الأحد 11 تشرين الأوّل 2026
07 تشرين الأول 2026
الأحد 11 تشرين الأوّل 2026
العدد 41
أحد آباء المجمع المسكونيّ السَّابع
اللحن الثاني، الإيوثينا الثامنة
أعياد الأسبوع:
11: الرَّسول فيليبّس أحد الشَّمامسة السَّبعة، البارّ إسحق السريانيّ (28 أيلول شرقيّ)، ثاوفانس الموسُوم، 12: الشُّهداء بروفوس وأندرونيكس وطَرَاخُس، سمعان الحديث، 13: الشُّهداء كَرْبُس وبابيلس ورفقتهما، 14: الشُّهداء نازاريوس ورفقته، قزما المُنشئ أسقُف مايوما، 15: الشَّهيد في الكهنة لوكيانُس المعلِّم الأنطاكيّ، 16: الشَّهيد لونجينوس قائد المئة ورفقته، 17: النَّبيّ هوشع، الشَّهيد أندراوس.
من بركات الجبل المقدّس إلى أديار فرنسا: رحلة راعي الأبرشيّة الروحيّة
في الخامس من أيلول، انطلقت رحلتنا الروحيّة إلى اليونان وفرنسا؛ رحلةٌ تنقّلنا فيها بين الأماكن، لكنّها كانت في جوهرها مسارًا واحدًا نحو حضور الله عبر الكنيسة، والحياة الرهبانيّة، وشركة القدّيسين والآباء والإخوة الذين حظينا بنعمة اللقاء بهم.
كانت محطّتنا الأولى جبل آثوس؛ ذلك الجبل المبارك الذي صان عبر القرون تقليد الصلاة والصمت والتوبة، حتّى ليشعر المرء فيه بأنّ الزمن يتوقّف أمام سرّ الحضور الإلهيّ.
بدأنا بزيارة دير ستافرونيكيتا (Stavronikita) القائم عند ضفاف البحر، حيث شاركنا في القدّاس الإلهيّ، وكان لنا لقاءٌ مع رئيس الدير اليروندا (الشيخ) تيخن. تميّز اللقاء بالبساطة والعمق في آن، ولمسنا فيه جوهر الحياة الرهبانيّة القائمة على الصلاة والتواضع والمحبّة.
بعدها توجّهنا إلى قلّاية القيامة (التابعة للأب إفثيميوس)، حيث نسك الأب إسحق عطالله اللبنانيّ الأصل، فأقمنا هناك يومين عشنا خلالهما أجمل لحظات الرحلة؛ إذ شاركنا في سهرانيّة عيد القدّيس يوحنّا المعمدان، السابق المجيد. كانت تلك الليلة سماءً على الأرض؛ وسط الهدوء والسكينة، وبين جمعٍ ضمّ الرهبان وحدهم، أُقيمت السهرانيّة ببساطةٍ مفعمة بالنعمة. في تلك اللحظات، أدركنا أنّ الإنسان لا يحتاج إلى الكثير كي يختبر فرح السماء؛ يكفيه أن يقف أمام الله بقلبٍ متواضع، ويشترك مع إخوته في رفع الصلاة.
ثمّ تابعنا السير إلى دير سيمونوس بترا (Simonopetra)، حيث التقينا اليروندا أليشع وشرُفنا بالمشاركة في القدّاس الإلهيّ.
وكانت محطّتنا الأخيرة في الجبل المقدّس دير القدّيس بولس، حيث التقينا اليروندا برثانيوس واستمعنا إلى إرشاداته ونشدنا بركته، فكان اللقاء محطّة روحيّة فارقة.
وفي كلّ ديرٍ زرناه في جبل آثوس، كان يترسّخ في وجداننا أنّ الحياة الرهبانيّة ليست اعتزالًا للعالم بقدر ما هي وقوفٌ دائم أمام الله، وصلاةٌ مستمرّة من أجل العالم والكنيسة والإنسان.
غادرنا الجبل متوجّهين إلى منطقة متامورفوسي (Metamorfosi)حيث زرنا دير القدّيس يوحنّا المعمدان، والتقينا الراهبات وتجاذبنا معهنّ أطراف الحديث في جلسةٍ ملؤها المحبّة والبساطة.
وفي إطار زيارتنا السنويّة إلى بانوراما (Panorama)، توجّهنا إلى ديري ميلاد ورقاد والدة الإله، حيث أُتيحت لنا فرصة اللقاء بجميع الراهبات والحديث معهنّ في جلسة روحيّة (Synaxis) جمعتنا في جوٍّ من الصلاة والأخوّة.
