الأحد 25 كانون الثاني 2026
21 كانون الثاني 2026
الأحد 25 كانون الثاني 2026
العدد 4
الأحد (15) من لوقا
اللحن الثامن، الإيوثينا الحادية عشرة
أعياد الأسبوع:
25: أحد زكَّا العشّار، غريغوريوس الثاولوغوس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، 26: البارّ كسينُفوندُس مع زوجته ماريَّا وولديه أركاديوس ويوحنَّا، 27: نقل جسد القدِّيس يوحنَّا الذهبيّ الفم، القدِّيسة ماركيانيس، 28: البارّ أفرام السريانيّ، البارّ بلاديوس، 29: نقل بقايا الشَّهيد في الكهنة إغناطيوس المتوشِّح بالله، 30: الأقمار الثلاثة وأمّهاتهم: آميليا- نونة- أنثوسة، 31: كيرُس ويوحنَّا العادما الفضَّة، الشَّهيدة أثناسيَّا وبناتها.
الأقمار الثلاثة: أنوار تهدي الكنيسة
القدّيسون باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتيّ، ويوحنا الذهبيّ الفم، الذين يُعرفون بـ"الأقمار الثلاثة"، هم أعمدة التعليم المسيحيّ الأرثوذكسيّ، وقد جمعوا بين عمق اللاهوت، ونقاوة الروحانيّة، وقوّة الكلمة، فصاروا معلّمين للمسكونة وقدوة للمؤمنين. إنّهم مدرسة روحيّة ولاهوتيّة متكاملة. لم يكن كلّ واحد منهم نسخة عن الآخر، بل موهبة خاصّة تكمّل الأخرى: باسيليوس في التنظيم والخدمة، غريغوريوس في اللاهوت والتأمل، ويوحنّا في الكلمة والعدالة الاجتماعيّة. معًا، صاروا أنوارًا تهدي الكنيسة وقدوة للمؤمنين. لقد أرسلهم الله في زمنٍ كثرت فيه الانقسامات والاضطرابات، ليكونوا شهودًا على أنّ كلمة الله ليست نظريّة جامدة، بل حياة تُعاش. حياتهم شهادة حيّة على أنّ كلمة الله متى سكنت الإنسان جعلته كلمة من "الكلمة" (Logos)، وجعلته نورًا للعالم وملحًا للأرض. في القرن الحادي عشر، ظهرت خلافات بين المؤمنين حول أيّهم أعظم، لكنّهم ظهروا في رؤيا للأسقف يوحنّا مافروبوس مؤكّدين أنّهم متساوون في النعمة والمقام، ومنذ ذلك الحين يُعيَّد لهم معًا في 30 كانون الثاني.
القدّيس باسيليوس الكبير (+379 م) رئيس أساقفة قيصريّة كبادوكية، عُرف بزهده، ودفاعه عن الإيمان القويم، وإصلاحاته الرهبانيّة والاجتماعيّة. أسّس قواعد الحياة المشتركة للرهبان، واهتمّ بالفقراء والمرضى وقد علّمنا أنّ المحبّة ليست فكرة، بل خبز يُكسر للفقراء ودواء يُعطى للمرضى: "خبزك الذي تخزنه هو للفقير، وثوبك الذي تحفظه في الخزانة هو للعريان." هكذا علّمنا أنّ الخدمة هي الوجه العمليّ للإيمان، وأنّ الكنيسة تُبنى بالرحمة قبل الكلمات. أمّا غريغوريوس (+ 390 م) صديقه، بطريرك القسطنطينيّة، الملَقَّب بـ"الثيولوغوس" أي اللاهوتيّ، بسبب عمق كتاباته في الثالوث القدّوس، فامتاز ببلاغته الشعريّة وبتأمّلاته الروحيّة العميقة، وأظهَرَ لنا أنّ التأمّل في الثالوث هو دخول في سرّ المحبّة الإلهيّة التي تحتضن العالم وتشبُّهٌ بالله عبر التطهُّر بالتوبة، "إنّه لأمر عظيم أن نتأمّل الله، وأعظم أن نتطهّر لنصير مشابهين له." أمّا يوحنّا الذهبيّ الفم بطريرك القسطنطينيّة فخلف نكتاريوس الطرسوسيّ على كرسيّ القسطنطينيّة سنة
397م. بعد وفاة الأخير، علمًا أنّ البطريرك نكتاريوس خلف القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ. اشتهر الذهبيّ الفم بعظاته الناريّة التي فسّرت الكتاب المقدّس بوضوح وقوّة، ودافع عن العدالة الاجتماعيّة وحقوق الفقراء وانتقد فساد الأغنياء والسلطة، ممّا جلب عليه الاضطهادات والنفي. حياته كانت شهادة على قوّة الإنجيل في مواجهة الصعوبات، إذ بقي ثابتًا في الإيمان حتّى وفاته في المنفى سنة 407م. مذكِّرًا أنّ الكلمة الإلهيّة حين تُعلَن بصدق، تفتح القلوب وتحرّر النفوس، "الكتاب المقدّس هو نبع لا ينضب، من يقترب منه يجد فيه ما يغذّي نفسه".
