الأحد 24 أيّار 2026 

الأحد 24 أيّار 2026 

20 أيار 2026

الأحد 24 أيّار 2026 
العدد 21

أحد آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل
اللحن السادس، الإيوثينا العاشرة


أعياد الأسبوع:

24: البارّ سمعان الَّذي في الجبل العجيب، 25: وجود هامة السَّابق ثالثًا، 26: الرَّسول كَرْبُس أحد السَّبعين، يعقوب بن حلفى، 27: الشَّهيد في الكهنة ألَّاذيوس، يوحنَّا الروسيّ، 28: افتيشيوس أسقُف مالطية، أندراوس المتباله، 29: وداع الصعود، الشَّهيدة ثاودوسيَّا، ألكسندروس رئيس أساقفة الإسكندريَّة، 30: سبت الأموات، البارّ إسحاقيوس رئيس دير الدلماتن، البارّة إيبوموني.
 
المجامع المسكونيّة

المجمع المسكونيّ الأوّل، مجمع نيقية سنة 325 يرتكز على ألوهة المسيح: المسيح هو ابن الله مات وقام من أجل خلاصنا.
انعقد المجمعان المسكونيّان الأوّلان في القرن الرابع: مجمع نيقية سنة 325 ومجمع القسطنطينيّة 381 نعرف من خلالهما أنّ الله واحدٌ في ثلاثة أقانيم. بعدها يأتي مجمعُ أفسس سنة 431 وبعدها مجمع خلقدون سنة 451 Chalcédoine، اللّذان علّما أنّ المسيح شخصٌ واحدٌ في طبيعتين: هو في الوقت نفسه إنسانٌ وإلهٌ، هذا لأنّه اتّخذ طبيعتنا البشريّة: Il a assumé notre nature

 ثمّ يأتي المجمعان المسكونيّان الخامس والسادس اللّذان أكّدا مبدأ خلقدونيّة أعني وحدة الطبيعتين الإلهّية والإنسانيّة.
أمّا المجمع السابع فقد شدّد على ضرورة تكريم الأيقونات. إيماننا كلّه مركّز على هذه الحقائق الأساسيّة: نعم الله واحدٌ في ثلاثة أقانيم. تجسّد لكي نصبح بدورنا أبناء الله: صار اللهُ إنسانًا لكي يصيرَ الإنسانُ إلهًا، أن نتألّه بالنعمة التي تجعلنا نشترك في الحياة الإلهيّة.
كُشف لنا مصيرُ الإنسان عن طريق الله لا عن طريق الحكمة البشريّة. هذا يدعونا إلى أن نثقَ بكلمة الله، أن نقتني الاستنارة الإلهيّة الآتية عن طريق الروح القدس ما يجعلنا نثق بكلمة الإنجيل وبتعليم الكنيسة. لا يمكن لنا أن نستقبل إنارةَ الروح القدس إن لم يتواضع قلبنا ونقتني بساطةَ الأطفال.
كان القدّيس سلوان يقول: التواضع Humilité هو النور الذي من خلاله نرى النور.

هذا يعني أنّه بقدر تواضع قلبنا وعدم التمسّك بحكمتنا الخاصّة وبأفكارنا، نستطيع أن نستقبلَ كلمةَ الله ونقبلَها. هذا هو الشرط الذي من خلاله يستضيء إيماننا في قلبنا. بقدر ما يكون قلبنا وديعًا، بقدر ما نستطيع عندئذ أن ندخلَ في سرّ كلمة الله وإلّا نبقى نتّكل على أفكارنا لا على كلام الله.
كلمة الحقّ يقتنيها كلُّ معمَّد باسمه تعالى. الحقيقة لا تتوفّر فقط عند البطاركة ورؤساء الكهنة. إنّها محمولة عند كلّ إنسان مسيحيّ دافَعَ عنها، شرط أن يقتني قلبًا متواضعًا مدفوعًا بمحبّة ودفءٍ إلهيّين، ممّا يجعلنا نرفض كلَّ أنانيّة égo عقلانيّة. عندئذ نكون ركنًا آخر للكنيسة نقتني الروح الكنسيّة، روحَ المسيح، روحَ الله نفسه.

