الأحد 21 حزيران 2026
16 حزيران 2026
الأحد 21 حزيران 2026
العدد 25
الأحد الثالث بعد العنصرة
اللحن الثاني، الإيوثينا الثالثة
أعياد الأسبوع:
21: الشَّهيد يوليانوس الطرسوسيّ، الشَّهيد آفسابيوس أسقُف سميساط، البارّ إيسيخيوس رئيس دير العليقة في سيناء، 23: الشَّهيدة أغريبينا ورفقتها، 24: مولد يوحنَّا المعمدان، تذكار لزخريَّا واليصابات، 25: الشَّهيدة فبرونيَّة، الشُّهداء أورنديوس وإخوته السِّتَّة، 26: البارّ داوود التَّسالونيكيّ، 27: البارّ شمشون مضيف الغرباء، يونَّا إمراة خوزي.
المصالحة
Réconciliation
المصالحةُ وصيَّةٌ إلهيَّةٌ، لأنَّ الربَّ نفسه يقول لنا: «أحبُّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، صلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم...» (متّى 5: 44)، وبولس الرسول يقول: «إن كان أحدٌ في المسيح فهو خليقةٌ جديدةٌ» (2 كور 5: 17). لذلك نحن المسيحيّين، ولكي نكون خليقةً جديدةً، علينا أن نعيشَ بمصالحةٍ دائمةٍ ومستمرّةٍ مع الذات والقريب والله.
ومن خلال المصالحة نتذوَّقُ مسبقًا الحياةَ في الملكوت، إذ نتذوَّق المحبَّة الخالصة في المسيح الذي قال: «إن أحببتم الذين يحبُّونكم فأيُّ أجرٍ لكم؟! فإنَّ أباكم السماويّ يشرقُ شمسَه على الأشرار والصالحين» (متّى 5: 45-46).
هذه كلُّها نعمةٌ خالصةٌ. «بالنعمة أنتم مخلَّصون» (أف 2: 5)، قوَّةٌ إلهيَّةٌ غير مخلوقةٍ، قوَّةُ الروح القدس، يعطيها الله لنا لنستطيع أن «نسامح ونتصالح»، وهذا ما يتحقَّق في الكنيسة.
فالإنسان في الكنيسة يجد وحدته مع الله، والتي من خلالها يزيل حائطَ السياج المتوسِّط، أي العداوةَ التي تفصله عن أخيه الإنسان، متخطِّيًا الناموسَ «القانونَ» البشريَّ، بالتضحية وناموسِ المحبَّة.
هذه المصالحة تتمُّ في جسد المسيح، أي في الكنيسة، التي رأسها يسوع المسيح نفسه، الذي ذُبِحَ على الصليب، وهكذا أعطى السلامَ للبشريَّة.
«ويصالح الاثنين في جسدٍ واحدٍ مع الله بالصليب، قاتلًا العداوةَ به» (أف 2: 16).
الفداء (La Miséricorde) يتمُّ في المسيح.
رحمةُ الله (La Réconciliation dans le Christ) هي التي تأخذ المبادرة وتمنحنا القوَّة لتحقيق كلِّ مصالحةٍ، كما حصل مع الرسل في يوم العنصرة، بحلول الروح القدس: «فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوَّةً من الأعالي» (لو 24: 49).
«الله كان في المسيح مصالحًا العالمَ لنفسه، غيرَ حاسبٍ لهم خطاياهم، وواضعًا فينا كلمةَ المصالحة. إذًا نحن نسعى كسفراء للمسيح، كأنَّ الله يعظُ بنا، نطلب عن المسيح: "تصالحوا مع الله" (2 كور 5: 19-20).
عجيبةٌ إلهيَّةٌ:
أيُّها الأحبَّاء! نحن اليوم بحاجةٍ إلى هذه العجيبة الإلهيَّة: «المصالحة والمسامحة».
المصالحة مع الذات، والمصالحة فيما بيننا، والمصالحة مع الله، أكان ذلك في حقل السياسة، أو الدين، أو الإيمان، أو في العائلة الواحدة.
الإنسانُ أوَّلًا يتصالحُ مع نفسه، فيصبحُ في سلامٍ، ويتصالحُ مع الآخرين فيحيا في وئامٍ معهم، ويتصالحُ مع الله فيصيرُ في طهارةٍ ونقاوةٍ.
