الأحد 5 تمّوز 2026
02 تموز 2026
الأحد 5 تمّوز 2026
العدد 27
الأحد الخامس بعد العنصرة
اللحن الرابع، الإيوثينا الخامسة
أعياد الأسبوع:
5: البارّ أثناسيوس الآثوسيّ، لمباذوس العجائبيّ، 6: سيسوي الكبير (ساسين)، 7: البارّ توما الميليوني، الشَّهيدة كرياكي، 8: العظيم في الشُّهداء بروكوبيوس، الشَّهيد في الكهنة أنستاسيوس، 9: بنكراتيوس أسقُف طفرومانيَّة، 10: يوسف الدِّمشقيّ، الشُّهداء الـ 45 المستشهدون في أرمينيّة، 11: آفيمية المعظَّمة في الشَّهيدات (لمّا ثبَّتَتْ حَدَّ الإيمان)، القدّيسة الملكة أولغا المعادلة الرُّسل.
الرسوليّة
تقيم الكنيسةُ ذكرى هامتَيْ الرسل بطرس وبولس كلَّ سنة، وبعدها للرسل الاثني عشر جميعًا.
لقد وهبهم يسوع قوّته في إعادة عافية النفس والجسد، عافية النفس عن طريق الإنجيل، أخذوا يبشّرون في بلدهم أوّلًا ثمّ انطلقوا إلى العالم، إلى اليهود وإلى الوثنيّين هاتفين: «هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة» (يوحنّا 3: 16).
معظمهم مات استشهادًا، وصيّادو السمك أصبحوا صيّادي الناس. الفهم فيهم كان من الروح وما كان من العلم. ترجموا المسيح تفسيرًا، عملًا واستشهادًا، فهمًا وعيشًا، أتوا برسالة وداعة، حبٍّ وعطاء. «كان كلُّ شيءٍ فيما بينهم مشتركًا» (أعمال 2: 44).
ينبذون قوّة المال، وقوّة السلطة، وقوّة الشهوة. كان لهم بدلَ كلِّ ذلك قوّة المحبّة. بها غلبوا العالم.
عندما نصلّي ونقول: «أؤمن بكنيسة واحدة مقدّسة رسوليّة»، رسوليّة لأنّها تتبع إيمان الرسل، إيمانًا صادقًا لا بدعة فيه، وأيضًا تتبع سلوك الرسل وتعليمهم حسب ما نقرأ في أعمال الرسل: إيمانٌ إنجيليّ وسلوكٌ رسوليّ. وعندما نقول إنّنا مسيحيّون، نحن لا نعني حزب المسيحيّين، نعني الذين أحبّوا يسوع المسيح، ومسيرةُ حبّهم هي للجميع.
بعد فترة الخمسين يومًا بعد الفصح، الفترة السابقة لعيدَي الرسولين بطرس وبولس، فترةُ حياة جهادٍ ونسكٍ وصلاةٍ وصومٍ واعتراف.
وُضع هذا الصوم على غرار صوم الميلاد «هو قطاعة»، وهو نسكٌ نعيش فيه باستقامةٍ في الإيمان، وفي الوقت نفسه نسلك كما سلك الرسل:
نجاهد كما جاهدوا وتقدّسوا، أحبّوا يسوع المسيح بسلوك محبّةٍ للجميع، لأبناء طائفتنا وطائفة وديانة غيرنا، وهكذا نتقدّس.
أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
طروباريّة القيامة باللحن الرابع
إنّ تلميذات الربّ تعلّمن من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهِج، وطَرَحْنَ القضاءَ الجَدِّيَّ، وخاطَبنَ الرُّسُلَ مفتخِراتٍ وقائلات: سُبيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنح العالَمَ الرَّحمةَ العُظمى.
طروباريّة القدّيس أثناسيوس الآثوسيّ باللحن الثالث
لقد دُهِشَتْ طغماتُ الملائكة من سيرتك بالجسد أيّها الدائِم الذكر، كيف أنّك وأنت بالجسد سعيتَ نحو المصافّ غير المنظورة، وجرحتَ مواكب الأبالسة، فلذلك قد كافأك المسيح بمواهب غنيّة، فيا أيّها الأب أثناسيوس، تشفعْ إليهِ أن يخلّص نفوسنا.