مجمع نيقية: Concile de Nicée في آسية الصغرى سنة 325، هو المجمع الذي أرسى دستور الإيمان مع المجمع القسطنطينيّ سنة 381 وأكّد على ألوهيّة المسيح ضدّ آريوس Arius. الكنيسة الأرثوذكسيّة تعتبر المجامع المسكونيّة بمثابة السلطة العليا، قرارتها مُعتبرة معصومة عن الخطأ Infaillibles بينما القوانين النظاميّة disciplinaires تخضع لرؤية الكنيسة المحلّيّة.

*أهميّة الرسالة: (أعمال 20: 16-18 و28-36).
تؤكّد على أهمّيّة محاربة الانحرافات العقائديّة déviations doctrinales كانحراف شهود يهوه الذين ينكرون ألوهيّةَ المسيح، وهي عودة إلى هرطقة بدعة hérésie آريوس Arius. أعمال الرسل يتكلّم على "الذئاب الخاطفة التي لا تشفق على الرعيّة" (أعمال 20: 29).

*أهمّيّة الإنجيل: (يوحنّا 17: 1-)13، قمّة الإنجيل "هذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (17: 3).
هذا الأحد يستبق العنصرة Pentecôte هذا لأنّ الكنيسة تؤمن أنّ مجمع نيقية قد أصدر قوانينه بإلهام من الروح القدس: يقول المرسلون "قد رأى الروح القدس ونحن" (أعمال 15: 28).

+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

 
طروباريَّة القيامة باللَّحن السَّادِس

إنَّ القوَّاتِ الملائكيَّةَ ظَهَرُوا على قبرِكَ الـمُوَقَّر، والحرَّاسَ صاروا كالأموات، ومريمَ وَقَفَتْ عندَ القبر طالِبَةً جسدَكَ الطَّاهِر، فَسَبَيْتَ الجحيمَ ولم تُجرَّبْ منها، وصادَفْتَ البتولَ مانِحًا الحياة، فيا مَنْ قامَ من بين الأمواتِ، يا ربُّ المجدُ لك.

طروباريَّة الآباء باللَّحن الثَّامِن

أنتَ أيُّها المسيحُ إلهُنا الفائِقُ التَّسبيح، يا مَنْ أَسَّسْتَ آباءَنا القدِّيسينَ على الأرضِ كواكِبَ لامِعَة، وبهم هَدَيْتَنَا جميعًا إلى الإيمانِ الحقيقيّ، يا جزيلَ الرَّحمةِ المجدُ لك.

طروباريَّة الصُّعود باللَّحن الرَّابِع

صَعِدْتَ بمَجْدٍ أيُّها المسيحُ إلهُنا، وفرَّحْتَ تلاميذَك بموعِدِ الرُّوح القُدُس، إذ أيقَنوا بالبَرَكَة أنَّكَ أَنْتَ ابنُ اللهِ المنْقِذُ العالَم.

القنداق باللَّحن السَّادِس

لـمَّا أَتْمَمْتَ التَّدبيرَ الَّذي من أجلِنا، وجعلتَ الَّذين على الأرض مُتَّحِدينَ بالسَّمَاوِيّين، صَعِدْتَ بمجدٍ أَيُّهَا المسيحُ إلهُنا غيرَ مُنْفَصِلٍ من مكانٍ بل ثابتًا بغيرِ افتِرَاق وهاتِفًا: أنا معكم وليسَ أحدٌ عليكم.

الرِّسَالَة: أع 20: 16-18، 28-36
مُبَارَكٌ أَنْتَ يا رَبُّ إلهُ آبائِنَا    
فإنَّكَ عَدْلٌ في كلِّ ما صَنَعْتَ بِنَا


