الأحد 8 تشرين الثاني 2026

الأحد 8 تشرين الثاني 2026

05 تشرين الثاني 2026

 2026 الأحد 8 تشرين الثاني
العدد 45
الأحد 23 بعد العنصرة
اللحن السادس، الإيوثينا الأولى


أعياد الأسبوع:

8: عيد جامع لرئيسي الملائكة ميخائيل وغفرئيل، 9: الشَّهيدان أونيسيفورس وبورفيريوس، البارَّة مطرونة،  القدِّيس نكتاريوس أسقُف المدن الخمس، يوحنَّا القصير، البارَّة ثاوكتيستي، 10: الرَّسول أولمباس ورفقته، الشَّهيد أوريستس، القدِّيس أرسانيوس الكبادوكيّ، 11: الشُّهداء ميناس ورفقته، استفانيس، ثاوذورس الإسطوذيتي، 12: يوحنَّا الرحوم رئيس أساقفة الإسكندريّة، البارّ نيلس السِّينائيّ، 13: يوحنَّا الذهبيّ الفم رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، 14: الرَّسول فيلبُّس، غريغوريوس بالاماس.

نازفة الدم وابنة يايروس

عندنا أعجوبتان: أعجوبة نازفة الدم وقيامة ابنة يايروس.
هما علامتان نابعتان من محبّة المسيح ومن رحمته الإلهيّة تجاه كلّ من يحيط به على الأرض. وهما علامتان تنبئان بما كان ينوي أن يحقّقه عن طريق موته وقيامته: سرّ يميت فينا الخطيئة ويبعث فينا الحياة مع السيّد. هناك نقطة مميّزة في رواية قيامة ابنة يايروس.

هي الطريقة التي يستخدمها السيّد في حديثه عن الموت، يقول: "الابنة لم تمت لكنّها نائمة". هنا يكمن سرّ الموت المسيحيّ كلّه. مدافننا تدعى في اليونانيّة كيميتيريون koimitirion، ومعناه: مكان الاستراحة.

هذا يعني أنّ الموت بالنسبة إلى المسيحيّ ليس أمرًا مفجعًا. الموت هو استراحة في المسيح، انتظار وديع للقيامة، استراحة في الله ومعه. معه تنتهي كلّ التجارب والهموم الأرضيّة. 

المسيحيّون يذوقون في الموت السبوت في الراحة:Le Sabbat.
كما في يوم السبت العظيم: 
تذوّق سابق لملكوت السماوات.
في إنجيل اليوم كلام حول شفاء نازفة الدم. سمعنا في هذا المقطع قول المسيح: "من الذي لمسني؟" (٨: ٤٥).

من منّا، نحن الذين نشترك في الأسرار المقدّسة، ونسمع الإنجيل ونقرأه، ونتلو الصلوات، تُرى من منّا يلمس المسيح؟!
العبارة الواردة في هذا الإنجيل "من الذي لمسني؟" تشير إلى أنّه يمكن لنا أن نتمّم واجباتنا الليتورجيّة دون أن "نلمس" المسيح. 

هذا يعود إلى أنّ إيماننا وصلاتنا لم يكونا منشغلين بالمسيح وبكلماته آنذاك.
المرأة التي لمست المسيح شفيت من دائها بداعي ثقتها وإيمانها الكامل فيه.

هذا ما علينا أن نتسلّح به عند اشتراكنا في كلّ سرّ من أسرار الكنيسة، وعند قراءتنا الإنجيل على سبيل المثل. عندها يمكن أن نشفى من أمراضنا كلّها ومن خطايانا، ومن أنانيّتنا وأهوائنا المؤذية. آمين.

+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

طروباريّة القيامة باللحن السادس

إنَّ القوّاتِ الملائكيّةَ ظهروا على قبرك الموَقَّر، والحرّاس صاروا كالأموات، ومريمَ وقفت عندَ القبر طالبةً جسدَك الطاهر، فسَبَيْتَ الجحيمَ ولم تُجرَّب منها، وصادفتَ البتول مانحًا الحياة، فيا من قامَ من بين الأمواتِ، يا ربُّ المجدُ لك.