وهذا ما يجب أن يحصل في مجال السياسة وإن كنَّا ننتمي إلى أحزابٍ وطنيَّةٍ مختلفةٍ، وفي العائلة وإن كنَّا على اختلافٍ في آرائنا، وفي مجال الإيمان وإن كنَّا من طوائفَ أو أديانٍ مختلفةٍ، وفي مجال الأعراق والجنسيَّات ولو كنَّا من قوميَّاتٍ مختلفةٍ.
الإنسانُ واحدٌ، والله واحدٌ، وكلٌّ منَّا مخلوقٌ على صورة الله، على صورة المسيح الإله المتجسِّد، وهذا سببُ كلِّ مصالحةٍ يجب أن تتمَّ. آمين.
+أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
طروباريّة القيامة باللحن الثاني
عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ ببرقِ لاهوتك وعندما أقمتَ الأموات من تحتِ الثَّرى، صرخَ نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويِّين: أيُّها المسيحُ الإله معطي الحياةِ، المجدُ لك.
القنداق باللحن الثاني
يا شفيعَةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعةِ وأسرَعي في الطلبةِ يا والدةَ الإلهِ المتَشفعةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرسالة: رو 5: 1-10
قوَّتي وتسبحتي الربُّ
أدبًاأدَّبني الربُّ
يا إخوةُ إذ قد بُرّرنا بالإيمانِ فلنا سَلامٌ معَ اللهِ بربِّنا يسوعَ المسيح، الذي بهِ حصلَ أيضًا لنا الدُخولَ بالإيمان إلى هذه النعمةِ التي نحنُ فيها مُقيمون ومفتَخِرون في رجاءِ مجدِ الله وليسَ هذا فقط بل أيضًا نفتَخِرُ بالشدائدِ عالِمينَ أنّ الشِدَّةَ تُنشئُ الصبرَ والصبر يُنشئ الامتحانَ والامتحان الرجاءَ والرجاءُ لا يُخزي.
لأنَّ محبَّة اللهِ قد أُفيضَت في قلوبِنا بالروحِ القدسِ الذي أُعطيَ لنا لأنَّ المسيحَ إذ كُنَّا بعدُ ضُعفاءَ ماتَ في الأوانِ عنِ المنافقين ولا يكادُ أحدٌ يموتُ عن بارٍّ. فلعلَّ أحدًا يُقدِمُ على أن يموتَ عن صالحٍ، أمّا الله فيَدُلُّ على محبّتهِ لنا بِأنَّه إذ كنَّا خطأةً بعدُ ماتَ المسيحُ عنَّا.
فبالأحرى كثيرًا إذ قد بُرّرنا بدمِه نخلُصُ بهِ من الغَضَب، لأنَّا إذا كنَّا قد صُولِحنا مع الله بموتِ ابنِهِ ونحنُ أعداءٌ فبالأحرى كثيرًا نخلُصُ بحياتِه ونحنُ مصالَحون.
الإنجيل: متى 6: 22-33 (متى 3)
قال الربُّ: سراجُ الجسدِ العينُ. فإنْ كانت عينُك بسيطةً فجسدُك كلُّهُ يكونُ نيّرًا. وإن كانت عينُك شريرةً فجسدُك كلُّهُ يكونُ مُظْلمًا. وإذا كان النورُ الذي فيك ظلامًا فالظلامُ كم يكون! لا يستطيع أحدٌ أنْ يعبُدَ ربيَّنِ لأنُّهُ إمَّا أنْ يُبغِضَ الواحِدَ ويُحِبَّ الآخَرَ أو يلازِمَ الواحِدَ ويَرْذُلَ الآخر. لا تقدرون أن تعبُدوا اللهَ والمالَ. فلهذا أقولُ لكم لا تهتمُّوا لأنفسِكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادِكم بما تلبَسون. أليستِ النفسُ أفضلَ مِنَ الطعامِ والجسَدُ أفضَلَ من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماءِ فإنَّها لا تزرعُ ولا تحصِدُ ولا تخزُنُ في الأهْراءِ وأبوكم السماويُّ يَقوتُها. أفلستم أنتم أفضلَ منها؟ ومن منكم، إذا اهتمَّ، يقدِرُ أنْ يَزيدَ على قامتهِ ذراعًا واحدة؟ ولماذا تهتمّونَ باللباس؟ اعتبِروا زنابقَ الحقلِ كيف تنمو. إنَّها لا تتعبُ ولا تَغْزِل، وأنا أقولُ لكم إنَّ سليمانَ نفسَه، في كلِّ مجدِه، لم يلبَسْ كواحِدَةٍ منها، فإذا كان عشُب الحقلِ الذي يُوجَدُ اليومَ وفي غدٍ يُطرَحُ في التنُّورِ يُلبِسهُ الله هكذا أفلا يُلبِسُكم بالأحرى أنتم يا قليلي الإيمان؟ فلا تهتمّوا قائلين ماذا نأكلُ أو ماذا نشربُ أو ماذا نلبَسُ، فإنَّ هذا كلَّهُ تطلُبهُ الأُمم. لأنَّ أباكم السماويَّ يعلمُ أنَّكم تحتاجون إلى هذا كلِّهِ. فاطلبوا أوّلًا ملكوتَ اللهِ وبِرَّهُ وهذا كلُّهُ يُزادُ لكم.
