الأحد 4 تشرين الأوّل 2026 

الأحد 4 تشرين الأوّل 2026 

30 أيلول 2026

الأحد 4 تشرين الأوّل 2026 
العدد 40
الأحد 18 بعد العنصرة
اللحن الأول، الإيوثينا السابعة


أعياد الأسبوع:

4: إيروثاوس أسقُف أثينا، البارّ عمُّون المصريّ، 5: الشَّهيدة خاريتين، البارَّة ماثوذيَّة، البارّ أفذوكيموس، 6: الرَّسول توما، 7: الشَّهيدان سرجيوس وباكخُس، الشَّهيد بوليخرونيوس، 8: البارَّة بيلاجيا، تائيس التَّائبة، سرجيوس رادونج (25 أيلول ش)، 9: الرَّسول يعقوب بن حلفا، البارّ أندرونيكس وزوجته أثناسيَّا، إبراهيم الصدِّيق ولوط، 10: الشَّهيدان أفلمبيوس وأخته أفلمبية.

التدبير الإلهيّ:
 زرع بذور الرحمة اللامشروطة


في حياتنا اليوميّة، اعتدنا على العيش وفقًا لاقتصاد صارم قائم على التبادل. فنحن نقيس بطبيعتنا ما نعطيه مقابل ما نتوقّع الحصول عليه. نستثمر حيث يكون العائد أعلى، ونسدي الجميل لمن يستطيع ردّه. لكن ربّنا يسوع المسيح ورسُلُه وقدّيسوه عبر الزمن يُقدّمون لنا واقعًا مختلفًا جذريًّا: التدبير الإلهيّ لملكوت الله.

عندما نقرأ رسالة اليوم (٢ كورنثوس ٩: ٦-١١) جنبًا إلى جنب مع تعاليم المسيح إلهنا في إنجيل هذا اليوم (لوقا ٦: ٣١-٣٦)، تتجلّى لنا رؤية عميقة وموحّدة للمحبّة المسيحيّة. كلا النصّين يدعواننا إلى التخلّي عن حساباتنا الدنيويّة واعتناق فكر الكرم الجذريّ والبذل وإنكار الذات.

يكمن جوهر هذا التعليم في العطاء بلا شروط. يذكّرنا القدّيس بولس بأن «مَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ»، حاثًّا إيّانا على العطاء «لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ، لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ». ويأخذ إلهنا يسوع المسيح هذا المبدأ إلى أبعد حدّ، متسائلًا: «وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ». إنّه يأمرنا بأن نفعل الخير ونقرض غير راجين شيئًا بالمقابل. إنّ العطاء المسيحيّ الحقيقيّ - سواءٌ أكان من أموالنا، أم من وقتنا، أم من غفراننا - يجب أن يتحرّر تمامًا من الرغبة في الاسترداد. إنّ المعطي المسرور يفرح تحديدًا لأنّ عطيّته هي تقدمة نقيّة، لا تشوبها توقّعات خفيّة.

بالنسبة إلى العقل الدنيويّ، يبدو هذا وكأنّه وصفة للاستنزاف والإرهاق. فكيف يمكننا أن نسكب أنفسنا باستمرار من أجل جاحدي الجميل أو المعادين لنا دون أن ننضب؟

يقدّم الرسول بولس الإجابة: نحن لسنا مصدر الحصاد؛ بل نحن مجرّد وكلاء على البذار. إنّه يعد بأن «الله قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ». يمكننا أن نكون أسخياء بشكل استثنائيّ لأنّ خيراتنا الروحيّة والمادّيّة تأتي من نبع لا ينضب. نحن لا نعطي من قلّة حيلتنا، بل من فيض نعم الله التي لا تنفد.