طروباريّة رؤساء الملائكة باللحن الرابع

أيها المتقدّمونَ على الأجناد السماويّين، نتوسّل إليكم نحن غيرَ المستحقّين، حتّى إنّكم بطلباتكم تكتنفونا بظلّ أجنحة مجدكم غير الهيولي، حافظينَ إيّانا نحن الجاثين والصارخينَ بغيرِ فتور: أنقذونا من الشدائد، بما أنّكم رؤَساءُ مراتب القوّات العلويّة.

قنداق دخول السيّدة إلى الهيكل باللحن الرابع

إنّ الهيكل الكلّيّ النَّقاوة، هيكلَ المخلّص، البتولَ الخِدْرَ الجزيلَ الثَّمن، والكَنْزَ الطاهرَ لِمجدِ الله، اليومَ تَدْخُلُ إلى بيتِ الرَّبّ، وتُدخِلُ معَها النِّعمةَ التي بالرّوح الإلهيّ. فَلْتسَبِّحْها ملائكة الله، لأنّها هي المِظلَّةُ السَّماويّة.

الرسالة: عب 2: 2-10
الصانِعُ ملائكتَهُ أرواحًا وخدَّامَهُ لهيبَ نارٍ
باركي يا نفسي الربَّ


يا إخوةُ، إن كانتِ الكَلَمِةُ التي نُطِقَ بها عَلى ألسِنَةِ ملائكةٍ قد ثَبتت، وكُلُّ تعدٍ ومَعصيةٍ نالَ جزاءً عَدلًا فكيفَ نُفلتُ نحنُ إن أهمَلنا خَلاصًا عَظيمًا كهذا قد ابتدأَ النُّطقُ بهِ على لسانِ الربِّ ثمَّ ثبَّتَهُ لنا الذينَ سمِعوهُ. وشَهِد بهِ اللهُ بآياتٍ وعجائبَ وقوَّاتٍ متنوّعةٍ وتوزيعاتِ الروحِ القدسِ على حسَبِ مشيئَتِه. فإنَّهُ لم يُخضِعْ للملائكةِ المسكونةَ الآتيةَ التي كلامُنا فيها لكن شَهِدَ واحدٌ في موضعٍ قائلاً: ما الإنسانُ حتّى تذكُرَهُ أو ابنُ الإنسانِ حتَّى تفتقِدَهُ. نقَّصْتَهُ عنِ الملائكةِ قليلًا. بالمجدِ والكرامةِ كلَّلتَهُ، وأقمتَهُ على أعمالِ يدَيك. أخضَعْتَ كُلَّ شيءٍ تحتَ قدميهِ. ففي إخضاعهِ لهُ كلَّ شيءٍ لم يترُك شيئًا غيرَ خاضعٍ لهُ. إلّا أنَّا الآن لسنا نرى بعدُ الكلَّ مُخضَعًا لهُ وإنَّما نَرَى الذي نُقِص عن الملائكةِ قليلًا، يسوعَ مكلَّلًا بالمجدِ والكرامةِ لأجلِ ألمِ الموتِ لكي يذوقَ الموتَ بنعمةِ الله من أجلِ الجميع لأنَّهُ لاقَ بالذي كلُّ شيءٍ لأجلِه وكلُّ شيءٍ بهِ، وقد أوردَ إلى المجدِ أبناءً كثيرينَ أن يجعلَ رئيسَ خلاصِهم بالآلام كاملًا.