القنداق باللحن الثاني
يا شفيعة المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعةِ وأسرعي في الطلبةِ يا والدةَ الإله المَتشفّعةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرسالة: عب 13: 7-16
كريمٌ بين يدَي الربِّ موتُ أبرارِه
بماذا نكافئُ الربَّ عن كلِّ ما أعطانا
يا إخوةُ اذكُروا مدّبِريكم الذينَ كلَّموكم بكلِمةِ الله. تأمَّلوا في عاقبَةِ تصرُّفهم واقتَدوا بإيمانِهم، إنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ هُوَ أمسِ واليومَ وإلى مدى الدهر، لا تنقادوا لِتَعاليمَ متنوّعَةٍ غَريَبة، فإنَّهُ يحسُنُ أن يثبتَ القلبُ بالنعمة لا بالأطعَمِة التي لم ينتَفعِ الذينَ تعاطَوْها إنَّ لنا مذبحًا لا سُلطانَ للذينَ يَخدمُوُن المسِكِنَ أن يأكُلوا منهُ لأنَّ الحيواناتِ التي يُدخَلُ بدمِها عن الخطيئةِ إلى الأقداسِ بيدِ رئيس الكهنةِ تُحرَقُ أجسامُها خارجَ المحلَّة، فَلذلكَ يسوعُ أيضًا تألّم خارجَ الباب ليقدِّسَ الشعب بِدَمِ نفسِه، فَلنخرُجْ إذنْ إليهِ إلى خَارجِ المحلَّةِ حاملينَ عارَهُ لأنَّهُ ليسَ لنا ههنا مدينةٌ باقيةٌ بل نَطلُبُ الآتية، فَلنقرِّبْ بهِ إذَنْ ذبيحةَ التسبيحِ كلَّ حين وهي ثمرُ شِفاهٍ معتَرفةٍ لاسمِه، لا تنَسوا الإحسانَ والمؤاساة فإنَّ اللهَ يرتضي مثلَ هذه الذبائح.
الإنجيل: متّى 8: 28-34، 9: 1 (متّى 5)
في ذلك الزمان لمَّا أتى يسوعُ إلى كورةِ الجُرْجُسِيّينَ استقْبَلَهُ مجنونانِ خارجانِ مِنَ القبْورِ شَرِسانِ جدًّا، حتّى إنَّهُ لم يكنْ أحدٌ يقدِرُ على أن يجتازَ من تلكَ الطريق. فصاحا قائلينِ: ما لنا ولك يا يسوعُ ابنَ الله. أجئتَ إلى ههنا قبل الزمانِ لِتُعذِّبَنا؟ وكان بعيدًا منهم قطيعُ خنازيرَ كثيرةٍ ترعى، فأخذ الشياطينُ يطلبون إليه قائلينَ: إنْ كنتَ تُخرجنا فائذَنْ لنا أن نذهَبَ إلى قطيعِ الخنازير. فقال لهم: اذهبوا، فخرجوا وذهبوا إلى قطيع الخنازير. فاذا بالقطيعِ كلّه قد وثبَ عَنِ الجُرْفِ إلى البحرِ ومات في المياه. أمّا الرعاةُ فهربوا ومضَوا إلى المدينةِ وأخبروا بكلّ شيءٍ وبأمرِ المجنونَينِ، فخرجَتِ المدينةُ كلُّها للقاءِ يسوعَ. ولمّا رأوهُ طلبوا إليهِ أن يتحوَّلَ عن تخومهم، فدخل السفينةَ واجتازَ وأتى إلى مدينتهِ.
في الرسالة
يقول لنا كاتب الرسالة:
«يحسنُ أن يُثَبَّتَ القلبُ بالنِّعمةِ لا بالأطعمة!»، أي أنَّ القلبَ لا يُثَبَّتُ بما هو من هذا العالم المادّيّ، سواءٌ أكان طعامًا أو شهوات، أو غنًى أو مجدًا أو سُلطةً، بل بالنِّعمة الإلهيّة المنسكبة علينا من لدُنِ الله. ولكن كيفَ تأتي النِّعمةُ لتثبيتِ قلوبنا المضطربة والقلقة من هموم العالم وأخباره، والمنشغلة باهتمامات العالم ومغرياته الخادعة؟!