يا أحبّة، لم يكن لاهوت الأقمار الثلاثة جدلًا عقليًّا باردًا، بل صلاة متّقدة. فباسيليوس الكبير وضع أسس التعليم عن الروح القدس، مؤكّدًا ألوهيّته ومساواته للآب والابن، وكشف أنّ الروح القدس حياةُ الكنيسة ونَفَسُها. أمّا غريغوريوس اللاهوتيّ فأبرز لاهوت الثالوث، مؤكّدًا وحدة الجوهر وتمايز الأقانيم، قائدًا المؤمنين إلى حضرة الثالوث، وإلى حياة الوحدة في المحبّة والتمايز بين المؤمنين من خلال الشركة مع الثالوث القدّوس بالابن في الروح القدس. ويوحنّا الذهبيّ الفم ركّز على تفسير الكتاب المقدّس وتطبيقه في الحياة اليوميّة، رابطًا بين العقيدة والسلوك المسيحيّ فجعل الكتاب المقدّس خبزًا يوميًّا، لإطعام الجياع وتقوية الضعفاء.
وضع الأقمار الثلاثة أسس التعليم الأرثوذكسيّ، وصاروا مرجعًا في العقيدة واللاهوت. أمّا حياتهم فتشهد على أنّ الإيمان ليس مجرّد فكر ونظريّات وفلسفات، بل هو عيش يوميّ في المحبّة والحقّ. في زهدهم نرى التّحرُّر من ثقل العالم إذ عاشوا حياة بسيطة، وجعلوا من الفقر والغربة عن العالم طريقًا للاتّحاد بالله. في صلاتهم نسمع أنين القلب الباحث عن الله بصدق، فكتاباتهم وصلواتهم تكشف علاقة حميمة بالله في القلب، قائمة على الثقة والرجاء. في خدمتهم نلمس وجه المسيح في الفقراء والمهمّشين، فلم يكتفوا بالتعليم النظريّ، بل جسّدوا الإنجيل في أعمال الرحمة وخدمة الكنيسة والشعب. كمعلّمين، يذكّروننا بأنّ الإيمان هو نور للعقل. كقدوة، يعلّموننا أنّ الإيمان هو حياة تُعاش. كإخوة لنا في المسيح، يمنحوننا الشجاعة والتشجيع فيفتحون أمامنا الطريق لنتبعهم فيه عسانا نصير أيضًا أنوارًا صغيرة من عند الربّ في عالم يحتاج إلى نور الحقّ الإلهيّ.
يا أحبَّة، حين نتأمّل في سيرة الأقمار الثلاثة وجهاداتهم واضطهاداتهم وأعمالهم، ندرك أن الكنيسة ليست مجرّد مؤسّسة، بل هي جسد المسيح الحيّ الذي يحيا بالروح القدس ويستنير بالمسيح في حياة القدّيسين. حياتهم تقول لنا” :إن أردت أن تكون نورًا، اقترب من المسيح، فهو الشمس التي لا تغيب، وهو الذي يجعل من كلّ مؤمن قمرًا يضيء في ليل هذا العالم". إنَّ الأقمار الثلاثة هم أيقونات حيّة للكنيسة الجامعة حيث يعلّمنا باسيليوس قوّة التنظيم والخدمة، ويفتح غريغوريوس أمامنا عمق التأمّل اللاهوتيّ، ويذكّرنا يوحنّا بأنّ الكلمة الحيّة قادرة على أن تغيّر القلوب. إنّهم معًا يشكّلون مدرسة روحيّة ولاهوتيّة متكاملة، تدعو المؤمنين إلى أن يكونوا نورًا للعالم طاعة لدعوة الربّ، كما كانوا هم نورًا للمسكونة، ليكون المسيح ممجَّدًا في المؤمنين به...
+أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريّة القيامة باللحن الثامن
إنحدَرْتَ من العلوِّ يا متحنِّن، وقبلْتَ الدفنَ ذا الثلاثةِ الأيّام لكي تُعتقنا من الآلام. فيا حياتنا وقيامَتنا، يا ربّ المجد لك.
طروباريّة القدّيس غريغوريوس الثاولوغس باللحن الأول
إن المزمار الرعائيّ لتكلّمكَ في اللاهوت، قد قهر أبواق الخطباء وغلبها، فبما أنّك التمستَ أعماق الروح قد أُضيف إليكَ حسن النطق، أيّها الأب غريغوريوس، فتشفّع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
قنداق دخول السيّد إلى الهيكل باللحن الأوّل
أيّها المسيح الإله يا من بمولده قدّس المستودع البتوليّ وبارك يدي سمعان كما لاق، وأدركنا الآن وخلّصنا، احفظ رعيّتك بسلام في الحروب، وأيّد المؤمنين الذين أحببتهم بما أنّك وحدك محبٌّ للبشر.
الرسالة: عب 7: 26-28، 8: 1-2
فمي يتكلَّم بالحكمة وقلبي يهذُّ بالفهم
]اسمعوا هذا يا جميع الأمم
يا إخوةُ إنَّا يُلائِمنا رئيسُ كهنةٍ مثلُ هذا بارٌّ بلا شرٍ ولا دنَسٍ مُتنزّهٌ عنِ الخطأةِ قد صارَ أعلى منَ السماوات، لا حاجةََ لهُ أن يُقرّبَ كلَّ يومٍ مثلَ رؤساءِ الكهنةِ ذبائحَ عن خطاياهُ أوّلًا ثمَّ عن خطايا الشعب. لأنَّهُ قضى هذا مرَّةً واحدةً حينَ قرَّبَ نفسَهُ فإنَّ الناموسَ يُقيمُ أناسًا بِهمِ الضعفُ رؤَساءَ كهنةٍ. أمَّا كلِمةُ القسمِ التي بعدَ الناموس فتُقيمُ الابنَ مكمّلًا إلى الأبد، ورأسُ الكلام هو أنَّ لنا رئيسَ كهنةٍ مثلَ هذا قد جلسَ عن يمينِ عرشِ الجلالِ في السماوات وهُوَ خادِمُ الأقداسِ والمسكنِ الحقيقيّ الذي نَصبَهُ الربُّ لا انسانٌ.
الإنجيل لو 19: 1-10
في ذلك الزمان فيما يسوع مجتازٌ في أريحا إذا برجل اسمه زكّا كان رئيسًا على العشّارين وكان غنيًّا وكان يلتمس أن يرى يسوع من هو فلم يكن يستطيع من الجمع لأنّه كان قصير القامة، فتقدّم مسرعًا وصعد إلى جمّيزة لينظره لأنّه كان مزمعًا أن يجتاز بها. فلمّا انتهى يسوع إلى الموضع رفع طرفه فرآه فقال له: يا زكّا أسرع انزل فاليوم ينبغي لي أن أمكث في بيتك، فأسرع ونزل وقبله فرحًا. فلمّا رأى الجميع ذلك تذمّروا قائلين إنّه دخل ليحلّ عند رجل خاطئ فوقف زكّا وقال ليسوع: هائنذا يا ربّ أعطي المساكين نصف أموالي. وإن كنت قد غبنت أحدًا في شيء أردّ أربعة أضعاف. فقال له يسوع: اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت لأنّه هو أيضًا ابن ابراهيم، لأنّ ابن البشر إنّما أتى ليطلب ويخلّص ما قد هلك.
