الأحد 26 تمّوز ​2026

الأحد 26 تمّوز ​2026

22 تموز 2026
الأحد 26 تمّوز ​2026
العدد 30
الأحد الثامن بعد العنصرة

اللحن السابع، الإيوثينا الثامنة

أعياد الأسبوع:

26: الشَّهيد في الكهنة أرمولاوس، الشَّهيدة باراسكيفي، 27: الشَّهيد بندلايمون الشَّافي، البارَّة أنثوسة المعترفة، بروخورس ونيكانر وتيمن وبرميناس الشَّماسة، إيريني خريسوفلاندي، 29: الشَّهيد كالينيكوس، ثاوذوتي وأولادها، 30: سيلا وسلوانس ورفقتهما، 31: تقدمة عيد زيّاح الصَّليب، الصدِّيق أفذوكيمس، يوسف الرَّامي، 1: عيد زيَّاح الصَّليب، المكابين الـ 7 الشُّهداء وأمّهم صلموني ومعلّمهم لَعازر، بدء صوم السيدة.

التَبَصُّر

هو التأمُّل وتَبَيُّن الخير من الشرّ، يُعَدّ من سِمات الحكمة إذ فيه التَعَقُّل والرؤية يَسبقان الفعل. مِنهُ التَروّي لاستِدراك العَواقِب قبل اتّخاذ القرار. هو يَنتُج عن خبرة حياة، شخصيّة أو اجتماعيّة متوارثة، آبائيّة وتربويّة، منها تُؤخذ العِبَر وتُشَكَّل صور بصريّة تُتَرجم بأمثالٍ شعبيّة وقصص تربويّة: "ففي التأنّي السَلامة، وفي العَجَلَةِ النَّدامَة". 

في التَبَصُّر  prudenceترتبط المـُعطيات مباشرةً بقرار المـَرء وبنتيجة أفعاله: هل يقبلها الآخر؟ هل تُخالف مفاهيم المجتمع أو تتضارَب مع مبادئه؟ بالتالي يحتاج إلى معرفة البيئة، وطريقة تفكير الأشخاص فيها، كما ويتطلّب طولَ الأناةِ مع الصَّبر ريثما يكون الوَقتُ مُلائمًا للإقدامِ على الخطوة؛ "التَمييز بين الأعمال التي يجب أن نُباشرها سريعًا، والأعمال التي ينبغي أن نَقوم بها بتريُّثٍ واحتراس" (السُلّم إلى الله، المقالة 26 – في صواب التمييز).

حين قال السيّد للتَلاميذ "أعطوهُم أنتُم لِيَأكُلوا" (متّى 14: 16)، صَوَّب بجوابه هَدَف عمله الخلاصيّ، ومعنى رسوليّتهم: أن يكونوا هُم، بالنِّعمَة، مَصدَرَ غِذاءٍ وتَعزية للآخرين. فكما قال بطرس "يا رَبُّ إلى مَن نَذهَب؟ وكلاَمُ الحياةِ الأبَدِيَّةِ عِندَك" (يوحنّا 6: 68)، يَصير كلُّ مسيحيٍّ مَرجعًا للكلمة التي تُحيي، الكلمة التي لا ينتهي مفعولها مع اللحظة بل تَنقُل سامعها إلى الدَّهرِ الآتي، تُمسي مِلحًا يُقدِّس تُرابيّة الإنسان ويرفعه إلى فوق.

التَبَصُّر في اختيار الكلام يؤثّر على أفعالنا وعلى ردّة فعل الآخرين، فكلمةُ محبّةٍ واحدة هي كفيلة بأن تُعطي الرّوح نبضًا جديدًا، نظرةَ أملٍ ورجاء بأنّ الخيرَ ما زالَ موجودًا في عالمٍ سادَتهُ الحروبُ والتَفرِقة. وهذا ما أوضحه بولس الرسول أن "ليسَ يَهودِيٌّ ولا يُونانِيٌّ، ليسَ عَبدٌ ولا حُرٌّ، ليسَ ذَكَرٌ ولا أُنثى، لأنَّنا جميعًا واحدٌ في المسيحِ يسوع" (غلاطية 3: 28)، وتابع في رسالته حاثًّا على التمييز: "إن انسَبَقَ إنسانٌ فأُخِذَ في زلَّةٍ مَا، فأصلِحُوا أنتُم الرّوحِيِّينَ مِثلَ هذا بروحِ الوداعَة"، والسَّهَر على حفظ النَّفس: "ناظِرًا إلى نفسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أنتَ أيضًا"(غلاطية 6: 1).

