الأحد 1 تشرين الثاني 2026
28 تشرين الأول 2026
الأحد 1 تشرين الثاني 2026
العدد 44
الأحد 22 بعد العنصرة
اللحن الخامس، الإيوثينا الحادية عشرة
أعياد الأسبوع:
1: قزما وداميانوس الماقتا الفضَّة، البارّ داوود (آفيا)، 2: الشُّهداء أكينذينوس ورفقته، 3: الشَّهيد أكبسيماس ورفقته، تجديد هيكل القدِّيس جاورجيوس في اللَّد، 4: إيوانيكيوس الكبير، الشَّهيدان نيكاندرس وأرميوس، 5: الشَّهيدان غالكتيون وزوجته ابيستيمي، أرماس ورفقته، 6: بولس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، 7: الشُّهداء الـ 33 المستشهدون في ملطية، لَعازر العجائبيّ.
محتاجٌ ومحسن
كنيستنا المقدّسة حدّدت أن نقرأ مثل الغنيّ ولعازر في الأحد الأوّل من شهر تشرين الثاني تكريمًا للقدّيسين قوزما ودميان اللذين نعيّد لهما في الأوّل من الشهر، والمعروفَيْن بعديمَي الفضّة، لأنّهما كانا قد باعا كلّ ما ملكا وكرّسا حياتهما لخدمة المحتاجين. عمومًا، الإنجيل بحسب القدّيس لوقا يعتبر "إنجيل الرحمة"، فهو لا يوفّر فرصةً دون أن يظهر اهتمام يسوع بالمساكين والأرامل والخطأة والعشّارين والسامريّين وبكلّ المهمّشين، وقبل كلّ شيء اهتمامه بخلاصه. مثل الغنيّ ولعازر يأتي في هذا السياق.
تبدو هذه التراجيديا مقسّمةً إلى مشهدين متوازيين من حيث الامتداد ومتعاكسين من حيث وضع الشخصيّات، مع ذلك فإنّ مقارنةً بسيطةً بين امتداد الأبديّة ومحدوديّة "الدنيا" تكسر هذا التوازي الظاهريّ وتكشف الحقيقة: غنيّ المثل كان فقيرًا بالحقيقة ولعازر كان الغنيّ، فهذا "يتعزّى" وذلك "يتعذّب". هذه المقارنة الإسخاتولوجيّة (وهو اللاهوت الذي يراقب أمور حياتنا على ضوء الحياة الأبديّة) تدفع القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم إلى أن يستنتج أنّ "لا يوجد من هو أكثر فقرًا من الخاطئ، ولا يوجد من هو أكثر غنًى من البارّ". إذًا فليس الثراء هو الذي يدين الغنيّ ولكن القسوة وعدم الحسّ. في المثل نجد أنّ صورة ملكوت السماوات حيث انتقل لعازر تتمثّل بطريقةٍ طريفةٍ بـ"حضن إبراهيم"، وهذا كان رجلًا ثريًّا أيضًا ولكنّه كان أيضًا كريمًا وبارًّا، أحسن إدارة غناه المادّيّ بذكاءٍ فظهر غنيًّا بالله. في الوقت نفسه، نجد أنّ تعزية لعازر التي كافأه الله بها لم تكن مقابل شقاء حياته على الأرض بل من أجل اتّكاله على الربّ (ليلاحظ أنّ المثل بينما تجاهل اسم الغنيّ، أعطى للفقير اسم "لعازر" ومعناه بالعبريّة "الله يعين". يهوذا الإسخريوطيّ مثلًا كان فقيرًا بالمال كبقيّة الرسل، مع ذلك فإنّ الطمع أظهره مأسورًا لمحبّة الفضّة وشقيًّا دون الرجاء.