وبهذا اختتمنا زيارتنا إلى تسالونيكي وجبل آثوس، حاملين ذكريات لقاءات أثيرة وبركة الصلاة في تلك الأماكن المقدّسة.
ومن اليونان انتقلنا إلى فرنسا لزيارة ديرين، يمتلك كلٌّ منهما طابعه الروحيّ الخاصّ وارتباطه بتقليدنا الأرثوذكسيّ:
• المحطّة الأولى: ديرٌ مرتبط بكرسيّ أنطاكية، حيث التقينا الراهبات واحتفلنا معهنّ بالقدّاس الإلهيّ. وكان لافتًا ومبهجًا أن تُقام الصلاة باللغة الفرنسيّة، لنرى كيف تُعاش الحياة الأرثوذكسيّة وتتجذّر في بيئة وثقافة مختلفة، بينما يظلّ الإيمان واحدًا، والكنيسة واحدة، والمسيح واحدًا.
• المحطّة الثانية: دير سولان(Solan) التابع لدير سيمونوس بترا الآثوسيّ، حيث أقمنا يومين شاركنا خلالهما الرهبان أوقات صلاتهم وحياتهم الروحيّة.
وفي طريق عودتنا إلى لبنان، مررنا بأثينا؛ وكانت محطّتنا الأخيرة دير سريعة الاستجابة (Γοργοεπηκόου) للعذراء مريم، القائم على تلّةٍ بالقرب من وسط المدينة. التقينا هناك برئيسة الدير، اليرونديسا ففرونيا، وسائر الراهبات، فكان الدير واحةً من الهدوء والصلاة. وقد تزامنت زيارتنا مع الاحتفال الثاني للدير بأيقونته المقدّسة؛ إذ كان المكان غاصًّا بالمؤمنين الذين استقبلونا بمحبّةٍ وفرحٍ جزيلين، فشعرنا وسط ذلك الجمع أنّنا لسنا غرباء، بل إخوة يجمعنا المسيح في كنيسته الواحدة.
عدنا إلى ديارنا ونحن نحمل في قلوبنا بركة كلّ ديرٍ زرناه، وكلّ أبٍ وراهبٍ وراهبةٍ التقينا بهم، وكلّ قدّاس وصلاة ارتفعت في تلك البقاع. وكانت أثمن هديّة في هذه الرحلة هي اختبارنا المتجانس بأنّ الكنيسة ليست مجرّد مكان، بل هي شركة محبّة؛ وأينما حللنا نجد في المسيح بيتًا، وفي الصلاة أخوّة، وفي كلّ لقاء نعمةً جديدة نكتشف بها حضور الله.
+ افرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
طروباريّة القيامة باللحن الثاني
عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ ببرقِ لاهوتك وعندما أقمتَ الأموات من تحتِ الثَّرى، صرخَ نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويِّين: أيُّها المسيحُ الإله معطي الحياةِ، المجدُ لك.
طروباريّة الآباء باللحن الثامن
أنتَ أيّها المسيحُ إلهُنا الفائقُ التسبيح، يا من أسّستَ آباءَنا القدّيسينَ على الأرضِ كواكبَ لامعة، وبهم هديتَنا جميعًا إلى الإيمانِ الحقيقيّ، يا جزيلَ الرحمةِ المجدُ لك.
القنداق باللحن الثاني
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودِة، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحة، نَحْنُ الصارخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ، وأسَرعي في الطلْبَةِ يا والدةَ الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرسالة: تيطس 3: 8-15
مبارَكٌ أنتَ يا ربُّ إلهُ آبائنا
لأنّك عدلٌ في كلِّ ما صنعتَ بنا
يا ولدي تيطس، صادقةٌ هي الكلِمةُ، وإيّاها أريدُ أن تقرِّرَ، حتَّى يَهتمَّ الذين آمنوا بالله في القيام بالأعمالِ الحسنة. فهذه هي الأعمالُ الحسنة والنافعة. أمَّا المُباحثات الهذيانيَّةُ والأنسابُ والخُصوماتُ والمماحكاتُ الناموسيَّة فاجتنبها، فإنَّها غيرُ نافعةٍ وباطلةٌ. ورجل البدعة بعدَ الإنذار مرَّة وأخرى أعْرِض عنه، عالمًا أنَّ مَنْ هو كذلك قد اعتسف وهو في الخطيئة يقضي بنفسه على نفسه. ومتى أرسلتُ إليك أرتماس أو تيخيكوس فبادِر أن تأتيَني إلى نيكوبوليسَ لأنّي عزمتُ أن أُشتِّيَ هناك. أمَّا زيناسُ معلِّمُ الناموس وأبلّوس فاجتهد في تشييعهما متأهبِّين لئلّا يعوزهما شيءٌ. وليتعلَّم ذوونا أن يقوموا بالأعمالِ الصالحةِ للحاجاتِ الضروريَّة حتّى لا يكونوا غير مُثمِرين. يسلِّم عليكَ جميعُ الذينَ معي. سلِّم على الذين يُحبّوننا في الإيمان. النعمةُ معَكم أَجمعين. آمين.