"التَبَصُّر هو المحبّة التي تفصل بحكمةٍ بين ما هو مُفيدٌ لها وما هو ضارّ" (أغسطينوس)، تلك التي لا تَدين بل تقطع باستقامةٍ كلمةَ حقّ، من أجل بناء الإنسان وقداسته. 

طروباريّة القيامة باللحن السابع

حطمت بصليبك الموتَ وفتحتَ للصّ الفردوس، وحوَّلتَ نوحَ حاملاتِ الطيب، وأمرتَ رسلكَ أن يكرزوا بأنّكَ قد قمتَ أيّها المسيح الإله مانحًا العالم الرحمةَ العظمى.

القنداق باللحن الرابع

يا شفيعَةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرسالة: 1 كو1: 10-17
الربُّ يُعطي قوَّةً لشعبِه
قدِّموا للربِّ يا أبناءَ الله


يا إخوةُ، أطلُبُ إليكم باسم ربِنّا يسوعَ المسيح أن تَقُولُوا جميعُكم قولًا واحِدًا وأنْ لا يكونَ بينكم شِقاقاتٌ بل تكونوا مُكْتمِلِين بفكرٍ واحدٍ ورأيٍ واحد. فقد أخبرني عنكُم يا إخْوَتي أهْلُ خُلُوِي أنَّ بينَكُم خُصُومَاتٍ. أعْنِي أنَّ كلَّ واحدٍ مِنْكُم يقول أنا لبُولُسَ أو أنَا لأبُلُّوسَ أو أنَا لصَفَا أو أنَا لِلمسيح. ألعَلَّ المسيحَ قد تجزَّأ. ألعلَّ بُولُسَ صُلِبَ لأجْلِكُم أو باسم بُولُسَ اعتَمَدْتُم. أشْكُرُ الله أنّي لمْ أعَمِّدْ منكُم أحدًا سِوَى كْرِسبُسَ وغايُوسَ، لئَلاَّ يقولَ أحدٌ إنّي عَمَّدْتُ باسمي. وعَمَّدتُ أيضًا أهلَ بيتِ استفاناس. وما عَدَا ذلك فلا أعلَمُ هَلْ عَمَّدْتُ أحَدًا غيْرَهم، لأنَّ المسيحَ لم يُرسِلْنِي لأُعمِّدَ بل لأبشِّرَ لا بحكمةِ كلامٍ لئلا يُبْطَلَ صلِيبُ المسِيح.

(متّى 8)  الإنجيل: متّى 14: 14-  22

في ذلك الزمان، أبصَرَ يسوعُ جمعًا كثيرًا فتحَنَّنَ عليهم وأبرَأ مرضَاهُم. ولمَّا كانَ المساءُ، دنا إليهِ تلاميذُهُ وقالوا إنَّ المكانَ قَفْرٌ والساعةُ قد فاتَتَ، فاصْرِفِ الجموعَ ليَذْهبُوا إلى القُرَى ويبتَاعُوا لهم طعامًا. فقالَ لهم يسوعُ لا حَاجَةَ لهم إلى الذَّهاب، أَعْطُوهُمْ أنتُم ليَأكُلُوا. فقالوا لهُ ما عندنا ههُنَا إلّا خمسةُ أرغفةٍ وسمكتان. فقال لهم هلمَّ بها إليَّ إلى ههنا، وأمرَ بجلوسِ الجموع على العُشْب. ثمَّ أخذَ الخمسَةَ الأرْغِفَةِ والسَّمكتَيْنِ ونظَرَ إلى السَّماءِ وبارَكَ وكَسَرَ وأعْطَى تلاميذَهُ الأرغِفَة، والتلاميذُ أعْطوا الجموع، فأكلوا جميعُهم وشبعُوا، ورفَعُوا ما فَضُلَ من الكِسَرِ اثنَتيْ عَشْرَةَ قُفَّةَ مملوءةً. وكان الآكِلونَ خمسَةَ آلافِ رجلٍ سوى النساءِ والصِبيان. وللوقتِ اضْطَرَّ يسوعُ تلاميذَهُ أن يدخلوا السفينَةَ ويسبِقُوهُ إلى العَبْرِ حتى يَصْرِفَ الجُمُوع.