النِّعمةُ الإلهيّة تنسكبُ علينا عندما نعيش وفقَ وصايا الله الموجودة في الكتاب المقدَّس، وهذا يتطلَّبُ منّا مطالعةَ الكلمةِ الإلهيّة باستمرار، إلى أن تصيرَ معاشرةُ الله جزءًا من حياتنا اليوميّة، فنتحدَّث معه، بل ونأكل ونشرب معه وهو معنا، حسبَ وعده لنا:
«إن أحبَّني أحدٌ يحفظ كلامي، ويحبُّه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلًا» (يو14: 23)، «هأنذا واقفٌ على الباب وأقرع، إن سمعَ أحدٌ صوتي وفتحَ الباب، أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي» (رؤ3: 20).
نعم، إلى هذه الدرجة يمكن أن تكون علاقتنا بالربّ بسيطةً ومتينةً في آن! فلا نكتفي بحضورٍ روتينيٍّ أسبوعيٍّ للقدَّاس الإلهيّ، لأنَّ الحياة الكنسيّة الروتينيّة تقتل الرّوح، وطقوسنا الجميلة إن جمدت وانحصرت بتراتيلَ وألحانٍ، قد لا يفهم معناها السامع، فلن تكون فاعلةً فينا، ولن تغيِّرَنا، ولن تجعل منّا خليقةً جديدة.
لذلك فإنَّ مسؤوليّة الآباء المطارنة والكهنة كبيرةٌ جدًّا، بأن يُعيدوا للعظةِ مكانتها في القدَّاس الإلهيّ وفي كلِّ خدمةٍ كنسيّة، فيعطوا مساحةً كافيةً للوعظ غير الارتجاليّ والمحضَّر بشكلٍ جيِّد، وللقراءة المُتقَنة المتأنِّية، سيَّما للرسالة والإنجيل، لكي يصل المعنى إلى قلب السامع، فتلمسهُ وتغيِّرهُ.
ويدعونا كاتب الرسالة إلى تحمُّل الآلام والضيقات، وإلى حمل عار المسيح، متشبِّهين بمن علَّمونا الإيمان بيسوع المسيح، أي بآبائنا القدِّيسين، الذين عاشوا بطريقةٍ انتهت فيها حياتهم بالقداسة، فغادروا هذه الأرض، وقد تقدَّسوا! لقد أدركوا أنَّهم ضيوفٌ وغرباء على هذه الأرض، فلم يتعلَّقوا بتفاهاتِ هذا العالم، واختاروا حياة الزُّهد والقناعة، ليس فقط في الصحراء والجبال، بل وفي وسط العالم، مكتفين ومقتنعين بالقليل، محتملين الضيقات والشدائد كما احتمل المسيح آلام الصليب، وكلَّ التعييرات.
لقد غيَّر الإيمانُ حياتهم! وهكذا نحن يجب أن يغيِّرَ الإيمانُ حياتَنا، وإلّا فما فائدته؟! ولنتذكَّر أنَّنا غرباء وضيوف على هذه الأرض: «لأنَّهُ ليسَ لنا ههنا مدينةٌ باقيةٌ بل نطلبُ الآتية»، أورشليم السماويّة، ولنتذكَّر أيضًا أنَّ طريقة عيشنا ستحدِّد نهايتنا عند مغادرتنا هذه الأرض!
أمّا «ذبيحة التَّسبيح» التي نقدِّمها لله فهي ثمار الحياة الروحيّة، أي الفضائل والأعمال الخيريّة الصالحة.
لذلك مع كاتب الرسالة نتوجَّه بهذا النِّداء إلى جميع إخوتنا المؤمنين، الأغنياء والفقراء، وإلى الآباء الكهنة ومجالس الرعايا والمطارنة والأديار والمؤسَّسات الكنسيّة والمجمع الأنطاكيّ:
في هذه الأيّام الصعبة «لا تنسوا الإحسانَ والمؤاساة»...