الإنجيل لو 8: 5-15 (لوقا 4)
قال الربُّ هذا المثَل: خرج الزارِعُ ليزرعَ زرعَهُ، وفيما هو يزرع سقط بعضٌ على الطريق فوُطِئَ وأكلتهُ طيورُ السماءِ، والبعض سقط على الصخر فلمَّا نبت يَبِسَ لأنَّهُ لم تكنْ له رُطوبة، وبعضٌ سقط بين الشوك فنبت الشوكُ معهُ فخنقهُ، وبعضٌ سقط في الأرضِ الصالحة، فلمَّا نبت أثمر مئَةَ ضعفٍ. فسأله تلاميذهُ: ما عسى أنْ يكونَ هذا المثل. فقال: لكم قد أُعطيَ أنْ تعرِفوا أسرارَ ملكوت الله. وأمّا الباقون فبأمثالٍ لكي لا ينظروا وهم ناظِرونَ ولا يفهموا وهم سامعون. وهذا هو المثَل: الزرعُ هو كلمةُ الله، والذين على الطريق هم الذين يسمعون، ثمَّ يأتي إبليس وَيَنْزعُ الكلمةَ من قلوبهم لئلّا يؤمنوا فيخلُصوا. والذين على الصخر همُ الذين يسمعون الكلمةَ ويقبلونها بفرحٍ، ولكن ليس لهم أصلٌ، وإنَّما يؤمِنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدُّون والذي سقط في الشوك هم الذين يسمعون ثمَّ يذهبون فيختنِقون بهمومِ هذه الحياةِ وغناها ومَلذَّاتِها، فلا يأتون بثمرٍ. وأمَّا الذي سقط في الأرض الجيّدة فهم الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيدٍ صالحٍ، ويُثمرون بالصبر. ولما قال هذا نادى: مَن لهُ أُذنان للسمع فليسمعْ.
في الإنجيل
في إنجيل اليوم، يضع الربّ يسوع أمامنا مَثَل الزارع، مستعملًا صورةً مألوفة من الحياة اليوميّة ليكشف لنا سرًّا عميقًا من أسرار ملكوت الله. فالزارع هو الله، والبذار هي كلمة الله، والأرض هي قلب الإنسان. والبذار واحدة، لكنّ الثمر يختلف بحسب الأرض الّتي تسقط فيها.
خرج الزارع ليزرع، فسقط بعض البذار على الطريق فداسه الناس وأكلته الطيور، وبعضه على أرض صخريّة فلمّا نما يبس لعدم وجود العمق، وبعضه بين الشوك فاختنق، وأمّا الذي سقط في الأرض الصالحة فنما وأثمر مئة ضعف.
كلمة الله حيّة وفعّالة، تحمل في ذاتها قوّة الحياة والتجديد، لأنّها ليست مجرّد كلام بشريّ، بل كلمة الله الّتي تعمل في الإنسان بنعمة الروح القدس. لذلك فالمشكلة ليست في البذار، بل في الأرض التي تستقبلها. والسؤال الّذي يوجّهه إلينا الربّ اليوم ليس فقط: هل نسمع كلمة الله؟ بل: هل نسمح لكلمة الله أن تعمل فينا؟
نحن نسمع كلمة الله في الإنجيل، وفي القدّاس الإلهيّ، وفي العظات، ومن خلال حياة الكنيسة. لكنّ السماع وحده لا يكفي. فالربّ يقول: «ليس كلّ من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل الّذي يفعل إرادة أبي الّذي في السماوات» (متّى ٧: ٢١). كلمة الله لا تُعطى لنا لكي نعرفها فقط، بل لكي تصير حياةً فينا.