في الإنجيل

يطلب الرسول بولس في الرسالة من أهل كورنثوس أن يجتهدوا ويثابروا لكي تكون أقوالهم متّفقة ولا تسبّب شقاقات، فتصير آراؤهم واحدة.
تذكّرنا الكنيسة اليوم بهذا الكلام كي توضّح لنا ما يجري في القدّاس الإلهيّ - قسم المؤمنين، على لسان الكاهن عندما يعلن: "لنحبّ بعضنا بعضًا لكي نعترف بعزمٍ أو برأيٍ واحدٍ مقرّين: بآبٍ وابنٍ وروحِِ قدسٍ، ثالوثٍ متساوٍ في الجوهر وغير منفصل".

إذًا تريد الكنيسة أن نكون جميعًا على رأيٍ واحدٍ في الإيمان. وهذا يتطلّب منّا أن نحبّ، ومن دون هذا الحبّ يحدث خلل فينا. هذا الخلل يطال قلب الإنسان كلّه، أي كيانه. فتتشوّش أعضاء الجسد فيما بينها ولا تعود تتآلف بنغمةٍ روحيّة.

دليل العافية هو أنّ أعضاء الجسد يجب أن تتناسق في عملها. ويقول الإنجيل إنّ الإنسان يؤمن بقلبه ويعترف بهذا الإيمان بلسانه. غير أنّ ما يحدث معنا في القدّاس، إن كانت محبّتنا بعضنا بعضًا ذات وجهين، تكرار كلام الإيمان بألسنتنا دون أن تمسّ قلوبنا. فيحزن ربّنا علينا لأنّ سلوكنا ليس بحسب مشيئته. وبالتالي لا نسمح لنعمة الربّ أن تعمل فينا.

نتيجة هذه الضُّعفات هي التذمّر. يقول القدّيس باييسيوس الآثوسيّ، الذي عيّدنا له منذ أسبوعين، إنّنا نصلّي قليلًا ونتذمّر كثيرًا. والقصد من قوله أنّ التذمّر الكثير يغلب صلاتنا، والعكس يجب أن يكون لأنّنا لو صلّينا من القلب سيتلاشى التذمّر. لذا كان هذا القدّيس يردّد دومًا: "المجد لك يا الله".

نحن نتذمّر ونتعلّل بعلل الخطايا ونقول إنّ القداس طويل، غير عالمين أنّنا إن استسلمنا لنعمة الله واجتهدنا في عمل وصايا الربّ فلن نعود نشعر بالوقت مع ربّنا.
هذا ما حدث مع الجمع الذين تبعوا يسوع لكي يسمعوا كلامه العذب. لم يذكر الإنجيل في البداية هنا أنّهم أرادوا شيئًا معيّنًا منه، ولا أحضروا إليه المرضى ووضعوهم أمامه لكي يشفيهم. لكنّ الربّ نظر إلى جهادهم لكي يلتقوا معه، فبادر هو نفسه نحوهم وتحنّن عليهم، أي أفاض من حبّه الكبير لهم، فأبرأ مرضاهم وعلّمهم بالكلمة المخلِّصة حتّى المساء. ولم يقبل أن يعودوا إلى بيوتهم جائعين، فكسر لهم الخبز والسمك، إشارةً إلى القدّاس الإلهيّ، وأشبعهم.

فإن كانت لدينا آذان للسمع فلنسمع كما يقول الربّ. ففي كلّ قدّاسٍ إلهيّ يكسر لنا الربّ جسده ويعطينا دمه لننال بهما حياةً أبديّة، ويشفي أمراضنا بتحنّنه الكبير لنا. آمين.

الاتّكال والقلق

حياتنا على الأرض سلسلة لا تنتهي من الاهتمامات والتفكير اليوميّ بكيفيّة إدارة أمورنا، والحصول على ما نتمنّاه، والوصول إلى غايات رسمناها، وكلّها ترتبط بأحلامٍ وأمنياتٍ نريد تحقيقها، إن كان في حياتنا العمليّة أو الاجتماعيّة، لبلوغ مناصب مهمّة ومواقع ذات قيمة في المجتمع، بالإضافة إلى حلم تكوين أسرةٍ مثاليّة. وفي خضمّ نضالنا المستميت هذا نشعر بقصورنا وضعفنا، وتغيب عن بالنا الآية الإلهيّة: "بدوني لا تستطيعون أن تعملوا شيئًا" (يو 15: 5)، تؤكّدها آية الرسالة: "أستطيع كلّ شيءٍ في المسيح الذي يقوّيني" (فيليبي 4: 13).

