الأحد 31 أيّار 2026
27 أيار 2026
الأحد 31 أيّار 2026
العدد 22
أحد العنصرة المقدّس
أعياد الأسبوع:
31: الشَّهيد هرميوس، صلاة السّجدة، 1: اثنين الرُّوح القُدُس، الشَّهيد يوستينوس الفيلسوف، 2: نيكيفورس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، 3: الشَّهيد لوكليانوس، الشَّهيدة بافلا، 4: مطروفانس رئيس أساقفة القسطنطينيَّة، مريم ومرتا أختا لعازر، 5: الشَّهيد دوروثاوس أسقُف صور، 6: وداع العنصرة، إيلاريون الجديد رئيس دير الدلماتن، الشَّهيد غلاسيوس.
عيد العنصرة: "الحقول ابيضّت للحصاد"
شكران على حصاد الأرض:
يُعتبر "يوم الخمسين" ثاني أهمّ الأعياد في العهد القديم، وكان الشعب يحتفل به بعد انقضاء سبعة أسابيع من عيد الفصح (لاويين ٢٣: ١٥، ١٦)، ولذلك أُطلق عليه أيضًا اسم "عيد الأسابيع".
وخلال هذا العيد، توجّب على كلّ فردٍ المثول أمام الربّ في هيكله لتقديم الشكر على غلال الحصاد.
وقد حفظ العبرانيّون هذا اليوم بوقارٍ يضاهي حفظهم ليوم السبت؛ فامتنعوا عن أيّ عملٍ دنيويّ، مكرّسين وقتهم لبيت الربّ.
وبحسب التقليد اليهوديّ المتأخّر، اكتسب هذا العيد بُعدًا أعظم، إذ بات يُذكر فيه استلام النبيّ موسى الناموسَ على جبل سيناء في اليوم الخمسين بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر.
ثقافة "الاجتماع":
لغويًّا، تنحدر كلمة "عنصرة" من اللفظة العبريّة "عصريت"، المشتقّة بدورها من الفعل "عصار" الذي يعني "اجتمع" أو "جمع". وعليه، تفيد الكلمة معنى "الاجتماع"، وهو مصطلح يشير في سياق العهد القديم إلى "العيد"، حيث يجتمع الشعب في احتفالٍ بهيجٍ لرفع الشكران للربّ. ولكنّ هذا "الاجتماع" كان رمزًا لاجتماعٍ كونيّ أشمل سيتحقّق لاحقًا.
من تشتّت بابل إلى وحدة الأمم كافّة: مع إشراقة العهد الجديد، ارتدى يوم الخمسين حُلّةً روحيّةً جديدةً وأبعادًا أعمق بحلول الروح القدس الموعود به.
فبينما كان الرسل مجتمعين معًا بنفسٍ واحدة في صلاةٍ وصبرٍ، حلّ الروح عليهم كألسنةٍ من نار. وهنا تتجلّى مفارقة روحيّة كبرى: فإذا كانت خطيئة الكبرياء والتعالي في "برج بابل" قد أدّت إلى تبلبل الألسن وتشتّت البشريّة، فإنّ حلول الروح القدس في العنصرة على متواضعي القلوب والأنقياء قد وحّد الألسن والقلوب، جاعلًا من لغة المحبّة ومخافة الله القدّوس لغةً عالميّةً يفهمها الجميع.
في ذلك اليوم، استعلن الروح القدس أقنوميًّا؛ وبقوّة هذا الروح، تحوّلوا من صيادين بسطاء خائفين، إلى شهودٍ أحياء لله الكلمة المتجسّد، يبشّرون بالإنجيل في كلّ العالم، وكحصّادين عاملين مع الله جمعوا ثمار الحياة الأبديّة مع الله زارع الخيرات، "لِكَيْ يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا" (يوحنّا ٤: ٣٦). فاتّسعت خيام الكنيسة لتشمل أقطار الأرض كافّة.