خفِّفوا الأقساط، علِّموا وطبِّبوا أبناءنا الفقراء، فشعبُ المسيح في فقرٍ شديد! وخفِّفوا من البذخ في الحياة الشخصيّة والكنسيّة...
«ولتكن سيرتكم خاليةً من محبَّة المال، وكونوا مكتفين بما عندكم»... حافظوا على الوعظ في الكنيسة واشرحوا للشعب الكلمةَ الإلهيّة، واكشفوا له متعةَ الحياةِ مع الله... من فضلكم لا تنسوا كلَّ هذا! عسانا جميعنا نعكس، كمرآةٍ صافية، نورَ المسيح وفضائله، «فإنَّ اللهَ يرتضي مثلَ هذه الذبائح»
"القدّيس سيصويي الكبير: مثال التواضع والتوبة.
عندما نتأمَّل في سيرة القدّيس سيصويي الكبير، نجد أمامنا مثالًا حيًّا للإنسان الذي كرَّس حياته بالكامل لله.
فقد ترك العالم وراءه واختار حياة الصلاة والصمت والجهاد الروحيّ، ساعيًا إلى الاتّحاد بالله أكثر من أيِّ شيءٍ آخر.
نُكرِّم هذا القدّيس العظيم في تواريخ مختلفة، فمنّا من يحتفل بعيده على التقويم الغربيّ في 6 تمّوز، ومنّا على التقويم الشرقيّ في 19 تمّوز، إلّا أنَّ الرسالة التي يحملها عيده تبقى واحدة: دعوة كلِّ مؤمنٍ إلى العودة الدائمة إلى الله. فأعياد القدّيسين ليست مجرَّد ذكرى تاريخيّة، بل فرصة لنتأمَّل في حياة مَن ساروا في طريق القداسة وجعلوا الإنجيل واقعًا معاشًا.
ما يميِّز القدّيس سيصويي
ليس فقط نسكه الشديد، بل تواضعه العميق. فعلى الرغم من قداسته ومكانته بين الرهبان، كان يرى نفسه أقلَّ من الجميع.
لذلك علَّم أبناءه الروحيّين أنَّ التواضع هو الطريق الأكيد إلى الله، وقال: «خيرٌ لك أن تضع نفسك تحت كلِّ المخلوقات حتّى تكون مطمئنًّا في تواضعك".
كما تذكِّرنا سيرته بأهمّيّة التوبة الدائمة. فعلى الرغم من سنواته الطويلة في القداسة، بقي يعتبر نفسه محتاجًا إلى رحمة الله.
وهكذا يعلِّمنا أنَّ الحياة المسيحيّة ليست وصولًا إلى الكمال، بل مسيرة مستمرَّة من التوبة والرجوع إلى الله.
إنَّ عالمنا اليوم يحتاج إلى شهادة القدّيس سيصويي الكبير، الذي يذكِّرنا بأنَّ القوّة الحقيقيّة ليست في السلطة أو الشهرة، بل في التواضع، وأنَّ السلام الحقيقيّ لا يأتي من امتلاك الأشياء، بل من القرب من الله.
إ
نَّ احتفالنا بعيد القدّيس سيصويي الكبير يدعونا إلى أن نسأل أنفسنا: هل نبحث عن الله كما بحث عنه هو؟ هل نتحلّى بالتواضع في علاقاتنا مع الآخرين؟ وهل نجعل من التوبة طريقًا دائمًا للنموّ الروحيّ؟
فلنقتدِ بهذا القدّيس العظيم، طالبين من الله أن يمنحنا روح التوبة والتواضع والمحبّة، حتّى نسير بثباتٍ في طريق القداسة ونشهد للمسيح في عالمنا اليوم. آمين.
كلمة قدس الأب نقولا مالك في حفل تخرّج ليسيه القدّيس بطرس الأرثوذكسيّة في أميون
بتاريخ 23/6/2026
أهلًا وسهلًا بِكُم في احتفالِنا السَّنويّ الّذي نسلّمُ فيه الشّهادات لطُلّابِنا الّذين أَنهَوا شَوطَ المرحلةِ المدرسيّة. لقد ارتأى طُلّابُنا أن يُطلِقُوا على دُفعَتِهم اسم "أكثر مِن شيفرة"، وحولَ هذا العنوانِ نَسَجنا معَهُم تفاصيلَ برنامَجِ هذا الاحتفال.