فالثروات بحدّ ذاتها ليست شرًّا وإن كان فيها تجربةٌ كبيرةٌ. الاستعمال هو الذي يجعلها صالحةً أو شرّيرةً. ينطلق تعليم الإنجيل من الواقع الحاضر وإذ يتطلّع إلى خلاص الجميع فهو لا يطالب بمساواةٍ اجتماعيّةٍ على أساس الملك الجماعيّ مثلًا، لكنّه يقترح إدارةً صالحةً وصبرًا مع رجاءٍ، هذه مجتمعةً تغني هذا وذاك بالله، والإحسان يصير رباط حبٍّ: فالغنيّ يرى في الفقير محسنًا روحيًّا له، والمحتاجون "يشبعون ويسبّحون الربّ فتحيا قلوبهم". يقول القدّيس يوحنّا الرحوم بطريرك الإسكندريّة إنّ الفقراء هم "أسيادنا" لأنّهم "الوحيدون الذين يستطيعون أن يساعدونا لننال ملكوت السماوات".
فكيف يستطيع المسيحيّ الأمين على إيمانه أن يحمي نفسه من إغواء المال ويجتاز هوى السلطة؟ الجواب هو باليقظة: على عكس حالة غنيّ المثل الذي كان "يتنعّم كلّ يومٍ مترفًا". صحيح أنّ الراحة والفرح هما جزءٌ هامٌّ من طريقة عيشٍ صحيّةٍ، لكنّ الرفاهيّة المبالغ فيها تجرّدهم شيئًا فشيئًا من الحسّ الروحيّ وتخدّر ضميرهم. داوود الملك اختبر الفقر الطوعيّ في قصره. بعيدًا عن هذه "الطريق الضيّقة" يصير الإنسان السيّد عبدًا لثرواته ولملذّاته. الزهد الكلّيّ ليس وصيّةً للجميع أمّا التحرّر من الالتصاق بالمادّة فهو الهدف الرئيسيّ لكلّ جهادٍ مسيحيٍّ.
الحقيقة الأخرويّة التي نقرأ عنها في المثل الحاضر تفتح حدقتَي ذهننا على الحسّ الروحيّ والمحبّة: محبّة توزّع بسخاءٍ فتبدّد الفقر المادّيّ وتشفي الشقاء الروحيّ. آمين.
+ إغناطيوس
متروبوليت المكسيك، فنزويلا
أميركا الوسطى وجزر الكاريبي
طروباريّة القيامة باللحن الخامس
لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الابتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصنا. لأنّه سُرَّ بالجسد أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهِضَ الموتى بقيامِته المجيدة.
طروباريّة القدّيسين الماقتَي الفضّة قزما وداميانوس باللحن الثامن
أيّها القدّيسان الماقتا الفضّة، والصانعا العجائب، افتقِدا أمراضنا. مجَّانًا أخذتما، مجانًا أعطيانا.
القنداق باللحن الرابع
يا شفيعةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تَعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَل تدارَكينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَة، وأسَرعي في الطلبَةِ يا والدةَ الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرسالة: 1 كو -12: 27-31، 13: 1-8
الربُّ قد صنَعَ العجائبَ للقدّيسينَ الذينَ في أرضِه
سبقْتُ فأبصرتُ الربَّ أمامي في كلّ حين
يا إخوة، أنتم جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا. وقد وضع الله في الكنيسة أناسًا أوّلًا رسلًا، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلّمين، ثمّ قوّات، ثمّ مواهب شفاء، فإغاثات، فتدابير، فأنواع ألسنة. ألعلّ الجميع رسل. ألعلّ الجميع أنبياء. ألعلّ الجميع معلّمون. ألعلّ الجميع صانعو قوّات، ألعلّ للجميع مواهب الشفاء. ألعلّ الجميع ينطقون بالألسنة. ألعلّ الجميع يترجمون. ولكن تنافسوا في المواهب الفضلى وأنا أريكم طريقًا أفضل جدًّا. إن كنت أنطق بألسنة الناس والملائكة ولم تكن فيّ المحبّة فإنّما أنا نحاس يطنّ أو صنج يرنّ. وإن كانت لي النبوّة وكنت أعلم جميع الأسرار والعلم كلّه، وإن كان لي الإيمان كلّه حتّى أنقل الجبال ولم تكن فيّ المحبّة فلست بشيء. وإن أطعمت جميع أموالي وأسلمت جسدي لأحرق ولم تكن فيّ المحبّة فلا أنتفع شيئًا. المحبّة تتأنّى وترفق. المحبّة لا تحسد. المحبّة لا تتباهى ولا تنتفخ ولا تأتي قباحة ولا تلتمس ما هو لها ولا تحتدّ ولا تظنّ السوء ولا تفرح بالظلم بل تفرح بالحقّ، وتحتمل كلّ شيء وتصدّق كلّ شيء وترجو كلّ شيء وتصبر على كلّ شيء. المحبّة لا تسقط أبدًا.