في النهاية، هذه الرسالة الموحّدة لا تتعلّق فقط بالإحسان؛ بل تتعلّق ببلوغ التألّه، أي بانسكاب نعمة يسوع ربّنا غير المخلوقة حين يُسرُّ هو باقتدائنا به ولبسه بالكلّيّة واعتناق فكره. يكشف المسيح عن المكافأة الحقيقيّة لجهاد المحبّة النُسكيّ هذا: «فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيمًا وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ».

عندما نُعطي بسخاء، وبفرح، ودون تمييز - حتّى أولئك الذين قد يعتبروننا أعداء - فنحن لا نفعل شيئًا سوى الاقتداء بالمسيح المصلوب. والله يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، وينثر بذور نعمته في جميع أنحاء العالم، عالمًا أنّ الكثير منها سيسقط على أرض محجّرة.

فيما ندخل في هذا الأسبوع، دعونا نفحص تربة قلوبنا. أين نحتسب الأرصدة ونراقبها؟ أين نُعطي بدافع الإيمان و«الاعتراف بإنجيل المسيح» وليس الفرح؟ دعونا نرجُ أن نستوفي من الربّ وحده البركات الكثيرة لكي نقتدي بسخائه اللامحدود، من خلال نثر بذور الرحمة اللامشروطة، فيشكر الكثيرون الله» على طاعة اعترافنا بإنجيل المسيح. «

الأرشمندريت يعقوب خليل
عميد معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ

طروباريّة القيامة باللحن الأوّل

إنّ الحجر لمّا خُتم من اليهود، وجسدك الطاهر حُفِظَ من الجند، قمت في اليوم الثالث أيّها المخلِّص، مانحًا العالم الحياة. لذلك، قوّات السماوات هتفوا إليك يا واهب الحياة: المجد لقيامتك أيّها المسيح، المجد لملكك، المجد لتدبيرك يا محبّ البشر وحدك.

القنداق باللحن الثاني

يا شفيعَةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرّدودةِ، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرَّميك.

الرسالة: 2 كو 9: 6-11
لتكُنْ يا ربُّ رحمتك علينا     
ابتهجوا أيُّها الصديقونَ بالربّ


يا إخوةُ، إنَّ مَن يزرعُ شحيحًا فشحيحًا أيضًا يحصُدُ، ومَن يزرعُ بالبركاتِ فبالبركاتِ أيضًا يحصُدُ، كلُّ واحدٍ كما نوى في قلبِه، لا عن ابتئاسٍ أو اضطرارٍ. فإنَّ الله يُحبُّ المُعطي المتهلِّل. واللهُ قادرٌ على أن يزيدَكم كلَّ نعمةٍ حتّى تكونَ لكم كلُّ كفايةٍ كلَّ حينٍ في كلِّ شيءٍ، فتزدادوا في كلِّ عملٍ صالحٍ، كما كُتبَ: «إنَّه بدَّدَ، أعطى المساكينَ، فبرُّه يدومُ إلى الأبد». والذي يرزقُ الزارعَ زرعًا وخبزًا للقوتِ يرزقُكم زرعَكم ويكثِّره، ويزيدُ غلالَ برِّكم، فتستغنون في كلِّ شيءٍ لكلِّ سخاءٍ خالصٍ يُنشئُ شكرًا لله.

الإنجيل: لو 6: 31-36 (لوقا 2)

قال الربُّ: كما تريدونَ أن يفعلَ الناسُ بكم، كذلك افعلوا أنتم بهم. فإنَّكم إنْ أحببتمُ الذين يُحبُّونكم، فأيَّةُ مِنَّةٍ لكم؟ فإنَّ الخطأةَ أيضًا يُحبُّون الذين يُحبُّونهم. وإذا أحسنتم إلى الذين يُحسِنون إليكم، فأيَّةُ مِنَّةٍ لكم؟ فإنَّ الخطأةَ أيضًا هكذا يصنعون. وإنْ أقرضتمُ الذين ترجونَ أن تستوفوا منهم، فأيَّةُ مِنَّةٍ لكم؟ فإنَّ الخطأةَ أيضًا يُقرضونَ الخطأةَ لكي يستوفوا منهم المِثلَ. ولكن، أحبُّوا أعداءَكم، وأحسِنوا، وأقرضوا غيرَ مؤمِّلين شيئًا، فيكونَ أجرُكم كثيرًا، وتكونوا بني العليِّ. فإنَّه مُنعِمٌ على غير الشاكرينَ والأشرار. فكونوا رُحماءَ كما أنَّ أباكم هو رحيمٌ.

