال التي تعطينا أن نقتني الروح القدس هي الصلاة.

‏- نيقولاوس: لكن، يا أبي، أنت تتكلّم عن الصلاة وعن الصلاة وحدها. حدّثني عن الصالحات الأخرى المعمولة باسم المسيح.
- القدّيس سيرافيم: أجل، بإمكانك أن تحصّل نعمة الروح القدس من خلال أعمال صالحة أخرى... الصوم... الإحسان... ولكن ليس معنى الحياة أن نستزيد من عدد الصالحات بل أن نجني منها أعظم النفع، أعني المواهب الفضلى للروح القدس. وأنت عليك أن تكون موزّعًا لهذه النعمة... فإن بركات النعمة الإلهية تزداد في من يوزّعها...
- نيقولاوس: إنك لا تكفّ يا أبي عن ترداد أن نعمة الروح القدس هي غاية الحياة المسيحية. ولكن كيف وأين يمكنني أن أعاين مثل هذه النعمة؟ الأعمال الصالحة منظورة ولكن هل يمكن للروح القدس أن يكون منظورًا؟ كيف يمكنني أن أعرف ما إذا كان فيّ أم لا؟
‏- القدّيس سيرافيم: في أيامنا، وبسبب فتور إيماننا ونقص اهتمامنا بتدخل الله في حياتنا، نجدنا غرباء بالكليّة عن الحياة في المسيح... في الكتاب المقدس مقاطع كثيرة عن ظهور الله للناس. البعض اليوم يقول إن هذه مقاطع غير مفهومة. مردّ عدم الفهم هنا هو فقدان البساطة التي تمتّع بها المسيحيّون الأوائل... إبراهيم ويعقوب عاينا الله وتحدّثا إليه، ويعقوب صارعه، وموسى تفرّس فيه، وكذلك الشعب كله، في عمود الغمام الذي لم يكن غير نعمة الروح القدس هاديًا شعب إسرائيل في البرّية... لم يكن هذا حلمًا ولا غيبوبة ولا في الخيال، بل في الواقع والحق. ولكن لأنّنا صرنا لا مبالين بشأن خلاصنا، لم نعد ندرك معنى كلمات الله كما ينبغي. لم نعد نلتمس النعمة، ويحول كبرياؤنا دون تجذّر النعمة في نفوسنا. ولم يعد لنا نور السيّد الذي يهبه للذين يتوقون إليه بحميّة وجوع وعطش...
‏- نيقولاوس: ولكن كيف يمكنني أن أعرف أني داخل نعمة الروح القدس هذه؟ كيف يمكنني أن أتأكد من أنّني أحيا في روح الله؟ آه كم أتوق لأن أفهم!

‏إذ ذاك أمسك القدّيس سيرافيم موتوفيلوف بكتفيه بقوة وقال له:
كلانا، يا صاح، في هذه اللحظة، في الروح القدس، أنت وأنا. لماذا لا ‏تنظر إليّ؟
‏- نيقولاوس: لا أستطيع أن أتطلّع إليك، يا أبي، لأن نورًا ينبعث من عينيك ‏ووجهك أبهى من الشمس ضياء!
‏ ‏- القدّيس سيرافيم: لا تخف، يا صديق الله، أنت نفسك مضيء مثلي تمامًا. أنت أيضًا الآن ‏في مل ء نعمة الروح القدس وإلا ما أمكنك أن تراني كما أنا. هيا، انظر إليّ ولا تخف لأن السيّد معنا!

فنظر موتوفيلوف إلى القدّيس مرتعدًا فرآه سابحًا في نور يفوق بهاء الشمس في نصف النهار... رأى شفتيه تتحرّكان، ورأى تعبير عينيه وسمع صوته وشعر بيديه حول كتفيه، لكنّه لم يعاين لا ذراعيه ولا جسده ولا وجهه. كما فقد الإحساس بنفسه. كان النّور يملأ كل شيء ورقع الثلج المتساقط عليهما كأنها اشتعلت.
‏
- القدّيس سيرافيم: بماذا تشعر؟
‏- نيقولاوس: أشعر بأني في أحسن حال وأتعجّب!
‏- القدّيس سيرافيم: ماذا تعني بذلك تماماً؟
‏- نيقولاوس: أشعر بسكون عظيم في نفسي. أشعر بسلام لا يمكن التعبير عنه بالكلام!
‏- القدّيس سيرافيم: هذا هو السلام الذي يفوق كل عقل الذي تحدّث عنه الرسول (فيلبي٧:٤). ماذا أيضاً؟
‏- نيقولاوس: أشعر ببهجة غريبة لم آلفها من قبل!
‏- القدّيس سيرافيم: ​ عن هذه البهجة قال المرنم في المزمور: "....يشبعون من دسم بيتك وأنت تسقيهم من نهر نعمك" (٣٥:٨). ماذا أيضاً؟
‏- نيقولاوس: فرح مدهش يملأ قلبي!
‏- القدّيس سيرافيم: هذه أولى ثمار الفرح الذي أعدّه الله للذين يحبّونه والذي قال عنه الرسول: "ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (١كورنثيوس٩:٢). بمَ تشعر أيضاً؟
‏- نيقولاوس: أشعر بدفء مدهش!
‏- القدّيس سيرافيم: ونحن في عمق الغابة وفي نصف الشتاء والثلج تحت أقدامنا وعلى أثوابنا!؟... إننا الآن، يا فرحي، في عداد من قال السيّد عنهم: "لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت السموات قد أتى بقوّة"

ها أنت قد فهمت معنى أن نكون في ملء الروح القدس... لا يهم أن أكون أنا راهبًا وأنت علمانيًّا، المهم، في عين الله، هو الإيمان الحقيقي به وبابنه الوحيد. من أجل هذا أعطيت لنا نعمة الروح القدس. هذا هو العرش الذي يجلس هو عليه ويظهر منه ذاته في مل ء مجده. يا بني أعطني قلبك (أمثال٢٦:٢٣‏). في القلب يُبنى ملكوت الله.