الإنجيل: لو 16: 19-31 (لوقا 5)
قال الربّ: كان إنسان غنيّ يلبس الأرجوان والبزّ، ويتنعّم كلّ يوم تنعّمًا فاخرًا. وكان مسكين اسمه لعازر مطروحًا عند بابه مصابًا بالقروح، وكان يشتهي أن يشبع من الفتات الذي يسقط من مائدة الغنيّ، فكانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه. ثمّ مات المسكين فنقلته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ومات الغنيّ أيضًا فدفن. فرفع عينيه في الجحيم، وهو في العذاب، فرأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه. فنادى قائلًا: يا أبت إبراهيم ارحمني، وأرسل لعازر ليغمّس طرف إصبعه في الماء ويبرّد لساني، لأنّي معذّب في هذا اللهيب. فقال إبراهيم: تذكّر يا ابني أنّك نلت خيراتك في حياتك، ولعازر كذلك بلاياه. والآن فهو يتعزّى وأنت تتعذّب. وعلاوة على هذا كلّه فبيننا وبينكم هوّة عظيمة قد أثبتت، حتّى إنّ الذين يريدون أن يجتازوا من هنا إليكم لا يستطيعون، ولا الذين هناك أن يعبروا إلينا. فقال: أسألك إذن يا أبت أن ترسله إلى بيت أبي، فإنّ لي خمسة إخوة حتّى يشهد لهم لئلّا يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا. فقال له إبراهيم: إنّ عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم. قال: لا يا أبت إبراهيم، بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون. فقال له: إن لم يسمعوا من موسى والأنبياء فإنّهم ولا إن قام واحد من الأموات يصدّقونه.
في الإنجيل
يضعنا الربّ في إنجيل هذا الأحد المبارك، وهو المعروف بإنجيل الغنيّ ولعازر، أمام حقيقة مخيفة: قد يكون الإنسان غنيًّا أمام الناس، لكنّه فقير أمام الله، وقد يكون مطروحًا على الأرض مصابًا بالقروح، كلعازر، لكنّه عزيز في عيني الله.
لم يُدَنِ الغنيّ لأنّه امتلك المال، بل لأنّه امتلك قلبًا مغلقًا. كان لعازر عند بابه، وكانت مائدته مليئة، لكنّ قلبه كان فارغًا من الرحمة. رأى الفقير كلّ يوم، ولم ير فيه أخًا له، ولا إنسانًا يتألّم ولا فرصةً ليظهر محبّته لله.
يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم في عظته الثانية على لعازر والغنيّ: "إنّ عدم إعطاء الفقير من خيراتنا هو سلب له". فما نملكه ليس امتيازًا يجعلنا نتعالى على الآخرين، بل أمانةً وضعها الله بين أيدينا لنخدم بها إخوتنا. قد نصلّي ونصوم ونقف في الكنيسة أمام المذبح، لكن كيف نقترب من مذبح الربّ وقلوبنا مغلقة أمام الإنسان المتألّم؟
إنّ أخطر ما في خطيئة الغنيّ أنّه اعتاد رؤية لعازر، حتّى صار ألمه أمرًا عاديًّا في عينيه. وهذه هي مأساة الإنسان حيث يعتاد الفقر والوجع من حوله، فلا تعود دمعة أخيه تحرّك قلبه.