الإنجيل: لو 8: 41-56 (لوقا 7)

في ذلك الزمان، دنا إلى يسوع إنسانٌ اسمه يايرُسُ، وهو رئيسٌ للمجمع، وخرّ عند قدمي يسوع، وطلب إليه أن يدخل إلى بيته، لأنّ له ابنة وحيدة لها نحوُ اثنتي عشْرَة سنة قد أشرفت على الموت وبينما هو منطلقٌ كان الجموع يزحمونه. وإنّ امرأةً بها نزفُ دمٍ منذ اثنتي عشرَة سنة، وكانت قد أنفقت معيشتَها كلَّها على الأطبّاء، ولم يستطعْ أحدٌ أن يشفيَها، دنت من خلفه ومسّت هُدبَ ثوبه، وللوقت وقف نزفُ دمِها. فقال يسوع: "من لمسني؟" وإذ أنكر جميعهم قال بطرس والذين معه: يا معلّم، إنّ الجموع يضايقونك ويزحمونك. وتقول من لمسني؟ فقال يسوع: "إنّه قد لمسني واحدٌ، لأنّي علمت أنّ قوّة قد خرجت منّي". فلمّا رأت المرأة أنّها لم تخفَ جاءت مرتعدة وخرّت له وأخبرت أمام كلّ الشعب لأيّة علّةٍ لمسته وكيف برئت للوقت. فقال لها: "ثقي يا ابنةُ، إيمانُك أبرأكِ فاذهبي بسلام". وفيما هو يتكلّم جاء واحدٌ من ذوي رئيس المجمع وقال له: إنّ ابنتَك قد ماتت فلا تُتعب المعلّم. فسمع يسوع، فأجابه قائلًا: لا تخف، آمن فقط فتبرأ هي. ولمّا دخل البيت لم يدَع أحدًا يدخل إلّا بطرس ويعقوب ويوحنّا وأبا الصبيّة وأمّها. وكان الجميع يبكون ويلطمون عليها، فقال لهم: لا تبكوا، إنّها لم تمت ولكنّها نائمة. فضحكوا عليهِ لِعِلْمِهم بأنّها قد ماتت. فأمسك بيدها ونادى قائلًا: يا صبيّةُ قومي. فرجَعت روحُها في الحال. فأمر أن تُعطى لتأكل. فدُهش أبواها، فأوصاهما أن لا يقولا لأحدٍ ما جرى.

في الإنجيل

الله ينير، وهو معنى اسم يايرس رئيس المجمع. يستجيب الربّ لاستغاثته من أجل ابنته، ولكنّ حادثة شفاء طارئة تؤخّر ذهابه بعض الوقت.
إنّها المرأة النازفة الدم، منذ اثنتي عشرة سنة، والتي "أنفقت معيشتها كلّها على الأطبّاء ولم يستطع أحد أن يشفيها". رغم ذلك، لم تيأس، بل أتت إلى الربّ يسوع بإيمان عظيم. لم تكن تجرؤ على مواجهته لأنّها تعلم أنّها غير طاهرة كما يقول الناموس في سفر اللاويّين ١٥، فخافت وقرّرت أن تلمس هدب ثوبه بأصابعها، فشفيت للحال بعد أن خرجت قوّة من يسوع، الطبيب الحقيقيّ للجسد والنفس. 

ظنّت للوهلة الأولى أنّ أمرها لم يكشف، وأنّها تستطيع الهرب دون أن يعرف أحد شيئًا عنها. هذا ما ظنّته، ولكنّ الربّ يسوع كانت لديه معرفة كاملة بأفكارها وبإيمانها، فأفشل خطّتها للهروب. 

لماذا؟ لأنّ الربّ كانت لديه فكرة أخرى وخطّة أخرى:
فما هي هذه الخطّة؟

أوّلًا: أراد الربّ أن يكشف إيمانها العظيم لكي يقتدي بها الآخرون.
ثانيًا: ألّا تمضي خلسة بعد نيلها الشفاء، فترزح تحت ثقل عذاب الضمير والقلق، وكأنّها سرقت النعمة الإلهيّة.
ثالثًا: أن يخرجها من ضلالها في الاعتقاد أنّها عبرت دون أن يلاحظها يسوع.
رابعًا: إنّه أراد أن يعلّمها أنّ تعاملها لم يكن مع قوّة شفائيّة، بل مع شخص حقيقيّ، وهو الإله والمخلّص.