في الإنجيل
الإنسان، دائمًا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، بحاجةٍ إلى ضوءٍ يُرشِدُه ويُنيرُ ذهنه ودروبه ليسلك في هذه الحياة.
في العهد القديم، كان الناموس هو هذا الضَّوء المنير والمرشِد للإنسان في العتمة.
أمَّا في العهد الجديد، مع ربِّنا يسوع المسيح، أصبح ذهن الإنسان بمثابة الضَّوء الذي يُوجِّه سلوكه سواءٌ نحو الخير أم نحو الشرّ.
إنَّ العين هي النَّافذة التي تدخل منها الصُّوَر إلى الذهن، وبدوره يعمل عقل الإنسان على تفسيرها وتحليلها، كلٌّ انطلاقًا من ميوله ورغباته وخلفيَّاته. ومن هنا نُدرك أنَّ المشكلة ليست في العين بل في الذهن الذي يُفسِّر ويُحلِّل.
هذا الواقع يظهر بوضوحٍ من خلال اختلاف ردَّات فعل البشر وهم واقفون أمام حدثٍ واحدٍ، يشاهدونه ويعيشونه في الوقت نفسه وبالتفاصيل نفسها، ولكنَّ كلَّ واحدٍ منهم يراه من خلفيَّةٍ معيَّنةٍ ويتفاعل معه بطريقةٍ مختلفةٍ عن الآخر.
ففي الكتاب المقدَّس نرى الكثير من العجائب التي صنعها الربّ يسوع المسيح، عجائب لم يصنعها في الخفاء بل أمام الجموع الكثيرة، ونرى اختلاف ردَّات الفعل، فالبعض كان يراه مخلِّصًا والبعض الآخر ساحرًا.
أيُّها المؤمنون، هذا التنافر في التحليل مرتبطٌ بمدى نقاوة ذهن الإنسان، وبمدى طهارة نفسه واستنارتها وبساطة عينه الروحيَّة والجسديَّة.
فالإنسان، يا إخوة، بقدر ما يستنير داخليًّا وروحيًّا، بقدر ما ينعكس ذلك على توجُّهاته وتصرُّفاته، إذ بالبساطة والطهارة الروحيَّة يتعفَّف عن الاستسلام للشهوات والغرائز التي تجعل منه عبدًا للخطيئة وتجعل ذهنه وسلوكه مرهونَين بمباهج العالم المادِّيّ ومفاسده. فالإنسان الغارق في هذه المباهج يُظلِم عقله ونفسه ويُصبح عبدًا للخطيئة.
وبالخطيئة تمتنع نفسه عن الالتصاق بالله وترفض العودة إليه، عندها تغرق هذه النفس في العمى والموت الروحيّ.
الإنسان، بتغرُّبه عن الله، وصل إلى السقوط فعرف الموت. وبسقوطه التصق بالمادَّة باحثًا عن التعزية، فراح ينحت لنفسه آلهةً يتدفَّأ في ظلِّها كالمال والسُّلطة، علَّها تقيه من العوز والجوع، والخوف والحاجة، والمرض والموت.
وفي كنف هذه الآلهة تزداد ظلمة النفس والروح ويزداد انغماس الإنسان في الخطيئة، وليس ذلك إلَّا بسبب عماه الروحيّ الذي أنساه جمال وروعة القرب من الله، وأنساه الثقة بالربّ يسوع المسيح وبعمله الفدائيّ والخلاصيّ الذي اجترحه من أجلنا لننال الحياة الحقيقيَّة السعيدة.
التغرُّب عن الله يدفع الإنسان إلى تناسي حقيقةٍ لا مفرَّ منها، وهي حقيقة وجودنا المؤقَّت على هذه الأرض الفاسدة، وحقيقة أنَّ الحياة لا تتوقَّف عند موتنا.