في الرسالة والإنجيل
تقيم الكنيسة المقدّسة اليوم عيد القدّيس غريغوريوس اللاهوتيّ لذلك تلت علينا هذا المقطع من الرسائل وهو يتكلّم على رئيس الكهنة وكيف يجب أن يكون على مثال الكاهن الأعظم ربّنا يسوع المسيح الذي صار أعلى من السماوات لأنّه هو خالق السماوات، الابن الوحيد الجالس في أحضان الآب أي الإله الأزليّ الذي تجسّد لأجل خلاصنا.
رئيس الكهنة البارّ هذا والمنزّه عن كلّ شرّ شاهدناه في الميلاد طفلًا لابسًا جسدًا مثل جسدنا لكنّه خالٍ من الخطيئة، أمّا في الظهور الإلهي فقد شاهدناه كاملًا إذ محا لعنة الخطيئة بنزوله في نهر الأردن وأزال قناع أهوائنا وردّنا إلى البنوّة لله من جديد، إذ لا يستطيع أحد من بني البشر أن يعمل هذا إلّا هو خادم الأقداس والمسكن الحقيقيّ الذي نصبه الربّ لا إنسان.
أمّا بالنسبة إلى المقطع الإنجيليّ فقد قرأت علينا الكنيسة اليوم إنجيل الأحد الواقع قبل فترة التريودي أي فترة الصوم الكبير وهو إنجيل زكّا الذي عنوانه التوبة.
لأنّ الأحداث كلّها والتي سنعيشها في هذه الفترة لا تتمّ ونشعر بها إن لم نتب.
كلّ إنسان مهما عَلَت مرتبته في هذا الكون هو بحاجة إلى التوبة ليعاين سرّ الثالوث الأقدس. يقول الكتاب إنّه أغلق على الكلّ تحت الخطيئة فلم يُفلِت ولا واحد. إذًا التوبة في كنيستنا هي مسيرة حياة لها فعل في الإنسان حتّى رقاده. فإن كان يعيش حياته بتوبة صادقة فهنيئًا له لأنّه سيكون في حالة غبطة بعد الرقاد كما يعلّم الكتاب المقدّس، وكما فعل زكّا فنال الخلاص قبل مغادرته هذه الحياة.
لعلّ زكّا سمع نداء الربّ يسوع "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات" فأراد التعرّف إليه أكثر. لم يهتمّ للوسيلة التي ستعرّفه بيسوع ولا بكلام الناس عندما سيصعد إلى الشجرة ليراه، إنّما عمل ما في وسعه ليلتقيه. ونحن نلتقي ربّنا في كلّ قداس. هذا يجب ألّا ننساه بل أن نعمل بكلّ مقدورنا لكي يكون اللقاء مثمرًا مثلما حدث مع زكّا.
في النصّ الإنجيليّ لا الغنى ولا السلطة قدرا أن يخلّصا زكّا إنّما التوبة الحقّة جعلت منه بيتًا نظيفًا رحيمًا أراد الربّ المكوث فيه.
فلنكن واثقين يا إخوة بأنّ لا شيء في هذه الدنيا، لا المال ولا المراكز ولا التذمّر ولا أيّ شيء يقدر أن يجتذب يسوع إلى بيوتنا سوى القلب الشفوق الرحيم الذي يتوب توبة فاعلة لأنّ ابن البشر إنّما أتى ليطلب ويخلّص ما قد هلك.
تسلّق الجبال
تنتشر رياضة تسلّق الجبال على نطاق واسع في كافّة أنحاء الكرة الأرضيّة ويزداد عدد ممارسيها باطّراد، وتكاد لا تخلو قمّة مهما علتْ وارتفعتْ مِنَ المتحمّسين للوصول إليها والوقوف على أعلى نقطة فيها، وعندما يحقّقون هدفهم الذي جاهدوا وكابدوا في سبيله يرفعون أيديهم بإشارات النصر والابتسامات تعلو وجوههم، ويغمرهم فرح كبير، ربّما ينسيهم الأوجاع والكدمات والإصابات التي تعرّضوا لها خلال مغامرتهم.