في تلكَ الأيَّامِ ارتأَى بولسُ أنْ يتجاوَزَ أَفَسُسَ في البحرِ لِئَلَّا يعرِضَ له أن يُبْطِئَ في آسِيَةَ. لأنَّه كان يَعْجِلُ حتَّى يكونَ في أورشليم يومَ العنصرةِ إِنْ أَمْكَنَهُ. فَمِنْ مِيلِيتُسَ بَعَثَ إلى أَفَسُسَ فاسْتَدْعَى قُسوسَ الكنيسة. فلمَّا وصَلوا إليه قال لهم: احْذَرُوا لأنفُسِكُم ولجميعِ الرَّعِيَّةِ الَّتي أقامَكُمُ الرُّوحُ القُدُسُ فيها أساقِفَةً لِتَرْعَوا كنيسةَ اللهِ الَّتي اقْتَناهَا بدمِهِ. فإنّي أَعْلَمُ هذا، أَنَّهُ سيدخُلُ بينَكم بعد ذهابي ذئابٌ خاطِفَةٌ لا تُشْفِقُ على الرَّعِيَّة، ومنكم أنفُسِكُم سيقومُ رجالٌ يتكلَّمون بأمورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلامِيذَ وراءَهُم. لذلكَ، اسْهَروا مُتَذَكِّرينَ أَنّي مُدَّةَ ثَلاثِ سنينَ لم أَكْفُفْ ليلًا ونهارًا أنْ أَنْصَحَ كلَّ واحِدٍ بدموع. والآنَ أسْتَوْدِعُكُم يا إخوتي اللهَ وكلمةَ نعمَتِه القادِرَةَ أَنْ تبنيَكُم وتَمْنَحَكُم ميراثًا مَعَ جميعِ القدِّيسين. إنِّي لم أَشْتَهِ فِضَّةَ أَحَدٍ أو ذَهَبَ أو لِبَاسَ أَحَدٍ، وأنتم تعلَمونَ أنَّ حاجاتي وحاجاتِ الَّذين معي خَدَمَتْها هاتان اليَدان. في كلِّ شيءٍ بَيَّنْتُ لكم أنَّه هكذا ينبغي أن نتعبَ لنساعِدَ الضُّعَفاء، وأن نتذكَّرَ كلامَ الرَّبِّ يسوعَ. فإنَّه قال: إنَّ العطاءَ مغبوطٌ أكثرَ من الأَخْذِ. ولـمَّـا قال هذا جَثا على رُكْبَتَيْهِ مع جميعِهِم وصَلَّى.

الإنجيل: يو 17: 1-13

في ذلكَ الزَّمان رَفَعَ يسوعُ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: يا أَبَتِ قد أَتَتِ السّاعَة. مجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابنُكَ أيضًا، كما أَعْطَيْتَهُ سُلطانًا على كُلِّ بَشَرٍ ليُعْطِيَ كُلَّ مَن أعطيتَه لهُ حياةً أبديَّة. وهذه هي الحياة الأبديَّةُ أن يعرِفوكَ أنتَ الإلهَ الحقيقيَّ وحدَكَ، والَّذي أرسلتَهُ يسوعَ المسيح. أنا قد مجَّدْتُكَ على الأرض. قد أَتْمَمْتُ العملَ الَّذي أعطَيْتَني لأعمَلَهُ. والآنَ مَجِّدْني أنتَ يا أَبَتِ عندَكَ بالمجدِ الَّذي كانَ لي عندَك من قَبْلِ كَوْنِ العالَم. قد أَعْلَنْتُ اسْمَكَ للنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَهُمْ لي مِنَ العالم. هم كانوا لكَ وأنتَ أعطيتَهُم لي وقد حَفِظوا كلامَك. والآنَ قد عَلِموا أنَّ كُلَّ ما أعطَيْتَهُ لي هو منك، لأنَّ الكلامَ الَّذي أعطَيْتَهُ لي أَعْطَيْتُهُ لهم. وهُم قَبِلُوا وعَلِموا حَقًّا أَنّي مِنْكَ خَرَجْتُ وآمَنوا أنَّك أَرْسَلْتَني. أنا من أجلِهِم أسأَلُ. لا أسأَلُ من أجل العالم بل من أجل الَّذينَ أَعْطَيْتَهُم لي، لأنَّهم لك. كلُّ شيءٍ لي هو لكَ وكلُّ شيءٍ لكَ هوَ لي وأنا قد مُجِّدتُ فيهم. ولستُ أنا بعدُ في العالم وهؤلاء هم في العالم. وأنا آتي إليك. أيُّها الآبُ القدُّوسُ احْفَظْهُمْ باسمِكَ الَّذينَ أعطيتَهُمْ لي ليكونوا واحِدًا كما نحنُ. حينَ كُنْتُ معهم في العالم كُنْتُ أَحْفَظُهُم باسمِكَ. إِنَّ الَّذينَ أَعْطَيْتَهُم لي قد حَفِظْتُهُمْ ولم يَهْلِكْ منهم أَحَدٌ إلَّا ابْنُ الهَلاك لِيَتِمَّ الكِتَاب. أمَّا الآنَ فإنّي آتي إليك. وأنا أتكلَّمُ بهذا في العالَمِ لِيَكُونَ فَرَحي كامِلًا فيهم.