فنراه ينغمس في الملذَّات والشرور، وعندها يكون أكبر الخاسرين مهما جمع من مالٍ ومهما حصد من مناصب.
إيماننا يُعلِّمنا أن لا موت مع المسيح، فالحياة لا تتوقَّف بعد الموت الجسديّ، وعلينا أن نجاهد على هذه الأرض لنصل إلى برِّ الأمان، أي الحياة السعيدة في ملكوت الله. من أجل ذلك يجب على كلِّ واحدٍ منَّا أن يجاهد، وأن يعمل ويتعب ليكون مع الربّ ومختاريه، ولا يكون ذلك إلَّا بجعل سراج أجسادنا بسيطًا وإبقاء أذهاننا نقيَّةً، فنسلك في مخافة الله وكلُّنا إيمانٌ بأنَّه لن يتركنا وحدنا، وسيُنير أذهاننا وقلوبنا لننعم بما تشتهيه نفوسنا من روعة الالتصاق به، له وحده المجد والسجود إلى أبد الدهور، آمين.
نافذة على عقيدة كنيستنا: عمل الثالوث القدّوس في الكنيسة
سنفتح في هذا المقال نافذةً على مختصر عقائدنا الرئيسيَّة في كنيستنا الأرثوذكسيَّة.
يعتقد الكثيرون أنَّ العقائد صعبةُ الإدراك والفهم، ولا تخصُّهم، فلا يطالعون هذه المواضيع، ولكن من الضروريِّ جدًّا أن يعرف كلُّ مؤمنٍ، مثقَّفًا كان أم لا، ما تؤمن به الكنيسة، لأنَّه، كما سنلاحظ في هذه المقالة، فإنَّ الإيمان المستقيم هو أساس الحياة الروحيَّة المستقيمة. فلنطالع هذا المقال، وإذا لم نستوعبه من القراءة الأولى، فلنعِد قراءته مجدَّدًا.
تنقلنا الكنيسة في السنة الليتورجيَّة بين فترة أحد زكَّا العشَّار وعيد الرسل الأطهار في رحلةٍ روحيَّةٍ، يتنقَّى فيها الإنسان المؤمن من أهوائه، يُصلب، ويقوم، ويصعد مع المسيح، ثمَّ يحلُّ عليه الروح القدس، فيتقدَّس ويصبح رسولًا. إذًا، تلخِّص هذه الفترة الحياة الروحيَّة للمؤمن بشكلٍ مكثَّفٍ.
يكتب القديس غريغوريوس السينائيّ، معلِّم الهدوئيَّة وصلاة يسوع، في بداية كتاباته في الفيلوكاليا (مجموعة كتبٍ عن الحياة الروحيَّة) ثلاثةَ مقاطعَ مهمَّةٍ جدًّا عن مبادئ الحياة الروحيَّة:
أوَّلًا، يدعو المؤمن إلى أن يكون الإيمان موازيًا للوصايا الإلهيَّة، لأنَّ من الإيمان تنبع كلُّ وصيَّةٍ وتتمُّ استنارة النفس، مؤكِّدًا أنَّ ثمر الإيمان الحقِّ هو الإمساك والمحبَّة.
ثانيًا، يحدِّد القدّيس الأرثوذكسيَّة كإيمانٍ واضحٍ لثلاث عقائد أساسيَّة: عقيدة الثالوث القدّوس، وعقيدة طبيعتَي المسيح، أي عقيدة التجسُّد:
حياة المسيح على الأرض، وصلبه، وقيامته، وصعوده؛ وثالثًا، استعلان الله الثالوث، أي قواه الإلهيَّة، في الكنيسة.
ليس بالغريب في مستهلِّ الكلام على الحياة الروحيَّة أن يشدِّد القدّيس ويعتبر أنَّ أساس الحياة في المسيح هو استقامة الإيمان، لأنَّه، كسائر آباء كنيستنا، يعتبر العقيدة المستقيمة أساس عمل النعمة الإلهيَّة، أي قوَّة الله الثالوث غير المخلوقة، والحياة في الكنيسة.
يفسِّر القدِّيس المعاصر الأب ديميتري ستانيلواي كتابات القدِّيس غريغوريوس السينائيّ، خصوصًا العلاقة بين عقائد كنيستنا وحياتنا الروحيَّة، ويبرزها كعملٍ للثالوث القدّوس في الكنيسة. باختصارٍ شديدٍ، العقيدة الأولى التي يذكرها القدِّيس السينائيّ هي محور إيماننا بالله. فالله هو الآب غير المولود، مصدر الألوهة، والابن المولود من الآب، والروح القدس المنبثق من الآب قبل الدهور.