ذروة الفرح الفصحيّ:
مع اكتمال أيّام التعييد للفصح المجيد، تبلغ البهجة الروحيّة ذروتها القصوى في يوم العنصرة. وقد أولى آباء الكنيسة هذا العيد أهمّيّة كبرى، فغاصوا في أعماق قداسته. وعلى غرار الأعياد السيّديّة الكبرى، أفردت الكنيسة أسبوعًا كاملًا للاحتفال به، تتردّد فيه أصداء الترانيم التي تمجّد الثالوث القدّوس.
ناموس الروح عنصرةٌ مستمرّة:
العنصرةُ واقعٌ مستمرٌّ في حياة الكنيسة. فبحلول الروح القدس على كلّ معمَّدٍ باسم يسوع المسيح (وبخاصّة عبر سرّ الميرون المقدّس)، تتجلّى قوّة الله في أبهى صورها. صار المسيح ساكنًا في أعماقنا بروحه؛ يُشرق في عقولنا كنورٍ هادٍ، يمُدّنا بالقوّة، يهمس في وجداننا، ويبكّت ضمائرنا برفقٍ عند الخطأ، دافعًا إيّانا كأبناءٍ لله نحو دروب القداسة: "إِنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ" (رومية ٨: ١٤).
هكذا، منحنا الروح القدس ناموسًا روحيًّا جديدًا يُحقّق التبرير من الخطايا والتقديس المستمرّ، ويُتحِدنا بالمسيح يسوع (أنظر رومية ٨: ١-٤).
يُحدثُ هذا السرّ تحوّلًا جذريًّا في كيان الإنسان. فبدلًا من التقوقع حول الذات واللهاث وراء الضمانات البشريّة الهشّة، يتسامى قلب المؤمن ليعيش حياةً روحيّةً خالصة.
ومتى سار الإنسان في هدى هذا الروح، مطيعًا المسيح الساكن فيه، وحاملًا مشعل الشهادة له بالقول والفعل، اختبر طمأنينةً، وقوّةً، وسلامًا يعجز العالم بأسره عن منحه، إنّه سلام الطمانينة في رعيّة المسيح.
الأرشمندريت يعقوب خليل
عميد معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ- البلمند
طروباريّة العنصرة باللحن الثامن
مباركٌ أنتَ أيّها المسيحُ إلهنا، يا من أظهرتَ الصيّادينَ غزيري الحكمة إذ سكبتَ عليهم الروحَ القدس، وبهم اصطدتَ المسكونة، يا محبَّ البشرِ، المجدُ لك.
قنداق العنصرة باللحن الثامن
عندما نزل العليُّ مبلبِلاً الألسنَةَ كان للأُمم مقسِّمًا. ولمّا وزَّع الألسنةَ الناريّة دعا الكُلَّ إلى اتِّحادٍ واحد. لذلك، باتّفاقِ الأصوات، نمجِّدُ الروحَ الكليَّ قدسُه.
الرسالة: أع 2: 1-11
إلى كلِّ الأرضِ خرجَ صوتُهم
السمواتُ تُذيعُ مَجْدَ الله
لمَّا حلَّ يوم الخمسين، كانَ الرسلُ كُلُّهم معًا في مكان واحد. فحدثَ بغتةً صوتٌ من السماءِ كصوتِ ريحٍ شديدةٍ تَعصِفُ، ومَلأَ كلَّ البيتِ الذي كانوا جالسين فيهِ، وظهرت لهم ألسنةٌ منقسِمةٌ كأنَّها من نار، فاستقرَّتْ على كلِّ واحدٍ منهم، فامتلأوا كلُّهم من الروح القدس، وطفِقوا يتكلَّمون بلغاتٍ أخرى، كما أعطاهُمُ الروحُ أن ينطِقوا. وكانَ في أورشليمَ رجالٌ يهودٌ أتقياءُ من كلّ أمَّةٍ تحتَ السماءِ. فلمّا صار هذا الصوتُ اجتمعَ الجُمهْورُ فتحيَّروا لأنَّ كلَّ واحدٍ كان يَسمعُهم ينطِقون بلغتِه. فدُهِشوا جميعُهُم وتعجَّبوا قائلين بعضُهم لبعضٍ: أليس هؤلاء المتكلّمونَ كلُّهُم جليليّين؟ فكيفَ نسمَعُ كلٌّ منّا لغتَه التي وُلد فيها، نحن الفرتيّينَ والماديّينَ والعيلاميّينَ، وسكّانَ ما بين النهرين واليهوديّة وكبادوكيّةَ وبنطسَ وآسيةَ وفريجيّةَ وبمفيليّة ومصرَ ونواحي ليبيةَ عند القيروان، والرومانيّين المستوطنين، واليهودَ والدخلاءَ والكريتيّين والعرب، نسمعهم ينطقون بألسنتِنا بعظائمِ الله!