حول الرسالة والإنجيل
الكنيسةُ الحلم!


أمام هذين النصَّين من الرسالة والإنجيل، نقف صامتين عن الشَّرح والتفسير، لأنَّ ما ورد فيهما لا يحتاج إلى شرحٍ أو تفسير، فهو واضحٌ وضوح الشمس، وهو فقط يحتاج إلى عيشٍ وتطبيق، على الصعيد الشخصيّ، والعائليّ والكنسيّ. لذلك لن نشرح ولن نفسِّر، بل سنكتفي بأن نسأل ونتساءل ونطلب!
ويا ليتَ الإخوة المرتِّلين في الكنيسة، والآباء الكهنة، يقرؤون هذين النصَّين نثرًا بدون تنغيم، حتّى تصل الكلمات إلى آذان السامعين ويستقرَّ المعنى في قلوبهم، لأنَّ فهم المعنى أهمّ بكثير من النَّغمة.

نسأل أنفسنا: كم نحن مقصِّرون أمامك يا ربّ؟! أنت تريد أن ترتقي بنا إلى المستوى الذي يليق بنا كبشرٍ مخلوقين على «صورة الله ومثاله»، فنكون رحماء، نغمر بحبِّنا الأصدقاء والأعداء والمسيئين إلينا، ونعطي بسخاءٍ دون أن نستردَّ من البشر، لنأخذ منك أجرًا وافرًا وعظيمًا، وتمنحنا شرف أن نكون أبناءك، وليس عبيدًا لك. أن نكون أبناء الإله الآب الضابط الكلّ، وأن يكون هو أبانا الذي في السماوات، هذا ما يعطينا الاطمئنان والسلام وسط اضطراب العالم وقلق البشريّة. أمّا نحن فنترك هذا الشرف العظيم، والمكافأة العظيمة أن نكون أبناءك أيّها العليّ، ونكتفي بفتات الأرض، وما يقدِّمه لنا عالمنا الأرضيّ من تفاهات ومادِّيّات وملذَّات ومناصبَ لا تقوى على اجتياز حدود القبر!

ونتساءل: كيف نتخلَّى نحن المسيحيّين عن هذا الشرف وعن هذا الامتياز وعن هذه الضمانة؟! يبدو أنَّنا جميعًا تُهنا عنك يا ربّ وأضعنا البوصلة! كما هو مكتوب: «الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا، ليس ولا واحد» (مز ١٤: ٣؛ رو ٣: ١٢)، «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله» (رو ٣: ٢٣)، فمتى نعود إلى ذواتنا ونستيقظ؟!

ونسأل الرسول بولس: ما هو العمل الصالح الذي تطلب أن نزداد منه يا بولس؟! فيجيبنا في الرسالة: «كما هو مكتوب: فرَّق، أعطى المساكين، برُّه يبقى إلى الأبد!». وأين مكتوبٌ هذا يا بولس؟ فيجيبنا متسائلًا: أما تقرؤون الكتاب المقدَّس؟! فتِّشوا وستجدون أنَّه مكتوب في سِفر المزامير: «الرجل الصالح يرأف ويُقرض ويدبِّر أموره بفطنة... فرَّق وأعطى المساكين، فبرُّه يدوم إلى الأبد» (مز ١١١: ٥-٩). إذًا يشجِّعنا بولس الرسول على أن نكون أسخياء في العطاء وأن نفرِّق مالنا على المساكين والفقراء لا على الملذَّات، لأنَّه على مقدار سخائنا مع الفقراء، يكون سخاء الله معنا، "أعطوا تُعطوا، كيلًا جيِّدًا ملبَّدًا مهزوزًا فائضًا يُعطون في أحضانكم، لأنَّه بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم، ويُزاد" (متّى ٧: ٢؛ مر ٤: ٢٤؛ لو ٦: ٣٨)، وسيردُّ الله لنا ولمؤسَّساتنا الكنسيّة أضعافًا من البركات.