يتشارك الآب والابن والروح القدس الجوهر الإلهيَّ الواحد. والجوهر الإلهيُّ لا يُعرَف، لا يُدرَك، ولا يُقترب إليه (incomprehensible).
أمَّا العقيدة الثانية، فهي عقيدة تجسُّد الأقنوم الثاني في الثالوث القدّوس، ابن الله، الإله-الإنسان. وهنا يبرز دور عمل المسيح الإله-الإنسان لأجلنا.
يقسِّم القدِّيس ستانيلواي عمل المسيح إلى أربعة أقسام: التجسُّد، والصلب، والقيامة، والصعود.
والهدف من عمل المسيح أن يجدِّد الطبيعة البشريَّة ويجعلها قادرةً على أن تقتني حياةً أبديَّةً.
بصلبه، حوَّل فساد الموت إلى عدم فسادٍ، وبقيامته أظهر جسده مُرَوْحَنًا، وبصعوده أجلس الطبيعة البشريَّة عن يمين الآب.
أمَّا نحن البشر، فنحصل على ثمار عمل المسيح عندما نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس، فنموت عن فساد الخطيئة ونقوم مع المسيح.
وعندما صعد المسيح إلى السماوات بجسده، مجَّد الطبيعة البشريَّة كلَّها، وصار ممكنًا أن نتناول جسده الممجَّد كلَّما اشتركنا في سرِّ الشكر المقدَّس.
ثمَّ يشدِّد ستانيلواي على أنَّه: «إذا كان التجسُّد، والصلب، والقيامة، والصعود هي أعمال الابن الأربعة، فالكنيسة هي العمل الخامس له؛ الكنيسة إذًا هي تكملة الخلاص الذي ابتدأ في التجسُّد".
أمَّا العقيدة الثالثة، فهي عقيدة القوى الإلهيَّة، أي النعمة الإلهيَّة. وهذه القوى المشتركة للثالوث القدوس تصدر من أقنوم الآب، وتستقرُّ في أقنوم الابن، ويرسلها الابن عبر أقنوم الروح القدس إلى الكنيسة.
وهذه العقيدة هي التي تكمِّل عقيدة الثالوث وعقيدة التجسُّد مع مفهوم الكنيسة، أي تبرز عمل الثالوث في الكنيسة.
يشرح ستانيلواي أنَّ هذه العقيدة تركِّز على عمل الأقنوم الثالث للثالوث القدّوس، أي عمل الروح القدس.
عمل الروح القدس لا ينفصل عن عمل المسيح، بل يكمِّله. يشدِّد ستانيلواي أنَّ عمل الروح القدس هو تثبيت المؤمنين بجسد المسيح الممجَّد. كيف؟ إنَّ النعمة الإلهيَّة، أو القوى الإلهيَّة (غير المخلوقة)، تصدر من الآب وتستقرُّ في الابن، ويرسلها الابن عبر أقنوم الروح القدس إلى الكنيسة. وما الكنيسة إلَّا امتداد جسد المسيح الممجَّد.
إذًا، عمل الروح القدس هو اتِّحادنا في جسد المسيح (الكنيسة) الممجَّد عبر حمل النعمة الإلهيَّة إلى أعضاء الجسد، أي المؤمنين، وهذا بالضبط ما نفعله في سرِّ الميرون المقدَّس (لذلك، لا تكفي المعموديَّة من دون الميرون، ختم الروح القدس).
ألم يقل المسيح في إنجيل يوحنَّا 16: 15: «ومتى جاء روح الحقِّ فهو يرشدكم إلى جميع الحقِّ... كلُّ ما للآب هو لي (القوى الإلهيَّة)، لهذا قلت إنَّه (أي الروح القدس) يأخذ ممَّا لي ويخبركم»؛ وأيضًا في يوحنَّا 15: 26: «ومتى جاء المعزِّي الذي أرسله إليكم من الآب، روح الحقِّ الذي من الآب ينبثق، فهو يشهد لي".
هكذا تتكوَّن الكنيسة وتستمرُّ في جسد المسيح عبر الروح القدس الذي بانحداره يبقى في الكنيسة.
يقول القدِّيس غريغوريوس بالاماس، شارحًا هذه الآية: «إنَّه كان على الابن أن يصعد بجسده إلى الآب لكي يرسل الروح القدس من حضن الآب الذي منه ينبثق".