ثمّ مات الاثنان، فانقلب المشهد: الذي كان يتألّم تعزّى، والذي كان يتنعّم تعذّب. لم يعد المال ينفع الغنيّ، ولم تعد ثيابه الفاخرة تستر فقر قلبه. وظهرت الهوّة التي لم تكن مجرّد مسافة بين مكانين، بل ثمرة حياة لم يتعلّم فيها المحبّة.
يا أيّها المسيحيّ، لا تنتظر أن ترى معجزةً كي تتوب، ولا أن يقوم أحد من الأموات كي تؤمن. إنّ كلمة الله أمامك، والمسيح يدعوك اليوم إلى تغيير قلبك وذهنك، يدعوك إلى التوبة في حياتك على هذه الفانية فلا نفع للتوبة بعد الرقاد.
قد لا تستطيع أن تزيل فقر العالم كلّه، لكنّك تستطيع ألّا تترك لعازر الذي وضعه الله عند بابك يتألّم وحده، تستطيع أن تؤازر لعازر المعذّب وبذلك تفهم معنى هذا الاسم، أنّ الله إزر لك وأنّك إزر من الله.
افتح بابك وقلبك، واخدم المسيح في الفقير والمريض والمحتاج، لأنّ المحبّة التي لا تتحوّل إلى فعل وعمل تبقى ميتة، والإيمان الذي لا يثمر رحمة يبقى بلا ثمر. لا تخف أن تكون يدك فارغة من المال، بل خف أن يكون قلبك فارغًا من الرحمة، لأنّ المال يبقى على الأرض، أمّا المحبّة التي تزرعها في المسيح، فلها ثمر في الحياة الأبديّة، آمين.
الأرثوذُكسيَّةُ والحياةُ النُّسكِيَّةُ
تميَّزتِ الأرثوذُكسيَّةُ عبرَ العُصورِ بإيمانِها المُستقيمِ، الإيمانِ الَّذي لم يتغيَّرْ مَعَ تغيُّرِ الأزمِنةِ، على الرَّغمِ مِن كلِّ الاضطِهاداتِ والهَرطقاتِ الَّتي لا تُحصى، الَّتي عبرَتْ بها الكنيسةُ في التّاريخِ. هذا الإيمانُ بَقِيَ حيًّا ومُقدَّسًا لأنَّ الكنيسةَ عاشَتْهُ في تقليدٍ نُسكِيٍّ، في جهاداتٍ روحيَّةٍ عنيفةٍ ضِدَّ كِبرياءِ الأبالسةِ وكِبرياءِ البَشَرِ. لقد شكّلَتْ هذه الجهاداتُ الأرثوذُكسيَّةُ النُّسكيَّةُ وَقودًا للإيمانِ: مِن دونِ جهاداتٍ روحيَّةٍ، يموتُ الإيمانُ الحَيُّ لأنَّهُ يتحوَّلُ بِسُهولةٍ كبيرةٍ إلى إيمانٍ نظرِيٍّ عقلانيٍّ. تحدُّ مسيرةَ هذا الإيمانِ العَقلانِيِّ نحوَ اللهِ القناعاتُ المَنطقيَّةُ الَّتي يتحكَّمُ بها عقلُ الإنسانِ ومنطِقُهُ المَحدودُ، فلا يَعكُسُ ما كشَفَهُ اللهُ عَن ذاتِهِ. إنَّ عَصْرَنا يتحوَّلُ بقوَّةٍ نحوَ عَقْلنةِ الإيمانِ ويُحاربُ النُّسكَ لأنَّ النُّسكَ يُبكِّتُ اسْتِسلامَهُ للشَّهَواتِ. عصرُنا يُعلِّمُ بِوَقاحةٍ أنَّ الأهواءَ والشَّهَواتِ طبيعيَّةٌ في الإنسانِ، ويُعلِّمُ بِوَقاحةٍ أنَّهُ لأجلِ سلامةِ الإنسانِ النَّفسيَّةِ، عليهِ أنْ يتعلَّمَ كيفَ يُرضي هذهِ الأهواءَ والشَّهَواتِ.