يريدنا الربّ يسوع أن نتعامل معه وجهًا لوجه، في علاقة شخصيّة، نسمعه ويسمعنا، نتكلّم معه ويتكلّم معنا، لا أن نأتي من خلفه، كما نفعل نحن المسيحيّين أحيانًا في هذا الزمن الرديء، حيث نعتبر أنّ الله هو فقط لتلبية حاجاتنا وشفائنا ورغباتنا، وننسى أنّ الله يريد قلوبنا وصداقتنا وأن نعمل معه في تجديد البشريّة.

لذلك أصرّ يسوع على مواجهة المرأة، وعندما اعترفت حصلت على نعمة تفوق الشفاء الجسديّ، ألا وهي السلام والشفاء النفسيّ.
وبينما هو يتحدّث مع المرأة التي شفاها، أتى من يعلن موت الصبيّة، فلا داعي لإتعاب المعلّم. 

تجربة قاسية جدًّا وقعت على رأس يايرس، وربّما تملّكه اليأس والإحباط من وقع الخبر، لأنّ الموت قد قال كلمته الأخيرة. لذلك سارع يسوع ليقول له: "لا تخف، آمن فقط، فتبرأ هي".

إنّه الإيمان من جديد، الذي لم يكن بالقدر الكافي كما كان عند المرأة النازفة الدم، ولكنّه شرط أساسيّ لعمل النعمة الإلهيّة. لا يخبرنا الإنجيليّ عن موقف الأب بعد معرفته بموتها، ولكنّ الواضح أنّه قد وضع كلّ ثقته بالربّ يسوع، فهو رجاؤه الوحيد. أمّا يسوع فكان يريد أن يقول لنا ألّا نخاف الموت، لأنّه حيث يكون الربّ يصبح الموت نومًا، وأنّه القيامة والحياة، وإنّما أتى إلى الأرض ليبطل الموت بموته وليهبنا القيامة بقيامته، فنقلنا من عبوديّة الموت إلى فرح القيامة.

عندما دخل إلى غرفة الراقدة، أخذ معه ثلاثة من تلاميذه: بطرس ويعقوب ويوحنّا، الذين سيرافقونه في تجلّيه على ثابور، وفي بستان الزيتون قبيل آلامه، لكي يكونوا شهودًا لعمله الخلاصيّ، وليعلموا محبّته التي تفوق كلّ تصوّر. وأمسك بيدها ونادى: "يا صبيّة، قومي". 

فرجعت روحها وقامت في الحال. عاد الفرح إلى المنزل من جديد، و"مسح الله كلّ دمعة"...
ولكنّنا نرى يسوع يطلب طلبًا غريبًا بعض الشيء: "أمر أن تعطى لتأكل". أليس بديهيًّا أن يطعم الأهل أولادهم؟
فلماذا يطلب يسوع ما هو أمر طبيعيّ؟

لأنّه لا يقصد فقط الطعام المادّيّ الذي للجسد، بل أيضًا الطعام الروحيّ، أي التربية الصالحة لأبنائهم. التربية في الكنيسة، تعليم الكتاب المقدّس، عمل المحبّة، كلّ ذلك طعام علينا أن نطعمه لأبنائنا وبناتنا. "إنّ لي طعامًا لا تعرفونه... طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمّم عمله" (يوحنّا ٤: ٣٢-٣٤).
لتداخل هاتين الحادثتين معنى عميق: شفاء امرأة تنزف دمًا منذ اثنتي عشرة سنة، وإحياء فتاة في الثانية عشرة من عمرها. 
فالرقم ١٢ مشترك بين حادثتي الشفاء، وهو رقم يعبّر رمزيًّا عن إدارة الله وترتيبه الكامل لعمله في خليقته.