في الإنجيل

في الأحد الذي يفصل بين عيدي الصعود والعنصرة، ترتّب كنيستنا الأرثوذكسيّة تذكارًا للآباء القدّيسين الثلاثمائة والثمانية عشر الذين اجتمعوا في المجمع المسكونيّ الأوّل في نيقية (325 م). وتضع الكنيسة بحكمتها إنجيل "صلاة يسوع الكهنوتيّة" (يوحنّا 17: 1-13) ليُقرأ في هذا اليوم بالذّات، لأنَّ هذا النصّ يمثّل الأساس الكتابيّ الراسخ الذي استندَ إليه الآباء للدفاع عن أُلوهيّة السيّد المسيح ضدّ بدعة آريوس. ففي حين ادّعى آريوس أنّ الابن مخلوق وأنّ "هناك وقتًا لم يكن فيه الابن موجودًا"، يأتي هذا المقطع ليؤكّد بالكلمات الصريحة للسيّد المسيح طبيعتَه الإلهيّة وعلاقتَه الأزليّة مع الله الآب، ممّا يجعل هذا الإنجيل دستورًا حيًّا للإيمان المستقيم الذي صاغه الآباء القدّيسون لاحقًا في "دستور الإيمان".

من خلال هذه الصلاة العظيمة، يعلن المسيح بوضوح عن "الخريستولوجيا" (العقيدة المتعلّقة بشخصه القدّوس) الخاصّة به، ولا سيّما عندما يطلب من الآب قائلًا: "مَجِّدْني أَنْتَ أَيُّها الآبُ عِنْدَ ذاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذي كانَ لي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يوحنّا 17: 5). هذه الكلمات كانت السلاح الأمضى بيد آباء نيقية، فهي تثبت أنّ مجد الابن ليس مجدًا مكتسبًا أو مكافأة أُعطيت له لاحقًا، بل هو مجد أزليّ يشترك فيه مع الآب منذ ما قبل تأسيس العالم. هذا المجد المشترك يعني أنّ الابن واحِدٌ معَ الآب في الجوهر، وهو غير مخلوق، بل "مولود من الآب قبل كلّ الدهور"، وهو ما شكّل حجر الزاوية الذي حافظ عليه المجمع المسكونيّ الأوّل.

إلى جانب إعلان مجده الأزليّ، يوضح الربّ يسوع المسيح في صلاته المفهوم الحقيقيّ للخلاص وللحياة الأبديّة قائلًا: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يوحنّا 17: 3). لقد أدرك آباء نيقية أن المعرفة الحقيقيّة لله لا يمكن أن تتحقّق إلّا من خلال الإيمان الصحيح بالابن، لأنّ من لا يعرف الابن كما هو في حقيقته لا يمكنه أن يعرف الآب. لذلك، صاغوا عقيدتنا لكي تحفظ الكنيسة والمؤمنين من الضلال، وتضمن لهم تلك "المعرفة" الخلاصيّة. فما قام به الآباء لم يكن اختراعًا لفلسفة جديدة، بل كان حفظًا أمينًا للكلمة التي سلّمها المسيح لرسله.

أخيرًا، تتوَّج هذه الصلاة بطلب المسيح من أجل وحدة تلاميذه وكنيسته: "لِيَكونوا وَاحِدًا كَما نَحْنُ" (يوحنّا 17: 11). هنا يربط السيد المسيح بين الوحدة الجوهريّة الكاملة للثالوث القدّوس، وبين الوحدة المطلوبة من المؤمنين في الكنيسة. لقد فهم الآباء القدّيسون أنّ المساس بعقيدة الثالوث وفصل الابن عن الآب سيؤدّي حتمًا إلى تمزيق جسد الكنيسة وانقسامها. لذا، كان دفاعهم عن وحدة الجوهر الإلهيّ هو في الوقت نفسه دفاعًا عن وحدة الكنيسة وسلامها. واليوم، تُدعى كنيستُنا، وكلُّ مؤمنٍ، للتمسّك بهذا الإيمان الـمُسَلَّم لنا، لنبقى متّحدين بالمحبّة والحقّ، شركاء في مجد المسيح وفرحه الكامل.

عندما يتحوّل القلب إلى ساحة صراع

ليست كلّ المعارك التي يخوضها الإنسان تُرى بالعين. فهناك معارك صامتة تدور في القلوب، أخطر بكثير من أيّ صراع ظاهر. ومن بين هذه المعارك، تلك التي تنشأ عندما يتحوّل الإنسان، فبدل أن يكون أخًا لأخيه يصير خصمًا له.