دعانا المسيحُ إلى أن نَكونَ أصِحّاءَ روحانيّينَ، لكنَّ عصرَنا الحاضرَ حوّلَ النّاسَ إلى مَرضى نفسانيّينَ. فهذه الحرِّيَّةُ المريضةُ الَّتي يُروِّجونَ لها تدفعُ أعدادًا هائلةً مِنَ البشرِ إلى الاِسْتِسْلامِ لكلِّ أنواعِ الشَّهواتِ والأهواءِ. لقد جعلوا مِن هذهِ الأهواءِ سِلعَةً لاسْتِعبادِ الإنسانِ، مُصوِّرينَ لَهُ أنّها غايةُ وجودِهِ، وأنّها ستُؤَمِّنُ لَهُ اللَّذَّةَ الكافيةَ لِسَعادتِهِ. هذهِ اللّذَّةُ الوقتيَّةُ لا تدومُ أبدًا، بل يَعقُبُها فراغٌ كبيرٌ يصلُ إلى حدِّ اليَأسِ. والمَهْووسونَ بِشَهَواتِهم يعبُرونَ مِن فراغٍ إلى فراغٍ، إلى أن يصِلوا في النِّهايةِ إلى أزَماتٍ نفسيَّةٍ مَرَضيَّةٍ كبيرةٍ. هذا هو الموتُ الرّوحيُّ الحقيقيُّ. كلُّ هذهِ الأمراضِ النفسيَّةِ المُتَفشِّيةِ بِكَثرةٍ في المُجتمعِ المُعاصرِ لها علاقةٌ مُباشرةٌ بِالأهواءِ البَشَريَّةِ. لهذا، فالجهاداتُ الرّوحيَّةُ هي أدويةٌ حقيقيَّةٌ لأمراضِ الإنسانِ النَّفسِيَّةِ؛ النُّسكُ يَشفي هذهِ الأهواءَ، متى تَمَّ بِحَسبِ آباءِ الأُرثوذُكسِيَّةِ القِدّيسِينَ، وعندما تَبْطُلُ الأهواءُ تَبْطُلُ كلُّ العوارضِ المَرَضِيَّةِ الَّتي تنتجُ عَنها.
هذه الرّوحُ العالميَّةُ المُتَفشِّيَّةُ، المُسَبِّبَةُ أمراضًا نفسيَّةً في المُجتمعِ، تَسعى بِقُوّةٍ لإغراقِ الكنيسةِ بِروحٍ مادِّيَّةٍ إلحاديَّةٍ، ولِقتلِ كُلِّ حِسٍّ روحيٍّ في الإنسانِ. إنّها تَسعى لِعَصْرنةِ حياةِ الكنيسةِ ومقدَّساتِها، أي لأن تتماشى الكنيسةُ وتخضعَ للتَّغيُّراتِ الَّتي يَبْتدعُها العالمُ في كلِّ عَصْرٍ. شَيْئانِ يَسعى روحُ العَصرِ لِيُحطِّمَ مِن خِلالِهِما الكنيسةَ: إيمانُها المُستقيمُ وحياتُها النُّسكِيَّةُ. الكنيسةُ الثّابِتَةُ على مَرِّ التّاريخِ في مبادِئِ إيمانِها بدأَتْ تتخلّى عَن هذا الإيمانِ وتغرقُ في روحِ الفتورِ والارْتِدادِ. فالكنيسةُ الَّتي لا تُحاربُ العالمَ بأسلحةِ إيمانِها المُستقيمِ سيَبْتَلعُها العالمُ. الكنيسةُ الحقيقيّةُ لا تُحاربُ العالمَ بأسلِحَةِ العالمِ، بل بإيمانِها القائمِ على الأمانةِ المُطلقةِ لتَقليدِ آبائِها القدّيسِينَ. العالمُ المُعاصِرُ لا يؤمِنُ بالمُقدَّساتِ وبِعَملِ النِّعمةِ. إنَّهُ روحٌ لا يكتفي بالتَّكَلُّمِ على الإلحادِ بل يزرعُهُ في ذِهنِ الإنسانِ المُعاصِرِ، البعيدِ عَن فِكرِ آبائِهِ القدّيسِينَ.