ليسَ الإنسانُ آلةً، ولا هُوَ رقمٌ عشوائيّ. الإنسانُ شخصٌ، والشّخصيّةُ البشريّةُ صورةٌ عن خالقِها، وَمِرآةٌ تعكِسُ ما عندَهُ مِن حُرّيَّةٍ، وَقُدرةٍ على الخَلْقِ وَالاِبتِكار، بالإضافةِ إلى المحبّةِ الّتي هِيَ أعظَمُ المواهب.
كُلُّ اختراعٍ توصَّلَ إليهِ الإنسانُ قديمًا وحديثًا، دليلٌ على ما وهَبَهُ الخالق. ومهما تعاظَمَ الاختراعُ يبقى صَنِيعةَ الإنسان، ويبقى أدنى منهُ بِما لا يُقاس. ولا يُمكنُ بحالٍ من الأحوالِ تفضيلُهُ على الإنسان. تَوقِيرُنا للمُختَرَعاتِ يُشبِهُ تَوقِيرَ الوثنيّينَ لِأصنامٍ لا حياةَ فيها، مِن صُنعِ أيدِيهِم.
الرّافِعةُ الجَبّارَةُ أقوى مِن ألفِ إنسانٍ مُجتَمِعِينَ، إلّا أنّ الإنسانَ هُوَ الّذي اخترَعَها، وهو الّذي رَكَّبَها، وَهُوَ الّذي يُشَغِّلُها وَيُدَبِّرُها. ومتى تعطَّلَتْ، الإنسانُ هُوَ الّذي يُصْلِحُها. وبعدَ بُرهةٍ من الزَّمَن، سوفَ يَختَرِعُ رافعَةً أَقوى وأكثرَ فَعالِيّةً، وأقَلَّ استهلاكًا لِلطّاقة.
وَقِيسُوا على ذلكَ الآلةَ الحاسبةَ، ثُمَّ الحاسُوبَ، ثُمَّ أدوات البحث السّريع الّتي وضَعَت كُلَّ ما في الدُّنيا مِن كُتُبٍ وَمَوسُوعاتٍ وَمَعاجِمَ في مُتَناوَلِ المرء بِضَغطَةٍ لطيفةٍ على بضعةِ أزرارٍ ناعمةٍ في جهازٍ محمولٍ بِحَجمِ مُفَكِّرةِ الجَيب. وأخيرًا. الذّكاءُ الاِصطِناعِيّ.
ما أُرِيدُ أَن أَقُولَهُ اليومَ هُوَ: لا تنبَهِرُوا بالإعلاناتِ التَّسوِيقِيّة، والتَّبَجُّحِ الفارِغِ عندَ مَن يُحاوِلُونَ أن يُصَوِّرُوا الذّكاءَ الاصطِناعِيَّ بُرجَ بابِلٍ جديدًا. لا الرّوبوتاتُ بَشَرٌ، ولا الذّكاءُ الاصطِناعِيُّ بَشَر. الإنسانُ هُوَ الّذي يَبني كُلَّ هذه الأبراج، وَمَهما بَلَغَتْ مِنَ العَظَمةِ، تَبقى مَخلوقةً والإنسانُ خالِق. وَلَئِنْ قُلْتُم: ولكنَّها أقوى مِنَ الإنسان! أُجِيبُكُم: وَمتى كانَت قيمةُ الإنسانِ وَقْفًا على قُوَّتِهِ العضَلِيّة؟ مُنذُ البَدْءِ مَعروفٌ أنَّ الإنسانَ أَضعَفُ مِن كُلِّ ما في الطّبيعة. وَمعَ ذلك، هُوَ مَلِكُها وَسَيِّدُها.