أحيانًا يكون قلب الإنسان مثل الطريق: يسمع الكلمة، لكنّها لا تدخل إلى أعماقه، لأنّ القلب أصبح قاسيًا أو مشغولًا أو غير مبالٍ. وأحيانًا يكون مثل الأرض الصخريّة: يتأثّر بكلمة الله ويشتعل بحماس روحيّ، لكن من دون جذور، فلا يصمد عندما تأتي التجربة. وأحيانًا يكون مثل الأرض الّتي يغطّيها الشوك؛ نريد الله، لكن هموم الحياة، والمادّة، والشهوات، ومحبّة العالم، تخنق كلمة الله في داخلنا. أمّا الأرض الصالحة، فهي ليست قلبًا كاملًا بلا ضعف، بل قلبٌ متواضع وتائب، يعرف ضعفه ويعود دائمًا إلى الله. إنّها النفس الّتي تسمع كلمة الله، وتحفظها، وتصبر عليها، وتسمح لنعمة الله أن تعمل فيها.
وهنا تكمن الحياة الأرثوذكسيّة: نحن لا نخلّص أنفسنا بقوّتنا، ولا ننمو روحيًّا بمجرّد إرادتنا، بل نتجاوب مع نعمة الله. فالنعمة تُعطى، لكنّ القلب مدعوّ إلى أن يفتح نفسه لها. والتوبة هي أن نعود إلى الله كلّما ابتعدنا، والصلاة هي أن نبقى في حضرته، والأسرار الإلهيّة هي حياة المسيح الّتي نتغذّى بها داخل الكنيسة. فالكنيسة ليست مجرّد مكان نأتي إليه، بل هي حقل الله الحيّ، حيث تُزرع كلمة الإنجيل فينا، وتُسقى بنعمة الأسرار، وتنمو بالصلاة والجهاد الروحيّ، وتثمر في المحبّة والقداسة.
لذلك لا يكفي أن نعرف المحبّة، بل أن نحبّ؛ لا يكفي أن نعرف الغفران، بل أن نغفر؛ لا يكفي أن نقرأ عن الصلاة، بل أن نصلّي؛ ولا يكفي أن نسمع عن التوبة، بل أن نتوب. ولعلّ السؤال الأهمّ الّذي يتركه لنا إنجيل اليوم هو: أيّ أرضٍ هو قلبي؟ هل أصبحت كلمة الله تمرّ بي دون أن تغيّرني؟ هل أبدأ ثمّ أتراجع؟ هل تخنقني هموم العالم حتّى لا يبقى في قلبي مكان لله؟ أم أنّني، رغم ضعفي وسقطاتي، أفتح قلبي للمسيح وأقول له: «يا ربّ، اعمل فيّ»؟
الأرض الصالحة ليست الإنسان الّذي لم يسقط، بل الإنسان الّذي لا يسمح لسقوطه أن يكون نهايته. كلّما سقط يعود، وكلّما ابتعد يرجع، وكلّما قست أرض قلبه يطلب من الربّ أن يحرثها بنعمته. فلنطلب اليوم من الربّ ألّا تبقى كلمته على سطح حياتنا، بل أن تنزل إلى أعماق القلب؛ أن تحوّل قساوتنا إلى توبة، وخوفنا إلى إيمان، وأنانيّتنا إلى محبّة، وضعفنا إلى اتّكال على النعمة. يا ربّ، اجعل قلبي أرضًا لك. لا تسمح أن تُسرق كلمتك منّي، ولا أن تخنقها أشواك العالم، ولا أن تجفّ فيّ بسبب قلّة الجذور. ازرع كلمتك في أعماقي، واسقِها بنعمتك، وأنمِها بروحك القدّوس، حتّى تصبح حياتي ثمرًا لك.
وحينئذٍ، لا تكون الكلمة الّتي سمعناها اليوم مجرّد عظةٍ تنتهي بانتهاء القدّاس، بل بذرةً تبقى في القلب، وتنمو في الصمت، وتظهر في حياتنا صلاةً وتوبةً ومحبّةً وقداسةً. لأنّ غاية كلمة الله ليست أن نسمعها فقط، بل أن تسكن فينا؛ وغاية أن تسكن فينا أن تغيّرنا؛ وغاية تغيّرنا أن يصير المسيح ظاهرًا في حياتنا.
حين يقود وهمُ الجمال إلى انكسار الزواج
لم تعد المشكلة في أنّ ثقافة المشاهير، ووسائل التواصل الاجتماعيّ تعرض صورًا جذّابة فحسب، بل في أنّها أعادت تشكيل مفهوم الجمال نفسه، حتّى أصبح كثيرون ينظرون إلى المصطنع على أنّه الطبيعيّ، وإلى الطبيعيّ على أنّه ناقص أو غير كافٍ.