أمّا الحياةُ النُّسكيَّةُ، فهي تُشيرُ أوّلًا إلى تلكَ الحياةِ العَمَليَّةِ في الحربِ ضِدَّ الخطيئةِ والجهادِ لاقتناءِ الفضيلةِ. فالنُّسكُ الأُرثوذُكسِيُّ هو هذا السَّعيُّ المُتواصِلُ الَّذي لا يملُّ، في مُمارسةِ اليَقَظةِ والصَّلاةِ النَّقِيَّةِ، في الصَّومِ والسَّهَرِ الرّوحِيِّ والجَسَدِيِّ، وفي الزُّهدِ بِخَيراتِ هذا العالمِ وأمجادِهِ. ويكتملُ هذا النُّسكُ في حَملِ صليبِ الطّاعةِ، طاعةِ إيمانِ الكنيسةِ وكلِّ قوانينِها، لأنَّ الَّذي يُطيعُ بأمانَةٍ سيدخلُ في حربٍ شَرِسةٍ ضِدَّ إبليسَ وأتباعِهِ مِنَ البَشَرِ. النُّسكُ كان دائمًا العمودَ الفَقْرِيَّ للرّوحانِيَّةِ الأُرثوذُكسِيَّةِ، والحارسَ الأمينَ للتَّقليدِ الأُرثوذُكسِيِّ. النُّسكُ ليسَ غايةً في ذاتِهِ، ولا شيءَ مِن كلِّ الجهاداتِ الرّوحيَّةِ هو هدفٌ في ذاتِهِ، إنّما وسيلةٌ لِبُلوغِ ما هو أسمى مِن كلِّ ما هو أرضِيٌّ وموجودٌ في هذا العالمِ.
كيف يعلمُ الإنسانُ أنَّهُ مِن روحِ العَصرِ، الرّوحِ الَّتى تُنتِجُ كلَّ أنواعِ الشُّرورِ الرّوحيَّةِ؟ أتباعُ روحِ العَصرِ لا تعنيهِم وَحدةُ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ ولا طرقُهُ النُّسكِيَّةُ؛ ومِنَ البَديهِيِّ لهؤلاءِ ألّا تعنيَهُم حياةُ الكنيسةِ اللّيتورجِيَّةُ وأصوامُها، لأنَّ الطُّقوسَ مُمِلَّةٌ لهم، فيُسرعونَ إلى اختصارِ ما استطاعوا مِنها. على صعيدِ اللّاهوتِ والعقائدِ، يعتبرونَها نَظَريّاتٍ مُنَزَّهَةً عَنِ التَّطبيقِ. لهذا يرفضونَ تحكيمَ الدِّقَّةِ في الأمورِ العقائديَّةِ، ولديهم دائمًا تبريرٌ للمُساومةِ على الحقيقةِ وانتِهاكِ القوانينِ المُقدَّسَةِ. العقائدُ والقوانينُ الكنسيَّةُ ليسَتْ بالنِّسبةِ إليهِم سِوى قُيودٍ لمفاهيمِهِمِ الخاصَّةِ النّابعةِ مِن شَهَواتِ حُبِّ السُّلطةِ والمجدِ الباطلِ. يروِّجونَ للشُّذوذِ الجِنْسِيِّ ولِكَهنوتِ المرأةِ، وهذا ليسَ سوى استعادةٍ لكُلِّ المفاهيمِ الوثنيّةِ القديمةِ الَّتي كان يسودُ فيها بكثرةٍ هذا الشُّذوذُ ودعارةُ كاهناتِ الهياكلِ الوثنيَّةِ.