إنَّ هذا النِّقاشَ يُذَكِّرُني بِنَشَراتِ الأحوالِ الجَوّيّة. عندَما كانوا يَصِفُونَ حالةَ الطَّقسِ قديمًا بالعباراتِ الواقعيّة: مَطَر، صَحو، رياح، بحر مُضطَرِب... كُنّا نَرتاح، لأنّنا عَرَفْنا ما الاحتياطاتُ الواجبُ اتّخاذُها لِليَومِ التّالي. أمّا في هذه الأيّام، فقد صارَ الإعلامُ فَزّاعةً، فَصارُوا يُطلِقُونَ على كُلِّ مَطْرَةٍ اسمًا مِن أسماءِ البَشَر، وَيُخبِرُونَكَ بِبلادِ مَنشَئِها، وأيّةَ طريقٍ سَلَكَتْ قَبلَ أن تَصِلَ إلَينا. وَيَحُوكُونَ حَولَها هالةً مِنَ الوَهمِ تجعَلُكَ تَرتَعِدُ منها ارتِعادَ سُكّانِ قلعةِ الحَدَثِ مِن هُجُومِ سَيفِ الدَّولةِ الحَمْدانِيّ.
الإعلامُ، الّذي هُوَ في الأصلِ أداةٌ لِنَشرِ الوقائع، باتَ اليومَ وسيلةً في أيدِي التّجّارِ الكِبار، لكي يُحَقِّقُوا أرباحًا طائلةً على حسابِ صحّةِ الإنسانِ وكرامتِهِ وَوُجُودِه.
فَيا طُلّابَنا الأَحِبّاء، لَن نَخافَ عليكُم مِنَ العالَمِ الواسعِ الّذي أنتمُ داخِلُونَ إليه في الأَواتِي مِنَ السِّنين، لأنّنَا نعرفُكُم جَيِّدًا: نعرفُ ما تتحَلَّونَ بِهِ مِن سِعَةِ العِلم، ووافِرِ الثّقافة، وَما يُزَيِّنُكُم مِن الأخلاقِ الرّفيعةِ والرّوحِ الإنسانيّةِ الطّيّبة.
أنتم بالفعل أكثَرُ بِكَثيرٍ مِن شِيفراتٍ وكُوداتٍ وأرقام. كُلٌّ مِنكُم شخصٌ إنسانِيٌّ مَرمُوقٌ على صُورةِ خالقِه. كُلٌّ مِنكُم بَصمةٌ فريدةٌ مِن نَوعِها، شخصيّةٌ مستقلّة، مجموعةٌ مِنَ المواهب. نفتخرُ بِكُم، لأنّكُم تُجَسِّدُونَ هُوِيّةَ هذه المدرسة، وحَيثُما كُنتُم،
سَيقرَأُ النّاسُ في عُيُونِكُم، وَفي نُبْلِكُم، وَفي فضائلِكُم، ما أَرَدْنا كُلَّ هذه السّنينَ أن نَزرَعَهُ في نُفُوسِكُم.
فَشُكرًا لَكُم على حُضُورِكُمُ المُحَبَّب في حياةِ ليسيه القدّيس بطرس. شُكرًا لَكُم لأنّكُم تَفَوّقْتُم في الدّراسةِ وتفوّقتُم في التّعاوُنِ وتَفَوّقتُم في التّهذيب. شُكرًا لأهالِيكُمُ الّذينَ استَودَعُونا إيّاكُم كأغلى ما عِندَهُم، وَبَذَلوا الكثيرَ وضَحَّوا بالكثيرِ لِكَي تَصِلُوا إلى هُنا. فَندعو لَهُم وَلَكُم بالصحّة، لِكَي تُكْمِلُوا مسيرةَ التعَلُّمِ الجامعيِّ، وتنطلقوا إلى الحياةِ رُوّادًا لِكُلِّ عِلمٍ وَلِكلِّ فضيلة.
وَفي الختام، أتوجَّهُ بِالشُّكرِ لِمَن تَعِبُوا معَ طُلّابِنا طِيلةَ فترةِ دِراسَتِهم، مِن مُرَبِّينَ ومسؤولِينَ وعامِلِين، وَلِجانِ الأهل المُتعاقِبة، والدّاعِمِينَ معنويًّا ومادّيًّا.
وَالشُّكرُ للهِ أوّلًا وأخيرًا.