نعم، إنَّ القلوب الخيِّرة كثيرة، والأيادي البيضاء موجودة بوفرة، والجمعيّات مع الكنيسة تعمل بنشاط في هذه الأبرشيّة وفي سائر الأبرشيّات، لكن لنقُلها بصراحة، الجهد المبذول يستحقّ الاحترام والتقدير، لكنَّ المطلوب أكثر!

مطلوبٌ أن نمتلك منطق المسيح الذي عاش وفقه القدّيسون، لا منطق الشركات والمؤسَّسات العالميّة، وإيمانًا يلامس الجنون، وثقةً عمياء بالربّ، عندها سنرى العجائب في حياتنا وكنائسنا ومؤسَّساتنا.

مطلوبٌ أن نرى الكنيسة تستنبط الحلول المناسبة والتي تتوافق مع لاهوتها وتعليم ربِّها، فتربط الأقوال بالأفعال، وتجعلنا نلمس مجّانيّة العطاء، في إلغاء الخدم الكنسيّة المأجورة، والتسعيرات بدل الأعراس والجنازات والمعموديّات، وكذلك في إعادة النَّظر في رسوم المحاكم الروحيّة وشهادة المعموديّة وإطلاق الحال.
مطلوبٌ أن نرى العدل والإنصاف في الكنيسة، ولا نرى الظلم يطال أيًّا كان، لأنَّ «الربّ يبغض من يحبّ الظلم... وهو عادلٌ ويحبُّ العدل» (مز ١٠: ٦-٨).
مطلوبٌ أن نرى أمامنا أطفالًا من أبنائنا الفقراء يُدرَّسون في مدارسنا وجامعاتنا مجّانًا، ولا يُطرَدوا لأجل أنَّ أهاليهم الفقراء لا يستطيعون تسديد الأقساط، ولنثق أنَّ الربّ سيبارك تلك المدرسة أو الجامعة ويرسل المتبرِّعين والطلّاب.

مطلوبٌ أن نرى موظَّفين يقنعون بمرتَّبٍ أقلَّ بكثير ممّا يستحقّ اختصاصهم العلميّ، لأجل أن يكون لزملائهم الموظَّفين الآخرين إمكانيّة أن يقبضوا ما يمكِّنهم من العيش بكرامة.

مطلوبٌ أن نرى مشافينا تقدِّم الاستشفاء مجّانًا للمحتاج، عند الضرورة، أو تأخذ الكلفة من دون أرباح، ولنثق أنَّ الربَّ سيبارك المستشفى ومن فيها من أطبّاء وممرِّضين وممرِّضات، ويضع على أيديهم الشفاء.

مطلوبٌ أن نرى المقاعد الأولى في الكنيسة تُخصَّص للفقراء والمهمَّشين، وليس للوزراء والنوَّاب والأغنياء، لئلّا تصيبنا الدينونة التي ذكرها يعقوب الرسول في رسالته: «يا إخوتي، لا يكن لكم إيمان ربّنا يسوع المسيح، ربّ المجد، في المحاباة. إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباسٍ بهيّ، ودخل أيضًا فقيرٌ بلباسٍ وسخٍ، فنظرتم إلى اللابس اللباس البهيّ وقلتم له: اجلس أنت هنا حسنًا، وقلتم للفقير: قف أنت هناك، أو: اجلس هنا تحت موطئ قدمي، فهل لا ترتابون في أنفسكم، وتصيرون قضاة أفكار شرّيرة؟! ... لأنَّ الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة» (يع ٢: ١-١٣).

