المركز الرعائيّ للتراث الآبائيّ الأرثوذكسيّ – ندوات الرهبنة والرعيّة
23 أيلول 2026
المركز الرعائيّ للتراث الآبائيّ الأرثوذكسيّ – ندوات الرهبنة والرعيّة
ببركة سيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس)، الجزيل الاحترام، استضاف المركز الرعائيّ للتراث الآبائيّ الأرثوذكسيّ التابع لهذه الأبرشيّة المباركة، رؤساء أديار من الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس، الذين قدّموا ندوات وأحاديث عن الرهبنة والرعيّة. وقد أبرز المحاضرون رؤساء الأديار خبرتهم وشهاداتهم عن الرهبنة ووضعها اليوم، وعن برنامج الدير، وعن زوّار الدير والذين يقضون وقتًا فيه كخلوة روحيّة، وعن علاقة الدير بالرعيّة.
ثمّ نُظّم نهار طويل في رعيّة قرية دوما البترونيّة، شارك فيه طلّاب المركز الرعائيّ وبعض آباء أبرشيّة طرابلس وأيضًا ممثلون من أبرشيّتي جبل لبنان وزحلة، تدارسوا الهدف المشترك للحياة المسيحيّة في الدير أو في الرعيّة، وكيف يمكن للإنسان أن يتقدّس بالمسيح في ديره أو في رعيّته، بالرغم من فرادة كلّ من الطريقتين.
ما يلي شهادة أحد طلّاب المركز عن هذا الموضوع المهمّ: "يقول القدّيس يوحنَّا الذھبيّ الفم: "إنّ المسيح لم يضع شريعتين، واحدة لأهل العالم وأُخرى للرھبان، بل طلب من جميع البشر أن يسلكوا بنفس الحقّ والبرّ وعيش الوصايا". كما أنَّ القدّيس يوحنَّا كرونشتادت وھو كاھن تقدَّس في العالم، قد أكّد أنّ الرعيَّة تحتاج إلى روحانيَّة الدير (نسك، توبة، صمت)، وأنّ المؤمن في العالم يمكنه أن يحوِّل بيته وقلبه إلى دير صغير من خلال الصلاة الدائمة. وھذا ما أوصى به القدّيس بولس الرسول حين قال:"أنتم ھيكل ﷲ الحيّ" (كو6: 16).
فإذا كان الدير واحة للصلاة، فالرعيَّة هي الكنيسة المحليَّة والبيت الروحيّ الأوّل للمؤمن، فلا يمكن الاستغناء عن الدير والاكتفاء بالرعيَّة، كما لا يُمكن الاستغناء عن الرعيَّة والاكتفاء بالدير، فالعلاقة بين الدير والرعيَّة ليست علاقة مفاضلة بل هي علاقة تكامل في جسد الكنيسة الواحد.
الدير يُمثّل الرئة الروحيَّة والقلب النابض بالصلاة المستمرَّة، أما الرعيَّة فتنشغل بالأعمال الرعائيَّة والخدماتيَّة والتنظيميَّة. الدير هو مستشفى روحيّ لأبناء الرعيَّة، فالذهاب إلى الدير لا يجب أن يكون إلّا للتجدّد ومراجعة الذات، فالدير في بُعده هو النَّبع الذي يستقي منه المجاهدون قوَّتھم. وكما لا تستغني الشجرة عن جذورھا المُتجذّرة في عمق الأرض، لا تستغني الرعيَّة عن العُمق الروحيّ الذي يُمثِّله الدير والرهبنة بعامّة.
الرعيَّة من دون الدير تتحوَّل إلى مؤسّسة اجتماعيَّة تحوي النشاطات العالميَّة وتغلب عليھا المادّيّات وصَخب الحياة وتفقد عُمقھا النُسكيّ والروحيّ والرِّسالة التي وجدت بالأساس من أجلھا، فيسبيھا الظلام وتُصاب بالعُقم الروحيّ، والدير من دون الرعيَّة يُصبح معزولًا عن الواقع وآلام البشر، لأنّ الدير يُصلي من أجل الرعيَّة والعالم أجمع.
نحن نعلم أنّ هناك أسباب كثيرة تدفع المؤمن إلى تفضيل الصلاة في الدير على الصلاة في الرعيَّة، لسنا بصدد تعدادها، ولكن هل هذا هو المطلوب؟ لعمري إنّ قرارًا كهذا إذا ما اتّخذ يُعدُّ هروبًا.
التغيير في الرعيَّة، في العمل، في المنزل، لا يحدث لا بالھروب ولا بالصِّدام، بل بالصوم والصلاة، بالصبر والجھاد، بالصَّمت الحكيم والنُّموّ الروحيّ والابتعاد عن النميمة، وبالمحبَّة والحوار البنَّاء، متذكِّرين دائمًا قول الرسول يعقوب: ’ليكن كلُّ إنسان مُسرعًا في الاستماع مُبطئًا في التكلُّم‘ (يع 1: 19)، وأيضًا ما قاله الرسول بولس: "لا يغلبنَّك الشَّرّ، بل اغلب الشرَّ بالخير" (رو 12: 21)، إضافة إلى ذلك، إنَّه واجبٌ علينا أن نُصلِّي من أجل رُعاتنا والكھنة والمرضى وكلّ من نعتقد أنّه يُخالفنا الرأي، وأن لا نھرب أو نتخلّى عن الرعيَّة بسبب أخطاء البشر. الكتاب المقدَّس لا يُشجِّع المؤمن على الاعتزال الدائم أو الھروب إلى الدير بسبب تصرُّفات الآخرين، بل يدعوه إلى أن يكون "ملحًا للأرض ونورًا للعالم" (مت 5: 13-14). الملح يوضع في العجين ليُصلحه لا لينعزل عنه، والنور يوضع على المنارة ليُضيء للجميع. الذھاب إلى الدير أمر حسن، إنَّما يجب أن يكون انسحابًا مؤقَّتًا للتجدّد الروحيّ، كما كان يفعل الربّ يسوع: "أمّا هو فكان يعتزل في البراري ويُصلّي" (لو5: 16). إذًا الربّ يسوع كان يبتعد للصلاة في مكان خالٍ، لكنّه يعود.
أمّا عن القداسة فھي ليست حكرًا لا على الدير ولا على الرعيَّة، هي دعوة عامّة موجَّھة إلى كلّ مسيحيّ بغض النظر عن مكان تواجده أو دعوته أو نمط حياته. القداسة هي "أسلوب حياة" غير منحصرة بالمكان الذي نعيش فيه، وإذا كان هناك قدِّيسون خرجوا من القلالي والأديار والبراري، فھناك قدّيسون كُثر تقدَّسوا في قلب العالم.
في الختام أقول إنَّ الكنيسة لا تنھض إلّا بجناحين "الرعيَّة والدير"، فعلينا أن نعيش في الرعيَّة بقلب الدير، ونُصلِّي في الدير بأوجاع الرعيَّة."