الإنجيل: يو 7: 37-52
في اليوم الأخير العظيم من العيد، كان يسوعُ واقفًا فصاح قائلًا: إن عطِش أحد فليأتِ إليّ ويشرب. من آمن بي، فكما قال الكتاب ستجري من بطنه أنهارُ ماء حيّ. (إنّما قال هذا عن الروحِ الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه إذ لم يكن الروح القدس قد أعطيَ بعدُ، لأنّ يسوع لم يكن بعدُ قد مُجِّد). فكثيرون من الجمع لما سمعوا كلامه قالوا: هذا بالحقيقة هو النبيّ. وقال آخرون: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعلَّ المسيحَ من الجليل يأتي! ألم يَقُلِ الكتابُ إنَّه، من نسلِ داودَ، من بيتَ لحمَ القريةِ حيثُ كانَ داودُ، يأتي المسيح؟ فحَدَثَ شِقاقٌ بينَ الجمع من أجلِهِ. وكانَ قومٌ منهم يُريدونَ أن يُمسكوهُ، ولكِن لم يُلقِ أحدٌ عليه يدًا. فجاءَ الخُدَّامُ إلى رؤساء الكهنَةِ والفَرِّيسيّينَ، فقالَ لهُم: لِمَ لم تأتوا بهِ؟ فأجابَ الخُدَّامُ: لم يتكلَّمْ قطُّ إنسانٌ هكذا مثلَ هذا الإنسان. فأجابَهُمُ الفَرِّيسيّون: ألعلَّكم أنتم أيضًا قد ضلَلتُم! هل أحدٌ مِنَ الرؤساءِ أو مِنَ الفرِّيسيينَ آمَنَ بِهِ؟ أمَّا هؤلاء الجمعُ الذينَ لا يعرِفونَ الناموسَ فَهُم ملعونون. فقالَ لهم نِيقودِيموس الذي كانَ قد جاءَ إليه ليلًا وهُوَ واحدٌ منهم: ألعلَّ ناموسَنا يَدينُ إنسانًا إن لم يسمَعْ مِنهُ أوّلًا ويَعلَمْ ما فَعَلَ! أجابوا وقالوا لهُ: ألعلَّكَ أنتَ أيضًا من الجليل! ابحثْ وانظرْ، إنَّهُ لم يَقُم نبيٌّ منَ الجليل. ثُمَّ كَلَّمهم أيضاً يسوعُ قائلًا: أنا هوَ نورُ العالَم، من يتبَعْني لا يمشِ في الظلامِ، بل يَكُنْ لهُ نورُ الحياة.
في الإنجيل
تقول قراءة اليوم، إنّ يسوع المسيح الجالس عن يمين أبيه في المجد، سكب على رسله ومن معهم وعن طريق رسله وتلاميذه سكب علينا جميعًا، روح أبيه القدّوس. ماذا يعني هذا؟
قد يعتقد الكثير منّا، أنّ موهبة الروح القدس قد أُعطيت لنا لنستلِذَّ ونتمتّعَ بها، كما أنّ البعض يعتقد أنّنا في سكرات الفرح لأنّ الروح القدس فينا ونحن اليوم في ملكوت الله.
إذا كان هذا صحيحًا فنحن أفضل حال ممّا كان الرسل، لأنّ الرسل لم يُدعَوا في يوم العنصرة إلى ملكوت الله مباشرة، ولكنّهم أُرسلوا ليبشّروا بملكوت الله. يبشّروا بإنجيل المسيح، ليبشّروا بالمسيح المصلوب القائم من بين الأموات والساكب عليهم وعن طريقهم على كلّ البشر روح أبيه.