شيئًا فشيئًا، ترسّخت في أذهاننا صورة مشوّهة للجمال: شفاه أكثر امتلاءً، وأجساد بلا عيوب، وبشرة لا تعرف التجاعيد. ومع التعرّض المتواصل لهذه الصور، اعتادت أعيننا هذا الكمال المصطنع حتّى بدا وكأنّه المقياس الحقيقيّ للجمال.
وللأسف، ساهمت بعض النساء في ترسيخ هذه الثقافة. فقد أصبح اللجوء إلى عمليّات التجميل، وحقن الفيلر، والسعي الدائم إلى الظهور بمظهر أصغر سنًّا وأكثر جاذبيّة، أمرًا اعتياديًّا. نقارن أنفسنا بالآخرين، ونتنافس معهم، ونصبح في كثير من الأحيان أقسى النقّاد لذواتنا.
هكذا، أعاد المجتمع تعريف الجمال وفق معايير بعيدة عن الواقع. وبدأت تتدرّب العين على الوهم حتّى بدا الواقع أقلّ جمالًا. فالمرأة الجميلة بطبيعتها قد تبدو في نظر البعض عاديّة، أو حتّى غير جميلة، لأنّ العقل اعتاد أن يقارنها بصور خياليّة، معدّلة ومنقّحة، لا وجود لها خارج الشاشات.
ومن هنا ينتقل تأثير وسائل التواصل من تشكيل الذوق إلى تهديد العلاقة الزوجيّة. فإذا اعتاد الإنسان أن يقيس الجمال بالصورة المثاليّة المصطنعة، فقد يدخل الزواج وهو يحمل وهم التوقّعات. وعندئذٍ لا يعود يرى الشخص الذي أمامه في حقيقته، بل يقارنه باستمرار بصورةٍ خياليّة صنعتها الشاشات، فيتحوّل الزواج من شركة حياة إلى امتحان دائم للمظهر والكمال.
وفي هذا السياق، كلمات القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم شديدة الواقعيّة. فهو لا ينكر قيمة الجمال، لكنّه يعيد توجيه النظر إليه، فيقول: «لنطلب في الزوجة المودّة، والتعقّل، والوداعة؛ فهذه هي علامات الجمال. أمّا جمال الجسد فلا نطلبه». ثمّ يدعو إلى إزالة «البقعة» الداخليّة وتسوية «التجاعيد» التي في النفس، لأنّ «هذا هو الجمال الذي يطلبه الله» (عظة القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم على أفسس ٥). فالكتاب المقدّس يذكّرنا: «لأنّ الإنسان ينظر إلى العينين، وأمّا الربّ فإنّه ينظر إلى القلب» (١ صموئيل ١٦: ٧). فالذي يبقى هو «إنسان القلب الخفيّ» (١ بطرس ٣: ٤)، صورة الله في الإنسان. أن تتحلّى الزوجة بالوفاء، والتواضع، والحكمة، والاستعداد للتضحية، ومحبّة الله فوق كلّ شيء، والقدرة على أن تكون مصدر سلام في بيتها وشريكة حقيقيّة مع زوجها في بناء عائلة متماسكة تسير سويّة نحو الملكوت: هذه الصفات التي لا تذبل مع الزمن لأنّها متجذّرة في القلب، بل يزداد جمالها عامًا بعد عام.
الأجساد تتغيّر، والسنوات تمضي، والتجاعيد تظهر، وقد يطرق المرض أبوابنا جميعًا. والزمن يعلّم الإنسان أنّ ما كان يظنّه ثابتًا ليس كذلك. لذلك لا تسمح لصناعةٍ تربح من شعورك بالنقص وعدم الرضا أن تحدّد لك معنى الجمال، بل اتّبع قول الربّ: «الحُسن غشٌّ، والجمال باطلٌ، أمّا المرأة المتّقية الربّ فهي تُمدَح» (أمثال ٣١: ٣٠).
أخبارنا
صدور كتابين لسيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) راعي الابرشيّة.
صدر كتابان لسيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) باللغة الفرنسيّة بعنوان:
:Paroles autour de la pastorale et de la vie spirituelle يحتويان على مقالات سيادته التي وضعت سابقًا في نشرة الكرمة.
يطلب الكتابان من دار المطرانيّة بسعر 10$ للنسختين.