إنَّ الألسنة الناريَّة في العنصرة ليست سوى القوى الإلهيَّة الصادرة من الآب، والمستقرَّة في الابن، التي حلَّت على التلاميذ عبر أقنوم الروح القدس.
وهكذا يرسل الابن النعمة الإلهيَّة عبر الروح القدس إلى الكنيسة، أي في أسرار الكنيسة، لذلك نحن نطلب حلول الروح القدس (epiklesis)، الذي به تنحدر النعمة المؤلِّهة، في كلِّ سرٍّ نقيمه في الكنيسة.
عمل الروح القدس هذا هو فعلًا إعادةٌ لجبلتنا لنكون أبناء الآب بالتبنِّي.
وهذا يعني أنَّ الابن نفسه يطبع أقنومه بعمقٍ في داخلنا ويطبع فينا النعمة التي للثالوث.
يشدِّد ستانيلواي على أنَّه لا يجب فصل عمل المسيح عن عمل الروح القدس، فعقيدة القوى الإلهيَّة هي الضمان لاتّفاق عمل الابن مع عمل الروح القدس، وكذلك مع عمل الآب.
للأسف، لم تؤمن الكنيسة الغربيَّة (لاتينيَّة وبروتستانتيَّة) بعقيدة القوى الإلهيَّة، وبذلك فقد فصلت بين عمل المسيح وعمل الروح القدس.
ونتج عن ذلك عند اللاتين أنَّ المسيح قد تمَّم عمله من دون إرسال القوى الإلهيَّة إلى الكنيسة، وهكذا انفصل عمل المسيح الذي تمَّ عن عمل الروح القدس. فتوجَّب وجود ممثِّلٍ للمسيح على الأرض تستمدُّ الكنيسة وجودها منه، ألَّا وهو البابا، رئيس الكنيسة بدلًا من المسيح.
أمَّا عند البروتستانت، الذين يعتبرون عمل المسيح قد انتهى، وهم بحاجةٍ إلى الإيمان به فقط ليخلصوا، فقد صار كلُّ واحدٍ منهم رئيسًا للكنيسة، كونهم لا يؤمنون باتّحادٍ بجسد المسيح من خلال النعمة غير المخلوقة.
أيُّها الأحبَّة، تبدو عقائد كنيستنا صعبةً للفهم بالنسبة إلى المؤمن العاديّ، ولكن من الضروريِّ بذل مجهودٍ ليس لفهمها فقط، بل لعيشها؛ لأنَّه من دون الإيمان الحقِّ المستقيم لا نستطيع أن نشترك بنعمة الله الثالوث في الكنيسة.
مولد النبي الكريم والسابق المجيد يوحنا المعمدان
لمَّا ولدت أليصابات العجوز هذا النبيَّ الأفضل من جميع الأنبياء، وأعظم مواليد النساء، المشهود له من الله (متّى 11: 9-11)، وذلك بعد استيفاء أيّام حبلها، أوجبت لجميع الأقرباء والجيران فرحًا ودهشةً.
في يوم ختانه وتسميته، وهو اليوم الثامن بعد ولادته، ظهر عجبٌ أعظم جدًّا.
فإنَّ الحاضرين إذ ذاك سمَّوه باسم أبيه زكريَّا، أمَّا أمُّه فبإلهامٍ من الله، لا محالة، أجابت قائلةً: «لا، بل يُسمَّى يوحنَّا".
وإذ سُئل أبوه عن ذلك بالإيماء، ولم يكن يمكنه أن يتكلَّم، طلب لوحًا وكتب عليه:
«يكون اسمه يوحنَّا».
وللحال انحلَّ لسانه الذي كان مربوطًا منذ تسعة أشهر، وانفتح فمه.
وإذ امتلأ من الروح القدس، رتَّل تسبيحةً من تسابيح العهد الجديد، ممجِّدًا إله إسرائيل الذي أنجز المواعيد التي أعطاها لآبائه، وافتقد الجالسين في الظلمة وظلال الموت، وأرسل لهم النور الخلاصيّ.
ثمَّ تنبَّأ عن الصبيِّ أنَّه يكون نبيَّ العليِّ وسابقَ يسوع المسيح (لوقا 1: 57-79).
أمَّا الصبيُّ يوحنَّا، الذي معنى اسمه «المملوء نعمةً»، فكان ينمو ويتقوَّى بالروح، وكان في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل، كما يخبرنا لوقا البشير عنه.