لا شكّ في أنّه يتوجّب على الإنسان التفكير والاهتمام والسعيّ لتدبير حياته وتأمين متطلّبات العيش الكريم، لكن غالبًا ما يصل اهتمامنا إلى حدّ الارتباك، والقلق، والخوف، وانعدام الثقة. هذا الشعور يسيطر على الإنسان في كلّ تفاصيل حياته. الطالب يقلق ويخاف من الامتحان، ومن النتيجة. والوالدة تقلق على أولادها إن تأخّروا خارج البيت، ولا يخطر ببالها سوى الأفكار السلبيّة، فينقبض قلبها ويتعبها التفكير. والتاجر يقلق خوفًا على بضاعته من الكساد ومن الخسارة، وأصحاب المشاريع تتآكلهم الهموم خشية الفشل، والمزارع يراقب أرضه ومزروعاته ويخاف من ضياع المحصول بسبب الطقس أو الآفات والأمراض.

يغيب عن أذهاننا كلّنا، ونحن مستسلمون إلى القلق والخوف، أنّ لنا خالقًا أوجدنا، يحبّنا ويهتمّ بنا ويرعانا. ألم يقل على لسان كاتب المزامير: "ألقِ على الربّ همّك وهو يعولك" (مز 54: 22). ألم يعطنا أمثلةً كثيرةً عن محبّته واهتمامه؟ من أطعم الشعب في البرّيّة؟ من شفى المرضى؟ من أقام الموتى؟ من سعى وراء الخروف الضائع؟ الإنسان، في ضياعه في صحراء العمر، ينسى، ويضع اتّكاله على أمورٍ ضعيفةٍ خائبة، أمورٍ دنيويّةٍ غالبًا ما تخدع المتّكلين عليها.

الاتّكال الصادق على الربّ يعني الإيمان والثقة بأنّه سوف يوجّه الأمور في الاتّجاه الصحيح. أبو الآباء إبراهيم لم يقلق وهو في طريقه إلى تقديم ابنه ذبيحة، ولم يسأل: كيف يعدني الربّ بأنّني سأكون أمّةً عظيمة، ثمّ يطلب منّي تقديم ابني الوحيد ذبيحة؟ لقد مشى الطريق كلّه حتّى النهاية، وعندما سأله ابنه: "هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟"، قال إبراهيم: "الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني" (تك 22: 7-8). هنا يظهر الاتّكال الكامل على الله، والثقة بأنّه سوف يرى له الخروف للمحرقة. لقد وصل إلى اللحظة الأخيرة، وأمسك السكين ليذبح ابنه، "فناداه ملاك الربّ من السماء وقال: إبراهيم، إبراهيم. فقال: هاءنذا. فقال: لا تمدّ يدك إلى الغلام... لأنّي الآن علمت أنّك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عنّي" (تك 22: 11-12). خوف إبراهيم هنا ليس فزعًا، وإنّما طاعة وثقة.

عندما كان الربّ يدعو تلاميذه، لم يتردّد أحدٌ منهم، ولم يسأله: إلى أين تأخذنا؟ كيف سنعيش؟ كم سنقبض؟ كانت استجابتهم فوريّةً وكاملة. إلّا ابن الهلاك الذي رافقه بنيّةٍ مشبوهةٍ طمعًا في الصندوق، وكانت نهايته لا خلاص فيها.

لا بدّ أنّ كلّ فردٍ منّا قد مرّ بتجربة الخوف من أمرٍ ما، وعاش فترة قلقٍ أضنته وأتعبته، ولكن عندما سلّم أمره لله واتّكل عليه، طالبًا إليه أن يقود حياته، اكتشف أنّ الحلول التي أتاه بها الله لم تخطر على باله ولم يتصوّرها، لكنّها كانت الأفضل والأسلم. لذلك علينا أن نذكّر أنفسنا دائمًا بهذا الأمر، وألّا نستسلم إلى الشكّ والاضطراب والقلق، وأن نقول: "الله سوف يرى الخروف للمحرقة". ألم يقل بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية (8: 28): "نحن نعلم أنّ كلّ الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبّون الله".

إذا كان لنا هذا الإيمان وهذه الثقة، فلا مبرّر للقلق.