العنصرة هبة، نعم ولكنّها أيضًا دعوة. فبقدر ما فيّ وما عندي من موهبة تكون دعوتي في الروح القدوس الذي هو روح الآب وروح ابنه. نحن نُجعل في المعموديّة- كما يعلّمنا الكتاب- أبناء الله كما يسوع هو ابن الله وفي إنجيل اليوم الذي نسمع فيه أنّ يسوع المسيح هو إلهٌ، هو إلهٌ كأبيه، هو ابن الله منذ الأزل في هذا الإنجيل نفسه نسمع أنّ يسوع هو مُرسَل من الله هو رسول الله.
كلٌّ منّا ابتداءً من الربّ يسوع ومن الرسل ومنّا نحن المعتمدين مُرسلون لنبشّر بملكوت الله وبشارة الملكوت هي بكلّ بساطة أن الله هو أبٌ للكلّ من دون استثناء وهذه هي البشارة وكلّ من يقبلها ويعتمد يصبح ابنًا لله.
فبالنسبة إلى المعتمد فإنّ الله هو أبٌ للجميع. وكلّ الناس هم أولاد الله، هكذا يعيش المعتمد، ليس متلذّذًا بهبة الروح ولكنّه يعيش شاهدًا وشهيدًا ومستشهدًا في سبيل هذه الحقيقة.
إنّ الله ليس أباه فقط ولكنّ أباه أبو كلّ البشر. حتّى الأعداء هم أولاد الله. هذا لا يبشّر به المعتمد فحسب إنّما يعيشه.
المعتمد له فرحة واحدة، فرحة الآب، التي سيفرح بها الكلّ ليس فقط آباؤنا وليس فقط نحن وليس فقط أبناؤنا، ولكنّ الأجيال التي لا نعرفها اليوم ستفرح معًا، وبذلك تتمّ الحقيقة بكلّيّتها أنّ الله وأبناءه وبناته جميعًا سيفرحون معًا في فرحة واحدة، والابن الوحيد سيقول لنا جميعًا: أنشأتكم واهتممتُ بكم وربّيتكم وهأنذا أفرح معكم.
الذكاء الاصطناعيّ
يحتلّ الذكاء الاصطناعيّ (AI) اليوم مكانةً متقدّمة في عالم التكنولوجيّا، وقد أصبح حاضرًا في مختلف مجالات الحياة، سواء على مستوى الأفراد أم الدول. وقد تبدو المقاربة الكنسيّة لهذا الموضوع غير مهمّة للبعض، إلّا أنّ تجاهل هذه المقاربة قد يؤدّي إلى ضياع البعد الوجوديّ للإنسان، وبالتالي فقدان الهدف الحقيقيّ من حياته.
سنحاول في هذا النصّ أن نعرّف بالذكاء الاصطناعيّ، ثمّ نعرض مقاربة كنسيّة له انطلاقًا من رؤية الكنيسة لهويّة الإنسان وغاية وجوده.
يُعرَّف الذكاء الاصطناعيّ، خطأً، بأنّه قدرة الآلة على "التصرّف بذكاء" بطريقة تشبه الإنسان. غير أنّ هذا التعريف، كما يُقدَّم في الإعلام، هو غير صحيح.
في الواقع، الذكاء الاصطناعيّ هو نظام يعتمد على تحليل البيانات والتوقّع بناءً على نماذج رياضيّة وخوارزميّات.
فهو لا "يفكّر" ولا "يفهم" بالمعنى البشريّ، بل يقوم بعمليّة "توقّع" مبنيّة على بيانات (Data) سابقة وحساب الاحتمالات (Probability Calculation).
مثال بسيط:
لنفترض أنّ لدينا بيانات عن 10 رواتب موظّفين بحسب سنوات خبرتهم.
عند إدخال هذه المعطيات إلى الكمبيوتر (Machine Learning)، يستطيع النظام أن ينشئ من هذه البيانات نموذجًا رياضيًّا (Mathematical Model) ثمّ عبره يتوقّع راتب شخص جديد، لديه عدد معيّن من سنوات الخبرة مختلفة عنهم.
هذا يُسمّى في الحقيقة استعمال نموذج رياضيّات، وليس ذكاءً بالمعنى الحقيقيّ.