أولئكَ الَّذينَ لا تعنيهِمِ الحياةُ النُّسكِيَّةُ بشيءٍ يُهلِّلونَ لِكلِّ ما يبتدعُهُ روحُ العَصرِ ويُسرعونَ إلى تَبنيّهِ والتَّرويجِ لَهُ. هؤلاءِ ينسونَ تلقائيًّا كلَّ عناصرِ الإيمانِ والتَّقليدِ الهُدوئِيِّ للأُرثوذُكسِيَّةِ؛ ينمونَ في تصلُّفِ أفكارِهِم ويَصِلون حتمًا إلى ازدِراءِ كلِّ التَّقليدِ الكَنَسِيِّ. لأنَّ أفكارَ العَصرِ، الَّتي هدفُها أنْ تُنمِّيَ تَمسُّكَ الفَردِ بأفكارِهِ الخاصَّةِ، هي الَّتي ستصيرُ مرجَعًا لِحَياتِهِ.
كلُّ جوقِ الأنبياءِ والرُّسُلِ والشُّهداءِ وكلُّ الآباءِ القدّيسِينَ المُدافعينَ عَنِ الإيمانِ أتَوا مِن هذهِ الخِبراتِ النُّسكيَّةِ. لم يأتوا مِنَ المَعرفةِ النَّظريَّةِ ولا النَّظريّاتِ العِلمِيَّةِ، بل مِن خلالِ جهاداتِهِمِ الرّوحيَّةِ دخلوا في سرِّ الحقيقةِ وسرِّ الإيمانِ، فعبّروا عَن محبَّتِهم للمسيحِ بِحِفظِ نقاوةِ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ. مُستحيلٌ حِفظُ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ والثَّباتُ فيه مِن دونِ نُسكٍ وشهادةٍ يوميَّةٍ للموتِ عَن أفكارِنا وعن مشيئتِنا الذاتيَّةِ. إنّ روحَ العصرِ تتقوّى في الكنيسةِ مِن خلالِ هذه التَّياراتِ المَسكونِيّةِ؛ وهي تقتلُ روحَ الشَّهادةِ في النُّفوسِ الأُرثوذُكسِيَّةِ الأمينةِ، لأنّها تُغرّقُها في روحِ المُساومةِ واللّامُبالاةِ والارتدادِ عَن إيمانِ الآباءِ. لن يكونَ هناكَ شهداءُ بعدَ اليومِ للكنيسةِ الَّتي لم تُحاربِ الَّذينَ يُحاربونَ إيمانَها، ولم تُعلِّمْ شعبَها أنْ يمقتَ العقائدَ الكاذبةَ وأنْ يكونَ أمينًا لإيمانِهِ الأُرثوذُكسِيِّ. الويلُ لِكَنيسةٍ قتلَتْ شُهداءَها باسْتِسْلامِها للرّوحِ المسكونيَّةِ المُعاصِرةِ، وساهمَتْ في تفتيتِ الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ في نفوسِ أولئِكَ المُزمِعينَ أنْ يَصيروا شُهداءَ. أينَ هي الكنيسةُ الَّتي تُبشِّرُ بِمَحبَّةِ الحقيقةِ وإيمانِ الآباءِ، القائمةُ على جهاداتِ تطهيرِ الذّاتِ، لا على الرِّعايةِ المُجرَّدةِ والأعمالِ الاِجتماعيَّةِ. فَمِن دونِ الإيمانِ المُستقيمِ الّذي يوجِّهُ حياتَنا نَحوَ المَسيحِ، ومِن دونِ الحياةِ النُّسكيَّةِ، تبقى هذه الرِّعايةُ خِدمةً اجتماعيَّةً تُغذّي النَّفسَ بِكُلِّ أنواعِ الأهواءِ، وتجعلُ مِنها نفسًا مادِّيَّةً، نفسًا تَدّعي المَحبَّةَ وهي تُفتِّشُ عَنِ الكراماتِ وعن مجدِها الباطلِ.