مطلوبٌ من كلِّ واحدٍ منَّا أن يعيش ما يؤمن به، في بيته وعائلته ومجتمعه، متَّكلين على معونة الربّ ونعمته، فنجسِّد بصدقٍ إيماننا المسيحيّ، كي يرى الآخرون فينا صورة المسيح، ويعاينوا بهاء وسموَّ الحياة المسيحيّة.

مطلوبٌ من المجمع الأنطاكيّ أن يدرس كلَّ هذا، ويُرينا واقعًا ملموسًا يتغيَّر نحو الأفضل، بأن يصغي إلى كلِّ الأفكار المطروحة، ويفتح مجالًا للحوار المباشر معه، لكلِّ من يريد من المؤمنين، كهنةً وعلمانيّين، ويتعاون مع الجميع، فقد حان الوقت كي نرى الكنيسة التي حلُمنا بها، ولكي يتحقَّق الحلم!

حين يصمت الله… هل يعني أنّه بعيد؟

كثيرًا ما تمرّ في حياتنا أوقات نشعر فيها أنَّ الله صامت. نصلّي ولا نرى جوابًا، نطلب ولا يتغيّر شيء، ننتظر بابًا يُفتح فيبقى مغلقًا، ونتساءل في داخلنا:"أين الله؟ ولماذا لا يتدخّل؟"

لكن هل صمتُ الله يعني غيابه؟ كلّا.
فالله لا يترك أبناءه، حتّى عندما لا نشعر بحضوره.

أحيانًا نبحث عن الله في الأمور الكبيرة: في المعجزات، في الحلول السريعة، في تغيّر الظروف. لكنَّ الله يعمل أيضًا في الخفاء، وبطريقة هادئة لا نكتشفها إلّا بعد وقت. قد لا يغيّر الله الظرف الذي نمرّ به، لكنَّه يغيّرنا نحن من خلاله. وقد لا يزيل التجربة فورًا، لكنَّه يمنحنا نعمةً تجعلنا قادرين على عبورها.

نقرأ في الكتاب المقدّس: "اسْكُنْ أَمَامَ الرَّبِّ وَانْتَظِرْهُ بِصَبْرٍ"(مز ٣٧: ٧)
الانتظار ليس فراغًا، بل هو فعل إيمان. أن أنتظر الله يعني أن أقول له: "يا ربّ، أنا لا أفهم ما يحدث، لكنَّني أثق بك".
وقد تكون أجمل صلواتنا أحيانًا ليست تلك التي نطلب فيها من الله أن يغيّر كلّ شيء، بل التي نقول فيها ببساطة: "يا ربّ، أعطني أن أثق بك حتّى عندما لا أفهمك".

إنَّ الإيمان الحقيقيّ لا يعني أن تكون حياتنا خالية من الأسئلة والدموع، بل يعني أن نبقى ممسكين بيد الله وسط الأسئلة والدموع.
فلنتذكّر دائمًا:

إذا بدا لك أنَّ الله صامت، لا تتوقّف عن الصلاة. إذا تأخّر الجواب، لا تفقد الرجاء. إذا لم تفهم الطريق، لا تترك يد الله.
فربّما يكون الله، في الوقت الذي نظنّ فيه أنَّه بعيد، أقرب إلينا من أيّ وقتٍ مضى.
ولنصلِّ مع المرنّم:"لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي"(مز ٢٣: ٤(.
ليكن إيماننا إيمانًا لا يعتمد على ما نراه، بل على مَن نثق به.
الله حاضرٌ، حتّى في الصمت. والله يعمل، حتّى عندما لا نرى عمله.