لا يمكن إنكار أنّ الذكاء الاصطناعيّ يقدّم فوائد كبيرة إذا أُحسن استخدامه، في مجالات مثل الطبّ والتعليم وتحليل البيانات. لكنّ الخطر لا يكمن في التكنولوجيّا بحدّ ذاتها، بل في طريقة استخدامها وتأثيرها على الإنسان.
سنذكر بعضًا من المخاطر من منظور كنسيّ:
تعزيز الفردانيّة:
يُعدّ هذا الأمر من أبرز مسبّبات الأزمات الروحيّة والنفسيّة، من اكتئاب ويأس، ولا سيّما أنّه قد يُقصي حضور "الآخر" من حياة الإنسان. فالإنسان، بحسب تعليم الكنيسة، كائنٌ شركويّ، لا تتحقّق شخصيّته إلّا في علاقته بالله، وفي ترجمة هذه العلاقة حياةً مع الآخر. أمّا العزلة التي قد يساهم فيها الاستخدام الخاطئ للذكاء الاصطناعيّ، فإنّها تُضعف هذا البعد العلائقيّ، وتشوّه مفهوم الشخص، الذي هو انفتاح وخروج نحو الآخر، لتحلّ محلّه فردانيّة منغلقة تقوم على الاستهلاك.
وهذا المسار قد يقود إلى اليأس وتفكّك الحياة الداخليّة للإنسان، خصوصًا أنّه يشكّل بيئةً خصبة للإدمان.
تعطيل القدرة على التفكير:
الاعتماد الكلّيّ على الذكاء الاصطناعيّ في التحليل واتّخاذ القرار قد يؤدّي إلى إضعاف مَلَكَة التفكير النقديّ لدى الإنسان، فيتحوّل من باحث ومحلّل إلى مجرّد متلقٍّ.
وهذا الأمر بدأ يظهر بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعيّ وفي بعض المنصّات الإخباريّة، حيث تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعيّ في إنتاج محتوى سريع وكثيف لكنّه غير واقعيّ. غير أنّ الاعتماد المفرط عليها قد يدفع إلى التراخي في التحقّق من دقّة المعلومات، فتُقدَّم الأخبار أحيانًا بشكلٍ جاهز، ويتلقّاها الناس ويقبلونها من دون تدقيق كافٍ.
تشويه الحقيقة والإيمان: لديه أنظمة أيضًا تعطي أجوبة إيمانيّة وتُسمّى باسم الربّ يسوع (Ask Jesus)، هذا الروبوت يردّ على من لديه أسئلة إيمانيّة بناء على توقّعاته، فيشوّه العقيدة والتقليد ويضرب الإيمان.
السيطرة على الإنسان: بعض التطبيقات، خصوصًا في المجال النفسيّ، قد تتحوّل إلى بديل عن العلاقات الحقيقيّة، حيث يبوح الإنسان بأسراره لنظام آليّ. فتصبح في قبضة القيّمين عليه. وتصبح أسراره ممتلكَة من آخرين ومعدّة لتحسين نماذج هذه التطبيقات. وقد تتوقّع له هذه التطبيقات أمورًا تضرب إيمانه بالعمق وتؤذي حياته.
تحويل الإنسان إلى مستهلك:
تشهد الساحة العالميّة اليوم منافسةً متسارعة بين الدول في تطوير الشرائح الإلكترونيّة الفائقة السرعة، بوصفها ركيزةً أساسيّة للتقدّم التكنولوجيّ. وتُستثمر في هذا المجال أموال هائلة بهدف تعزيز القدرات الرقميّة والاقتصاديّة.
غير أنّ هذا التسارع قد ينعكس على حياة الأفراد، إذ يساهم في تكريس أنماط استهلاكيّة متزايدة. ويظهر هذا التأثير بشكلٍ خاصّ لدى فئة المراهقين، الذين قد يصبحون أكثر عرضةً للتأثّر بهذه المنظومات الرقميّة.