هناك ملاحظات ينبغي على المتسلقين حفظها وتطبيقها لضمان سلامتهم، منها عدم الالتفات إلى الوراء والنظر إلى أسفل لكيلا يصابوا بالدوار ورهاب المرتفعات، ومن ثمّ تخور قواهم ويفقدون عزيمتهم، ولكن عليهم أن يوجِّهوا نظرهم إلى الأعلى جاعلين نصب أعينهم الوصول إلى القِمّة، مستمدّين من ذلك تصميمًا واندفاعًا.
نجد في رياضة تسلّق الجبال صورة عن محاولات الإنسان الارتقاء من الأرضيّات إلى السماويّات. الأمر الذي يتطلّب مثلها، إرادة وتصميمًا وثباتًا، أملًا في الوصول إلى القمة، رغم المتاعب والمصاعب والتجارب التي تعترض محاولات الصعود، بالإضافة إلى الانتباه إلى عدم الالتفات إلى الوراء والنظر إلى أسفل، كما يعلِّمنا بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيليبي (3: 13 - 14) "أنسى ما هو ورائي وأمتدّ إلى ما هو قدّام".
إنَّ كلَّ إنسان اعتمد باسم الآب والابن والروح القدس، وخُتِمَ بمسحة الروح، صار إناءً للمواهب الإلهيّة، وابتدأ رحلة الصعود التي تستغرق عمره كلّه على هذه الأرض، إلى أن يصل إلى قمّةٍ يتجلّى فيها نور الربّ وينسكب عليه محوِّلًا إيّاه من جسدٍ من لحمٍ ودمٍ إلى كيان روحيّ يتناغم مع وجوده في حضرة السيّد الكليّ الجلال والفائق البهاء، هناك تستكين النفس وتجد راحتها وتنال ثواب جهادها الذي مارسته على مدى سني حياتها على الأرض.
يشبه جهاد الانسان الروحيّ، إلى حدٍّ كبير، رياضة تسلّق الجبال، إذ عليه أن يستعدّ للرحلة الطويلة المضنية بالأدوات واللوازم التي سيحتاج إليها في مسيرته، الرحلة الروحيّة لا تحتاج إلى حبال ومطارق وخطّافات ... إنها تحتاج إلى اتّخاذ سلاح الله الكامل (أف6: 11)، "البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضدّ مكائد إبليس"، فكما يفشل متسلّق الجبل إن أهمل التزوّد بالأدوات التي تساعده على تحقيق هدفه، كذلك هو شأن الإنسان الذي يسلك طريق الجهاد الروحيّ متغافلًا عن التزوّد بالأمور الضروريّة التي تساعده على ذلك، ومنها المواظبة على الصلاة والتأمّل في الكلمة الإلهيّة، والسعي إلى اكتساب الفضائل التي تعينه على مواصلة المسير والارتقاء، إلى جانب عدم الالتفات إلى الوراء والنظر إلى أسفل، أعني العودة إلى ذكريات الحياة الماضية والحنين إلى ما كان له فيها، لكي لا ينزلق ويقع. إلى ذلك ينبغي علينا عدم الالتفات إلى من حولنا لكي لا نتأثّر بضعفهم وتراجعهم عن مواصلة المسيرة، بل على العكس علينا أن نتّخذ المجاهدين المثابرين الذين وصلوا إلى القمّة الروحيّة، مثلًا.
"اذكروا مرشديكم الذين كلّموكم بكلمة الله، انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثّلوا بإيمانهم" (عب 13: 7).
يا إخوة، دعونا لا نكون كالغنيّ المتحمّس الذي سمع "اذهب وبِعْ كلَّ مالك وتعال اتبعني" (مر 10: 21 )، فمضى حزينًا، أوقف مسيرته نحو قمّة الكمال وعاد أدراجه للالتصاق بالأرض واهتماماتها. بل لنكن على مثال بطرس الذي نطق باسم كلِّ من آمن بالمسيح إلهًا وربًّا ومخلصًّا (يو 6: 68 - 69) "يا ربّ إلى مَنْ نذهب، وكلام الحياة الأبديّة عندك، ونحن قد آمنّا وعرفنا أنّك أنت المسيح ابن الله الحيّ".