المرأة النازفة الدم هي الإنسانيّة كلّها في العهد القديم، مع الأسباط الاثني عشر، الذين لم تستطع كلّ أدوية الناموس والشريعة القديمة أن تنقذهم من المرض والموت، رغم ما قدّموه من ذبائح الدم على مذبح الربّ، "نزف دمها"، الذي سيبطله الربّ يسوع بتجسّده وتلامسهم معه، "لمست هدب ثوبه"، والذين كانوا بإيمان عظيم ينتظرون هذه اللحظة. وعندما "حان الوقت"، وقت تجسّده، أبطل ذبيحة الدم واستعاض عنها بالروح المنسحق والقلب المتخشّع والمتواضع الذي لا يرذله الله. 

ولكنّ الربّ لم يتوقّف هنا، بل أكمل مسيرته نحو بيت الموت ليمسكنا بيده، "أمسك بيد الصبيّة"، وينهضنا من موتنا، فدشّن عهدًا جديدًا مبنيًّا على قيامته من بين الأموات، وإرساله رسله الاثني عشر إلى التبشير. إنّه عهد القيامة، "يا صبيّة، قومي". لم يعد هناك موت، بل نوم. "إنّها لم تمت، ولكنّها نائمة".

فلنتمسّك، يا أحبّاء، بالإيمان والرجاء كما فعلت النازفة الدم ويايرس، ونطعم قريبنا وأولادنا طعام المحبّة، بانتظار أن ينهضنا الربّ يسوع من الموت في اليوم الأخير.

الملائكة

يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ: "إن كانت أرضنا هذه، وهي مجرّد نقطة بين العوالم، تحمل هذا العدد الذي لا يُحصى من البشر وشتّى أصناف المخلوقات، فكم بالحريّ يكون عدد سكّان السماء غير المادّيّة، العظيمة التي لا يستطيع عقل أن يحيط بحدودها؟"

نعلم من كلام الله أنّ الربّ، قبل أن يخلق العالم المادّيّ المنظور وساكنه الإنسان، خلق العالم غير المنظور، العالم الروحيّ، عالم الملائكة عديمي الأجساد، الذين يفوق عددهم عدد البشر بأضعاف كثيرة.

يقول النبيّ موسى، في روايته لخلق العالم: في البدء خلق الله السَّماء والأرض. ويفسّر الآباء القدّيسون السَّماء هنا بأنّها لا تعني الجلَد وحده، بل تشمل أيضًا العالم الروحيّ الملائكيّ، مسكن الملائكة العديمي الأجساد، الذين يفوقون الإنسان قوّةً واقتدارًا وحكمةً، والذين خلقهم الله، كما خلق الإنسان، للغبطة وتمجيد اسمه.

وهؤلاء، لكونهم أرواحًا في غاية الطهارة والقداسة، يتأمّلون على الدوام وجه الآب السماويّ، ويمجّدون بلا انقطاع عظمته التي لا يُعبَّر عنها، ويُرسَلون من عرش نعمته إلى الأرض، إلى العالم السفليّ، لمؤازرة الإنسان المتألّم.

ويورد الرسول القدّيس بولس، وقد امتلأ شعورًا بالشكر لله على محبّته للبشر الفائقة كلّ إدراك، كلمات المرتّل الإلهيّ داود القائل: "ما الإنسان حتّى تذكره، أو ابن الإنسان حتّى تفتقده؟ أنقصتَه قليلًا عن الملائكة، بالمجد والكرامة كلَّلته، وأقمته على أعمال يديك."

لقد أحبّ الربّ الإنسان حبًّا عظيمًا، حتّى إنّه أقام ملائكةً لحراسته في جميع طرقه. يصوّر لنا صاحب المزامير هذه العناية التي يُظهرها الربّ للجنس البشريّ بقوله: "لأنّه يوصي ملائكته بك، لكي يحفظوك في جميع طرقك، على أيديهم يحملونك، لئلّا تصدم بحجر رجلك."

فما أشدّ تعزية هذه الكلمات للإنسان الذي يتعرّض، سواءٌ في العالم الخارجيّ أم في أعماق قلبه، لهجمات لا تُحصى من الشرّ وأعداء أشدّاء!
وعليه، فإنّ لنا جميعًا ملائكةً حرّاسًا، مقتدرين في القوّة ومستعدّين دائمًا لمعونتنا.