قد يرى البعض أنّ إنسان العصر لم يعد يُعير اهتمامًا لتعليم الكنيسة ولا لنصائحها، وأنّ العلوم الحديثة كفيلة بتأمين حياة مريحة له. غير أنّ هذا الطرح يخفي خطرًا كبيرًا، لا سيّما على فئة الشباب والمراهقين، الذين قد يقعون بسهولة تحت تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ المتسارعة، في ظلّ نقصٍ في القدرة على التمييز وحسن استخدامها.
من هنا، تؤكّد الكنيسة أنّ الحفاظ على الصحّة النفسيّة والروحيّة لا يتحقّق بالوسائل التقنيّة، بل يتطلّب قبل كلّ شيء انخراط الإنسان في حياةٍ حيّة مع الله ضمن الكنيسة. فهي تدعو الإنسان إلى الاتّحاد بالخالق، الربّ يسوع المسيح، وإلى عيش شركة حقيقيّة تُعيد إليه توازنه الداخليّ ومعنى وجوده.
أمّا حين يُختزل الإنسان في إطار الاستهلاك والتلقّي، وتُعطَّل ملكاته الداخليّة، فإنّه يفقد تدريجيًّا معنى وجوده، وينحرف عن الحياة التي أرادها الله له، حياةً مملوءةً من ثماره: فرحًا وسلامًا ومحبّة (غل 5: 22).
الكنيسة
لا تنحصر «الكنيسة» في المبنى الذي تُقام فيه الصلوات والقدّاس الإلهيّ والخِدَم، ولا في الجسم الإكليريكيّ، من أعلى الهرم إلى أسفله، ولا في الأديار والقلالي والرهبان والراهبات، ولا في المسيحيّين بشكل عامّ، مع أنّ كلّ ما ذُكر وُجد منذ القرون الأولى للمسيحيّة، بدءًا بالرسل. فالمقصود بكلمة «كنيسة» أعمق من ذلك بكثير.
«الكنيسة» هي، في المقام الأوّل، الربّ يسوع المسيح نفسه، الإله المتجسّد، الواحد في الجوهر مع الآب والروح القدس.
عيش المسيح هو مقصد وجودنا، ألا وهو القداسة. وكلمة «القداسة» تعني التخصيص والفرز، أي أن نكون مخصّصين للربّ ومفروزين له بالكلّيّة قولًا وفعلًا، تائبين وصادقين وحقيقيّين وأصيلين في إيماننا وتطبيقه authentiques، أيًّا كان موقعنا أو نوع خدمتنا أو رتبتنا، إكليريكيّين كنّا أم لا.
كلّنا أمام الربّ مسؤولون، ومن كانت مسؤوليّته أكبر، كان حسابه أمام الله أعظم.
يعطينا القدّيس يوحنّا المعمدان مثالًا حيًّا في عيش صدق الإيمان، فالناس أتوا إليه لأنّهم وجدوه صادقًا؛ فما كان يبشّر به كان يعيشه، من دون ازدواجيّة أو تضارب أو محاباة. هو تخلّى عن كلّ شيء ليربح المسيح، ولم يسعَ إلى تبوّؤ المراكز والمناصب، بل قال: "يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ." (يوحنّا 3: 30).
لقد فهم المعمدان عمق العلاقة مع المسيح، وأيقن أنّ أعظم ربح له هو أن يكون رسولًا للمسيح. لذلك لم يحزن عندما لحق تلاميذه بالمسيح وتبعوه، بل فرح وابتهج لأنّ الأب في الكنيسة، والمسؤول فيها، إنّما يلد أبناءً للمسيح لا لنفسه، وذلك إن اعتبر نفسه هو أيضًا ابنًا للمسيح، وسعى إلى مجد المسيح لا إلى مجده الشخصيّ.
يكلّمنا بولس الرسول على الركض في الميدان للفوز بالجائزة، معتبرًا أنّ الجائزة الوحيدة التي لا تفنى هي إكليل المسيح.
ويدعو كلَّ من يريد أن يركض في ميدان المسيح إلى أن يجاهد الجهاد الحسن، ضابطًا نفسه في كلّ شيء، بعيدًا عن الأنانيّة والكبرياء والتسلّط وما يتبعها من أهواء معيبة ومَرَضيّة دفينة، لئلّا يقع المرء في فخ تمجيد الذات، والتسابق الدهريّ.
إلى الرب نطلب.