الإنسان الجديد بالمسيح
تشير كلمة «إنسان» إلى الفرد البشريِّ، ويقال «وجدَ عِندَه إيناسًا» أي الألفة والاجتماع. إذًا هناك مسؤوليَّة أخلاقيَّة واجتماعيَّة. جميل هذا الكلام ولكنَّه ليس الأسمى والأعمق، لأنَّ كلمة «إنسان» في المسيحيَّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهدف وجود الإنسان، ذكرًا وأنثى، ألا وهو تحقيق هدف وجوده: "التألُّه". فهو خُلِقَ على صورة الله كشبهه، ومدعوٌّ إلى تحقيق الشبه، وتأنسن الله لكي يؤلِّهنا.
لهذا عندما نلفظ كلمة إنسان نرى الإله المتجسِّد، الإنسان المثاليَّ، الَّذي أصبح مثلنا ما خلا الخطيئة، لنعيش ملء الإنسانيَّة ونتألَّه بالنعمة الإلهيَّة. وبمعنى أوضح، نصبح بالربِّ خليقة جديدة تتحقَّق بالموت عن الذات، ليموت كلُّ شيء فينا ليس من خالقنا وبارينا، وأوَّلها الكبرياء أُمُّ الخطايا.
تستوقفنا هنا أيقونة الختن، والمكتوب عليها: «هوذا الإنسانُ» تيمُّنًا بما قاله بيلاطس لليهود عن الربِّ يسوع المسيح عندما وضعوا على رأسه إكليل الشوك وألبسوه الرداء الأرجوانيَّ بعد أن جلدوه وسخروا منه (يوحنَّا 19: 5).
ترى هل أدرك بيلاطس في ذلك الوقت عمق ما نطق به؟ هل كان بيلاطس يعرف أنَّه أمام ملك الملوك الذي ارتضى أن يولد في مذود للبهائم؟
كم هذه الصورة مهيبة، تجعلنا نعيد كلَّ حساباتنا في حياتنا الأرضيَّة.
آه لو عرف بيلاطس أنَّه يخاطب آدم وحوَّاء بتحقيق الوعد الأول، أي ما قاله الله للحيَّة بأنَّه سيأتي من نسل حوَّاء مَن يسحق رأس الشيطان وأنَّ الحيَّة ستجرحه أي إنَّه سيُصلَب. (تكوين 3: 15).
آه لو أدرك أنَّه يقول لداود النبيِّ إنَّ مزمورك يتحقَّق، المزمور الَّذي لفظ يسوع عن الصليب ما جاء في بدايته، محاولًا إفهام اليهود أنَّ النبوءات تتحقَّق: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني... أمَّا أنا فدُودَةٌ لا إنسانٌ. عار عند البشر ومحتقَرُ الشعب» (مزمور 22).
آه لو فقه أنَّه يحادث إشعياء النبيَّ بأنَّ نبوءته أصبحت حقيقة: «رجُل أوجاع ومختَبِرُ الحَزَن... وهو مجروح لأجل معاصينا... جعل نفسه ذبيحة» (إشعياء 53).
في نبوءة إشعياء نقرأ: «وبحُبُرِهِ شُفينا» (إشعياء 53: 5)، أي «وبعلامة آلامه شُفينا» بمعنى آثار الجروح الَّتي نتجت عن ضربات السوط والشوك وجروح المسامير واللكم واللطم.
كيف يكون هذا؟ هل الجروح تشفي؟ نعم وهنا السرُّ العظيم، سرُّ المحبَّة الإلهيَّة اللامتناهية. فالعلامة الكبرى والجرح الأعظم هو الصليب، الَّذي عليه غلب الربُّ الموت، وهنا كانت الولادة الجديدة للإنسان. فبموت يسوع بطبيعته البشريَّة وقيامته بسلطان طبيعته الإلهيَّة، أصبح الإنسان إنسانًا قياميًّا. لهذا اتَّحد يسوع بنا، وهذا هو الميلاد المجيد الأبديُّ للبشريَّة جمعاء. وهذه هي سنتنا الجديدة. فالطفل الإلهيُّ المولود هو الحمل المذبوح والغالب، لهذا تأخذنا الأقمطة في الميلاد إلى الأقمطة الفارغة في القيامة المجيدة لنقوم معه إلى الحياة الأبديّة.
إلى الرب نطلب.