تذكار القدّيسين الشهيدين سرجيوس (سركيس) وباخوس (303 م)

كان سرجيوس وباخوس من نبلاء روما، وقد شغلا مناصب عسكريّة مهمّة رغم صغر سنّهما في زمن الإمبراطور مكسيميانوس. وكان أن دعا الإمبراطور، مرّة، على عادة أباطرة ذلك الزمان، إلى تقديم الذبائح للآلهة الوثنيّة تعبيرًا عن الولاء لسيّد العرش، فمثل كلّ الأعيان وقادة الجيش لديه إلّا سرجيوس وباخوس. ولمّا استطلع الإمبراطور الأمر عرف أنّهما مسيحيّان. لسان حالهما كان: «نحن لا نخدم إلّا في جيشك الأرضيّ، يا جلالة الإمبراطور. أمّا التنكّر للإله الحقيقيّ الوحيد الذي نعبد وتقديم العبادة لآلهة لا حياة فيها، فلا الحديد ولا النار يمكن أن يجبرانا عليه...». فاغتاظ الإمبراطور غيظًا شديدًا، وأمر للحال بنزع أثوابهما وخاتميهما وكلّ علائم الرفعة عنهما وبإلباسهما أثوابًا نسائيّة. ثمّ وضعوا أغلالًا حول عنقيهما وساقوهما وسط المدينة للهزء والسخرية. أخيرًا أمر الإمبراطور بترحيلهما إلى مدينة عند نهر الفرات اسمها بالس، كانت مقرّ حاكم المشرق، أنطيوخوس، إذلالًا لهما، إذ إنّ أنطيوخوس هذا كان قد خدم تحت إمرة سرجيوس، وكان مشهورًا بعدائه للمسيحيّين.

حاول أنطيوخوس أمام رئيسه السابق أن يتذاكى، فجعله كبر سرجيوس وباخوس وثباتهما يشعر بالضعف والعجز والصغر كما لو كان قزمًا، فتحوّل، إذ ذاك، إلى وحش مفترس، فألقى بسرجيوس في السجن وسلّم باخوس إلى المعذِّبين الذين ضربوه ضربًا مبرحًا إلى أن فاضت روحه. أمّا سرجيوس فانتظر الحاكم بضعة أيّام، ثمّ ساقه إلى قرية سوريّة تُعرف بالرصافة، قريبة من بالس، على بعد حوالي مئتي كيلومتر إلى الشرق من حلب، وهناك أمر به فقطعت هامته. وقد أضحى المكان الذي دُفن فيه سرجيوس مقامًا يتقاطر إليه الناس من كلّ صوب، حتّى إنّه أصبح مدينة وصار يُعرف باسم سرجيوس: سرجيو بوليس، أي مدينة سرجيوس.

كما أنّ إكرام سرجيوس وباخوس انتشر في أمكنة كثيرة من المشرق.

ويقال إنّ أوّل كنيسة بُنيت له كانت في بصرى حوران سنة ٥١٢ م. كما بنى الإمبراطور يوستنيانوس كنيستين عظيمتين على اسم القدّيس سرجيوس (سركيس)، إحداهما في القسطنطينيّة والأخرى في عكّا في فلسطين (القرن السادس). وهناك العديد من الكنائس والأديرة في لبنان وسوريا على اسم سرجيوس أو سرجيوس وباخوس معًا. ويظنّ الدارسون أنّ إكرام هذين القدّيسين في بلادنا مردّه، بصورة خاصّة، إلى الخلفيّة الحورانيّة للكثير من الأسر المسيحيّة. يُذكر أنّ القدّيسين سرجيوس وباخوس كانا من أبرز القدّيسين الشفعاء لدى الغساسنة. من هذه المقامات دير على اسم القدّيس (مار) سركيس (سرجيوس) بالقرب من دير سيّدة كفتون الحاليّ التابع لأبرشيّة جبيل والبترون وتوابعهما (جبل لبنان) الأرثوذكسيّة. هذا يظنّ الدارسون أنّه يرقى إلى ما بين القرنين الخامس والسابع.
ملاحظة: إنّ عيد سرجيوس وباخوس هو عيد جامع في الشرق والغرب معًا.