ارتبطَ النُّسكُ دائمًا بِمحبَّةِ اللهِ، فهو يُحرِّكُ فينا الشَّوقَ إلى معرفةِ اللهِ والجهادِ بِرَغبةٍ للنُّموِّ في محبَّتِهِ. الحياةُ النُّسكيَّةُ تُعطي قوّةً للشُّهداءِ والمُعترفينَ ليَشهدوا حتّى الموتِ لِمَسيحِهِم. فالّذي يُحبُّ اللهَ يسعى بكاملِ كيانِهِ ليُقدِّمَ لَهُ كلَّ ما يستطيعُ، حتّى ذاتَهُ، ويُجاهدُ ضِدَّ كلِّ الأهواءِ الَّتي تمنعُ نموَّهُ في هذهِ المحبَّةِ. آباؤُنا القدّيسونَ اخترعوا أصنافًا قاسيةً مِنَ النُّسكِ، وعاشوها بِتَوبةٍ عميقةٍ، مُعتبرينَ أنفسَهُم أكثرَ الخطأةِ. لا توجدُ محبَّةٌ مِن دونِ نُسكٍ، ولا نسكٌ مِن دونِ توبةٍ؛ التَّوبةُ تُجمِّعُ ذهنَنا المُبعثَرَ في الأمورِ الخارجيَّةِ وتُحوّلُ جهادَنا لتَطهيرِ إنسانِنا الدّاخليِّ وتوجيهِهِ نَحوَ محبَّةِ المَسيحِ. كلُّ محبَّةٍ للمَسيحِ مِن دونِ توبةٍ ونُسكٍ تتحوّلُ بِسُهولةٍ إلى محبّةٍ نفسانيَّةٍ، نابِعةٍ مِن مشاعرِ الإنسانِ البَشريَّةِ لا مِنَ النِّعمةِ السَّاكِنةِ فيهِ؛ وهذه تتحوّلُ تِلقائِيًّا إلى أمراضٍ روحيَّةٍ. النُّسكُ الأُرثوذُكسيُّ ليس عملًا سلبيًّا ولا يعني إماتةً، كما في المفهومِ الغَربيِّ، إنّما هو تمرينٌ أو تدريبٌ لِبلوغِ طريقةِ حياةٍ روحيَّةٍ تسودُ على الأهواءِ والخطيئةِ.
كلُّ جهاداتِنا، مهما كانَتْ عظيمةً، لا قيمةَ لها مِن دونِ الإيمانِ، أي الإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ حَصْرًا. هذا الإيمانُ الحيُّ، المطعَّمُ بالنُّسكِ، يجتذبُ قوَّةَ نِعمةِ اللهِ، لإنَّهُ يكشفُ صِدقَ طاعةِ الإنسانِ للهِ ولكنيستِهِ. النِّعمةُ هي الَّتي تُعطي الإنسانَ القُوَّةَ لِمُمارسةِ نُسكٍ حقيقيٍّ ومُستقيمٍ بالرَّبِّ. بهذا الإيمانِ وعدَنا اللهُ بأنْ يكونَ لنا دالّةٌ لديهِ، فلا بُدَّ لِهذا الإيمانِ من أنْ يُثمرَ في الَّذينَ إيمانُهُم قائِمٌ على طاعةِ ما تسلَّموهُ، ووصايا اللهِ كاملةٌ فيهِم.
كلُّ العطايا الإلهيَّةِ وبلوغُ محبّةِ اللهِ تأتي مِن هذهِ الأمانةِ للإيمانِ الأُرثوذُكسِيِّ وحياتِهِ النُّسكيَّةِ. نسكُ الجَسدِ ونسكُ النَّفسِ، تعبُ الجَسدِ وتواضُعُ النَّفسِ، الأصوامُ والأسهارُ ودموعُ التَّوبةِ تشفي الذِّهنَ الضّالَّ وتُعطيهِ قوَّةً روحيَّةً لِمُقاومةِ الأفكارِ الأهوائيَّةِ وشياطينِها، الَّتي هي الأمراضُ الرّوحيَّةُ الحقيقيَّةُ للنَّفسِ. فلم تُخلَقْ هذه النَّفسُ لِتَعسُوَ وتُعتِمَ، بل ليَنعكسَ فيها بهاءُ صورةِ خالقِها فقط، ومجدُ ملكوتِهِ البهِيُّ غيرُ المَخلوقِ، في الَّذينَ يُجاهِدونَ لِتَحقيقِ مثالِهِ