كنائسنا والصيف

نحن البشر، كائنات نعيش في دوراتٍ، يوميّة أو سنويّة، يتخلّلها العمل والراحة. ويفترض بهذه الدورات أن تكون مترافقةً مع تغيّر الطبيعة وفصولها حتّى تبقى حياتنا في نظامٍ وترتيبٍ وإيقاع. وهذا الأمر تؤكّده العلوم العصريّة من طبٍّ وعلم نفسٍ وغيره من العلوم التي تهتمّ بالمجتمع والعمل والعاملين فيه، إلى درجة أنّ أغلب الدول صارت تعتبر الفرصة السنويّة جزءًا من العمل ينبغي للعامل أن يرتاح فيها ويقبض معاشه. بالطبع، يختلف الوضع في العالم النامي، حيث يفتقد الناس، والعمّال منهم بخاصّة، إلى الكثير من حقوقهم المكتسبة، ومنها حقّ الاستراحة.

وفي فكرنا الكنسيّ، الاستراحة واجب على كلّ مؤمن. إذ إنّه مطالب بأن يعطي نفسه فرصةً يريح فيها جسده وروحه، ليعود من بعدها بجسدٍ أكثر راحة وروحٍ أكثر انشراح إلى عمله الذي حدّده له الله. وفي مفهومنا اللاهوتيّ أنّ للاستراحة أكثر من معناها العمليّ، إذ إنّ لها بُعدًا تقديسيًّا من خلال المثال الذي أعطانا إيّاه الله، الذي استراح في اليوم السابع (تكوين 2: 2). وهذا المثال يفترض أنّ الاستراحة ليست مجرّد توقّفٍ عن العمل الذي نمارسه، بل هي بالأحرى عمل نقوم به على مثال الربّ. أن نستريح هو أن نعرف بتواضعٍ موقعنا في الخليقة، وأن نشترك في عمل الخلق من خلال مشاركتنا في العبادة والتمجيد والمحبّة.

لهذا، فإنّ استراحتنا من عملنا في الصيف لا يمكن أن تتحوّل إلى "عطلة" عن العبادة والتمجيد. على العكس، يُفترض باستراحتنا من الالتزام بدوام العمل والضغط المتولّد عنه أن تعطينا الوقت والنفسيّة والمزاج المناسب لممارسة عبادتنا لله والتزامنا بالصلوات. فالفراغ الذي ينشأ عن ابتعادنا من جوّ العمل ينبغي أن نملأه بالله من خلال الصلوات والقراءة والخلوات، إن أمكن.

ويعطينا الربّ يسوع مثالًا رائعًا على ضرورة وجود استراحةٍ روحيّةٍ في حياة كلٍّ منّا. ففي قراءتنا في الإنجيل عن بشارة السيّد، نرى أنّه غالبًا ما كان ينسحب من بين الجموع ليستريح ويتوجّه إلى الآب مصلّيًا. لم يكن ينسحب فقط للاستراحة، إذ إنّ راحته كانت في الصلاة.

هل نحن نسير على المثال نفسه؟ هذا ما لا تشير إليه كنائسنا التي تعرف تناقصًا كبيرًا في أعداد المصلّين في الصيف، ليس فقط في المدن التي ينتقل أبناؤها ليصطافوا في القرى، بل أيضًا في القرى نفسها. وكأنّ الكنيسة هي عمل نرتاح منه، أو نأخذ عطلةً منه، في الصيف. أو كأنّ الكنيسة مكان نقصده في الشتاء حين لا يكون عندنا ما نملأ فيه أوقات فراغنا، حيث لا شاطئ نمضي إليه، ولا طقسٌ مؤاتٍ للقيام بالرحلات. حتّى المرتّلون، نفتقد بعضهم في الصيف.

هذا دليل على برودةٍ لا يحبّها الله، وعلى نقصٍ في محبّة المسيح. في صلواتنا نذكر أنّ القدّيسين لم يفصلهم شيء عن محبّة المسيح: لا برد ولا حرّ ولا اضطهاد ولا غيره. أترى لو عاشوا في زمننا، ماذا كانوا يفعلون؟ أكانوا يفضّلون البحر أو الجبل أو البقاء في البيت في غرفةٍ هواؤها اصطناعيّ من المكيّف على الذهاب إلى الكنيسة، أم العكس؟ على رجاء أن نكون متمثّلين بهم فعلًا.