ليس كلّ خصم أو عدوّ أو معاند في حياتنا يأتي من خارج الدائرة. أحيانًا يكون هو ذاك الذي يعمل معنا، يجلس إلى جانبنا، ويشاركنا المكان أو العمل أو الخدمة نفسها لكنّه يحمل في قلبه صراعًا خفيًّا ضدّنا.

كم هو مؤلم أن نجد في مكان العمل أو في المجتمع أشخاصًا لا يكتفون بالسير في طرق مطلوبة منهم أو رسموها لأنفسهم بما تقتضيه ضرورات العمل، بل يحاولون أن يعرقلوا طريق الآخرين. هناك زملاء لا يكتفون بأداء عملهم، بل ينشغلون بإيذاء زملائهم، ينقلون الكلام، يشوّهون السمعة، يضخّمون الأخطاء، ويحاولون إسقاط الآخرين أمام إدارة المؤسّسة التي ينتمون إليها. يظنّون أنّ تقدّمهم لا يتحقّق إلّا إذا سقط غيرهم.

لكنّ كلمة الله تكشف لنا حقيقة عميقة، القلب الذي يفرح بسقوط أخيه هو قلب لم يختبر بعد فرح المحبّة.
فالإنسان الذي يفرح بإيذاء غيره، أو يسعى لإضعافه، لا يعيش في سلام. لأن الحسد والغيرة لا يسكنان في القلب إلّا إذا كان ذلك القلب جريحًا من الداخل.
لكنّ السؤال الأهمّ والأعمق ليس لماذا يؤذوننا؟ بل، ماذا الذي يحدث في داخل الإنسان ويدفعه إلى أن يحارب زملاءه؟
في علم النفس، كثيرًا ما يكون الجواب مؤلمًا فالإنسان الذي يحارب الجميع غالبًا ما يكون في حرب مع نفسه.

فالذي يشعر في أعماقه بأنّه غير مكتفٍ، قد يخاف من نجاح الآخرين. والذي يعيش عقدة نقص، يرى في كلّ نجاح حوله تهديدًا لوجوده. لذلك يحاول أن يفعل شيئًا، أحيانا قد يكون بسيطًا لكنّه يحمل علامات الخطورة. فبدل أن يرتفع يحاول أن يُسقط الآخرين. المشكلة أنّ هذا الطريق لا يقود إلى السلام، بل إلى عزلة أعمق.

نعلم أيضا أنّ كثيرًا من الناس الذين يؤذون الآخرين يحملون في داخلهم خوفًا عميقًا، خوفًا من أن يتفوّق غيرهم، خوفًا من أن يُكشف ضعفهم، خوفًا من أن يخسروا مكانتهم.

ولهذا يحاولون أن يرفعوا أنفسهم بطريقة خاطئة، ليس بالارتفاع، بل بإسقاط الآخرين.
الإنسان الذي يبني تقدّمه على تحطيم الآخرين قد يكسب لحظة نفوذ، لكنّه يخسر شيئًا أثمن وهو ثقة الناس به واحترامهم إيّاه.

الحقيقة أنّ النجاح الحقيقيّ لا يقوم على إقصاء الآخرين. الإنسان الذي يسعى إلى سموّ نفسه لا يحتاج إلى تحطيم أحد ليظهر حجمه. الشجرة القويّة لا تقلق من الأشجار التي حولها، بل تسمح لباقي الأشجار أن تنمو تحت ظلّها. لهذا، عندما نواجه شخصًا يؤذينا في العمل، علينا أن نتذكّر حقيقة مهمّة، ليس كلّ هجوم علامة قوّة، فأحيانًا يكون الأذى مجرّد صرخة خوف مخفيّة داخل إنسان ضعيف.

الإنجيل يعلّمنا طريقًا مختلفًا تمامًا. فالمسيح لم يرفع نفسه بإذلال أحد، بل رفع الإنسان بمحبّة لا حدود لها.
الشخص العظيم لا يحتاج إلى أن يثبت عظمته بتحطيم الآخرين. والقلب الذي امتلأ بمحبّة الله لا يجد لذّة في أذيّة أحد.
أحيانًا نرى أشخاصًا يصنعون الفوضى بين الناس، ينقلون الكلام بين هذا وذاك، ويزرعون الشكوك. وربّما يظنّون أنّهم أذكياء لأنّهم يحرّكون الخيوط في الخفاء. لكنّ الحقيقة الروحيّة تقول، الإنسان الذي يزرع الانقسام يحصد في النهاية الوحدة المؤلمة.