تبدأ خدمة الملائكة للإنسان منذ لحظة ولادته الجديدة من الماء والروح، فحينئذٍ يتسلّم الملاك الحارس نفس المعمَّد حديثًا، ويأخذها في عهدته، ويحرسها بعناية من جميع الأخطار، ويرعاها إلى أن يترسّخ المعمَّد الجديد في مقاصده، ويصبح قادرًا على التمييز الواضح بين الخير والشرّ.

يأتي الطفل إلى العالم ضعيفًا، محتاجًا لا إلى رعاية أمّه فحسب، بل إلى معونة علويّة أيضًا. ولذلك يُقيم له الله المدبّر ملاكًا حارسًا.

فيظلّل الملاك الحارس الطفل بجناحيه غير المادّيَّين ويعزّيه، باعتباره خليقةً ثمينةً لله أُوكلت إلى رعايته. وللطفل نفس عاقلة، قريبة في طهارتها وبراءتها من الأرواح العديمة الأجساد، ولذلك يلازم الملاك الحارس نفس الطفل باستمرار.

وينمو الطفل تدريجيًّا، متقدّمًا من قوّة إلى قوّة، حتّى يبلغ سنّ المراهقة. وعندما يصل إلى هذه المرحلة، يبدأ بالانجذاب إلى التلهّيات والألعاب، وهنا تبرز الحاجة إلى رقابة خاصّة من الوالدين، غير أنّ هذه الرقابة لا تتوافر دائمًا. 

وهنا يبرز دور الملاك الحارس المرافق للإنسان.
وكذلك نحن، حين نبلغ سنّ التمييز بين الخير والشرّ، وإن كنّا نسترشد بعقولنا، فلا يصحّ أن نقول إنّنا لم نعد بحاجة إلى إرشاد الملائكة القدّيسين وحمايتهم.

بل على العكس، إذ تزداد حياتنا تعقيدًا وتتنوّع همومنا، تصبح حاجتنا إلى العناية الملائكيّة أشدّ وأعظم.

ينبغي أن تكون حياتنا كلّها سهرًا متواصلًا، لأنّ أدنى فتور أخلاقيّ، أو غفلة عن مراقبة أنفسنا، أو شرود للذهن، أو انغماس في الملذّات، يتيح للعدوّ فرصة أن يُلقي في نفوسنا الأفكار والمشاعر الخاطئة، فنُبعد بظلام قلوبنا وعقولنا ملاكنا الحارس.
ولكن هل يسهل على الإنسان، وسط حاجات العالم وأباطيله وملاهيه، أن يبقى دائمًا في حالة من السهر الشديد والانتباه المتواصل؟

نعم، إنّنا جميعًا نستسلم، من حين إلى آخر، للنعاس والفتور الأخلاقيّ، غير أنّ ملاكنا الحارس، الصديق والشفيع السّماوي، يقف دائمًا حارسًا لنا.
وكثيرًا ما نسمع صوته في مسيرتنا في الحياة، وهو يقول لنا: "احذر! إلى أين تمضي؟ ارجع!"

إنّه يوقظ ضميرنا النّائم! فعندما تشعر فجأة، وأنت في خضمّ حياة مستهترة شرّيرة، بالنفور من الخطيئة، وتنشأ في نفسك، بتأثيرٍ ما أفكار نيّرة، ورغبة في تغيير سيرتك، فاعلم أنّ ملاكك الحارس قد اغتنم اللحظة المناسبة، وكشف أمام بصيرتك الداخليّة الخطيئةَ بكلّ بشاعتها وقبحها.
وحتّى نومنا نفسه يحرسه الملاك الحارس.

كذلك يعيننا الملاك الحارس على أداء صلاتنا لله، ويوقظ في قلوبنا مشاعر الرِّقّة والخشوع.
يقول القدّيس يوحنّا السلّميّ: "إذا شعرتَ بعذوبة أو انسحاق عند كلمة من كلمات صلاتك، فامكث عندها، لأنّ ملاكنا الحارس يكون حينئذٍ مصلّيًا معنا."