أمام هذا كلّه، لا يمكن أن نقبل الظلم أو الصمت عن السلوك السامّ، فالسكوت عن الأذى لا يصنع سلامًا، بل يسمح للشرّ أن يتمدّد.
الحكمة إذًا ليست في الانتقام، بل في الثبات والوضوح. ففي النهاية، قد ينجح البعض في تحريك الخيوط خلف الكواليس.
لكنّ الزمن يكشف دائمًا الفرق بين من يبني الناس ومن يبني نفسه فوق أنقاض الناس.

أمّا التاريخ المهنيّ لأيّ إنسان فلا يكتبه دهاؤه بل أثره في قلوب الذين عملوا معه.
فالسمعة قد تُخدع لحظة، لكنّ القلوب لا تُخدع إلى الأبد.
لهذا، إن واجهتم إنسانًا يؤذيكم أو يسعى لإسقاطكم، لا تسمحوا للمرارة أن تدخل إلى قلوبكم. لأنّ أخطر ما يمكن أن يفعله الشرّ هو أن يحوّلنا نحن أيضًا إلى نسخة منه. لا تردّوا الأذى بالأذى، بل ردّوا عليه بالنزاهة والمحبّة والصدق والثبات.
لا تسمحوا للحسد أن يدخل إلى قلوبكم، بل افرحوا بخير الآخرين.

فالإنسان الذي يبني حياته على تحطيم الآخرين قد يربح لحظات من النفوذ، لكنّه يخسر شيئًا لا يُعوَّض: نقاء قلبه.
وفي النهاية، أحبّائي، تذكّروا هذه الحقيقة، ليس المهمّ كم ارتفع الإنسان في أعين الناس، بل كم بقي قلبه متواضعًا ونقيًا أمام الله.
لأنّ الإنسان قد ينجح في خداع البشر، لكن لا أحد يستطيع أن يخدع الله الذي يرى أعماق القلوب.
فليعطنا الربّ قلبًا يعرف أن يفرح بنجاح الآخرين، وقلبًا نقيًّا لا يبني مجده على سقوط أحد، وقلبًا يشبه قلب الربّ يسوع الذي جاء لا ليهدم الناس، بل ليرفعهم.
آمين.
 
أخبارنا

دير سيّدة الناطور- أنفه: رسامة الشمّاس أفرام فارس كاهناً للدير

نهار السبت الواقع فيه 2 أيّار 2026 ترأّس سيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس)، راعي الأبرشيّة صلاة السحر والقدّاس الإلهيّ في دير سيّدة الناطور- أنفه الكورة بمعاونة بعض الكهنة وبحضور حشد من المؤمنين. تمّت في القدّاس رسامة الشمّاس أفرام فارس كاهنًا للدير.
جاء في العظة التي ألقاها سيادته:

باسم الآب والابن والروح القدس آمين

نشكر الربّ إلهنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات على اشتراكنا في هذا القدّاس الإلهيّ المبارك في هذا اليوم المبارك، أوّلًا لا بدّ من أن نذكر أنّ اليوم هو أيضًا عيد القدّيس أثناسيوس الكبير الذي هو تلميذ القدّيس أنطونيوس. وفي الوقت نفسه كما رأيتم لكم الآن أبٌ جديدٌ يخدم في هذا الدير المقدّس هو الأب أفرام. في الإنجيل الذي تُلِيَ علينا يقول الربّ يسوع: ليس أنا فقط هو نور العالم بل أنتم أيضًا نور العالم. نتمنّى للأب الجديد أن يكون نورًا لهذا العالم، فهو يتمثّل بالقدّيس أفرام السريانيّ بتواضعه وبخدمته وبمحبّته. نتمنى له خدمة مباركة ولكم جميعًا أعيادًا مباركة، المسيح قام.
 
أمسية أناشيد من أعمال المرتّل ديمتري شحادة تقيمها جوقة الأبرشيّة في رعيّة كوسبا

ببركة وحضور راعي الأبرشيّة صاحب السيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس) الجزيل الاحترام، تقدّم جوقة أبرشيّة طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس بقيادة الأب أنطونيوس نصر، أمسية أناشيد دينيّة من أعمال المرتّل ديمتري شحادة تكريمًا لذكراه، وذلك يوم الجمعة 29 أيّار 2026 الساعة السابعة مساءً في قاعة جمعيّة وكشّافة جنود الإيمان الأرثوذكسيّ كوسبا، الكورة.