ولا تقتصر خدمة الملائكة القدّيسين على هذه الحياة وحدها، بل يرافقوننا أيضًا عند انتقالنا إلى الحياة الأخرى.
فعندما نغادر حياة غربتنا هذه، وحين لا يعود في مقدور الأصدقاء أو الأقرباء أن يقدّموا لنا أيّة معونة، نكون في أمسّ الحاجة إلى ملاكنا الحارس. فهو لن يتركنا حينئذٍ، بعدما يتخلّى عنّا الجميع.

وهكذا فإنّ ملائكتنا الحرّاس يكونون معنا دائمًا، ويرافقوننا في كلّ مكان، ما لم نطردهم نحن أنفسنا بحياتنا الخاطئة. ويقول القدّيس باسيليوس الكبير: "كما أنّ الدخان يطرد النحل، والنتانة تطرد الحمام، هكذا تطرد الخطيئةُ، الموجبةُ للرثاء والمنتنة، ملاكَنا الحارس."

وقد رأى القدّيس نيفن، ذات مرّة، شابًّا واقفًا عند باب بيت ويبكي، فسأله: "لماذا تقف ههنا وتبكي؟" فأجاب الشابّ: "أنا ملاك أرسلني الربّ لأحرس إنسانًا يمكث منذ أيّام عدّة في هذا البيت الفاسد. وأنا واقف هنا لأنّني لا أستطيع الاقتراب من الخاطئ، وأبكي لأنّني أكاد أفقد الرجاء في إعادته إلى طريق التوبة."

وقال ملاك ذات مرّة للقدّيس باخوميوس الكبير: "إنّ مَن صار ميتًا عن الله والفضيلة بسبب سيرته الشرّيرة، تفوح منه نتانة أشدّ ألف مرّة من نتانة الجسد الميت، حتّى إنّنا لا نستطيع البتّة أن نقف إلى جانبه أو نمرّ بالقرب منه."

فلماذا نسقط كثيرًا، ونتعرّض للمصائب، ولا ننال معونة الملائكة؟ وما الذي يلزم لكي يحمينا الملائكة الحرّاس في طرق حياتنا؟

إنّ تأثير الملائكة في الإنسان تأثير روحيّ، أي إنّه يتوجّه إلى طبيعته الروحيّة.

ولذلك، فكلّما عاش الإنسان حياةً روحيّة أعمق، واسترشد في أعماله لا بشهوات الجسد، بل مستنيرًا بتعاليم الإنجيل، ازدادت قدرته على الاتّصال الوثيق بالقوّات السماويّة، وتمتّع على نحو أوفر برعايتها السماويّة ومعونتها.

غير أنّنا، في معظم الأحيان، لا نحيا بحسب الروح، بل بحسب الجسد.

فنحن نتعلّق بكلّ قلوبنا بالأشياء الحسّيّة، ونجري وراء أوهام اللذّة، ونقضي معظم أوقاتنا وسط أباطيل العالم، وقلّما نرتفع بأفكارنا إلى العالم الروحيّ.
وهذا هو السبب في أنّنا لا ننال معونة الملائكة.

أمّا الأتقياء، فقد اختبروا اختبارًا حيًّا قرب ملائكتهم الحرّاس منهم، ومعونتهم لهم في جميع طرق حياتهم.
ينبغي لنا، نحن المسيحيّين، أن نؤمن بوجود الملائكة، لا أن نكتفي بالإيمان بهم فحسب، بل أن نستدعيهم أيضًا في صلواتنا، وأن نقتدي بهم قدر استطاعتنا في حياتنا الأرضيّة، لكي نُؤهَّل، بعد مغادرتنا هذا العالم، لأن نرتّل معهم ونمجّد الإله المسجود له في ثالوثٍ الآب والابن والروح القدس.