الأحد 19 تموز 2026
17 تموز 2026
الأحد 19 تموز 2026
العدد 29
أحد آباء المجمع المسكوني الرابع
اللحن السادس، الإيوثينا السابعة
أعياد الأسبوع:
19: البارَّة مكرينا أخت باسيليوس الكبير، البارّ ذِيُّس، 20: النبيّ إيلياس التَّسبيتيّ، 21: البارَّان سمعان المتباله ويوحنَّا رفيقه في النُّسك، 22: مريم المجدليَّة المعادلة الرُّسل، الشَّهيدة في العذارى مركيلّا، 23: نقل عظام الشَّهيد في الكهنة فوقا أسقُف سينوبي، النَّبيّ حزقيال، 24: الشَّهيدة خريستينا، 25: رقاد القدّيسة حنَّة أمّ والدة الإله الفائقة القداسة.
من العظة على الجبل
تفسير الإنجيل الحاضر متى 5: 14-19
يبدأ بالقول أنتم نور العالم
La lumière du monde
النور هو يسوع المسيح. يكتمل هذا النور فينا بعد قيامة الربّ يسوع وبعد حلول الروح القدس على التلاميذ.
لا بدّ من أن يظهر هذا النور في العالم، لذلك يقول: "فليُضِئْ نوركم هكذا قدّام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويُمجِّدوا أباكم الذي في السموات" (متّى 5: 16).
ثم ينتقل الربّ يسوع إلى القول: "لم آتِ لأحلَّ الناموس والأنبياء، أي العهد القديم، بل لأكمِّل" (متّى 5: 17).
هنا الربّ يسوع لا ينقض، لكن يُعمِّق. لم يزد وصايا جديدة، بل لخَّصها في وصيّة المحبّة التي قال عنها بولس إنّها كمالُ الناموس.
لقد أُبطلت الذبائح الدمويّة بدم المسيح، وتجاوزناها بما هو روحيّ.
المهم أن نعمل ونعلِّم: "من عمل وعلَّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات" (متّى 5: 19).
العمل يأتي من المحبّة، والمحبّة تأتي من الإيمان.
إن أحببتَ ربَّك تعرف عنه الشيءَ الكثير، وتتشبَّه به.
هذا كلُّه يدفع إلى معرفة اللاهوت ودراسته.
اليوم نقيم تذكار آباء المجمع المسكونيّ الرابع الذي انعقد في خلقيدونية Chalcédoine سنة 451م.
فيه حدَّد الآباء أنَّ المسيح ذو طبيعتين: إلهيّة وإنسانيّة.
تدفعنا هذه العقيدة إلى أن نفهم أنَّ الإنسان أيضًا، على غرار المسيح، هو على صورته إلهيّ وبشريّ.
فيه قوّة الله وروحه، وفيه إنسانيّة بشريّة تملؤها القوى الإلهيّة غير المخلوقة.
Energies divines non créées
لقد وُجدت العقائد في الكنيسة لكي نحيا بها ونسلك بموجبها. هي ضروريّة من أجل خلاصنا. يقول الرسول بولس: "تشبَّهوا بي كما أنَا تشبَّهتُ بالمسيح". هكذا نصير على صورة المسيح بشريًّا وإلهيًّا معًا.
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
طروباريّة القيامة باللحن السادس
إنَّ القوّاتِ الملائكيّةَ ظهروا على قبرك الموَقَّر، والحرّاس صاروا كالأموات، ومريمَ وقفت عندَ القبر طالبةً جسدَك الطاهر، فسَبيْتَ الجحيمَ ولم تُجرَّب منها، وصادفتَ البتول مانحًا الحياة، فيا من قامَ من بين الأمواتِ، يا ربُّ المجدُ لك.
طروباريّة الآباء باللحن الثامن
أنتَ أيّها المسيح إلهنا الفائق التسبيح، يا من أسّستَ آباءَنا القدّيسين على الأرض كواكب لامعة، وبهم هدَيتنا جميعًا إلى الإيمان الحقيقيّ، يا جزيل الرحمة المجد لك.
القنداق باللحن الرابع
يا شفيعَةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية الوَسيطة لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.
الرسالة: تيطس 3: 8-15
مباركٌ أنت يا ربُّ إله أبائنا،
لأنَّك عدلٌ في كلّ ما صنعتَ بنا
يا ولدي تيطُسُ صادقةٌ هي الكَلِمةُ وإيَّاها أُريدُ أن تقرِّرَ حتَّى يهتمَّ الذين آمنوا باللهِ في القيام بالأعمال الحسنة. فهذه هي الأعمالُ الحسنةُ والنافعة. أما المُباحَثات الهذَيانيَّةُ والأنسابُ والخُصوماتُ والمماحكاتُ الناموسيَّة فاجتنِبْها. فإنَّها غَيرُ نافعةٍ وباطلةٌ. ورجُلُ البدعَةِ بعدَ الإنذار مرَّةً وأُخرى أعرِض عنهُ، عالِمًا أنَّ مَن هو كذلك قدِ اعتَسفَ وهُوَ في الخطيئةِ يَقضي بنفسهِ على نَفسِه. ومتَى أرسلتُ إليكَ أرتماسَ أوتِيخيكوسَ فبادِرْ أن تأتيَني إلى نيكوبولِس لأنّي قد عزمتُ أن أُشتّيَ هناك. أمّا زيناسُ معلِّم الناموس وأبُلُّوسُ فاجتَهد في تشييعهما متأهّبين لئلّا يُعوزَهما شيءٌ، وليتعلَّم ذوونا أن يقوموا بالأعمال الصالِحةِ للحاجاتِ الضَّروريَّة حتَّى لا يكونوا غيرَ مثمرين. يسلّمُ عليكَ جميعُ الذين معي، سَلِّمْ على الذين يُحبُّوننا في الإيمان. النّعمةُ معكم أجمعين.
الإنجيل: متى 5: 14-19
قال الربُّ لتلاميذه: أنتم نورُ العالَم. لا يمكنُ أن تَخفْى مدينةٌ واقعةٌ على جبلٍ، ولا يُوقَد سِراجٌ ويُوضَعُ تحتَ المكيال لكِنْ على المنارة ليُضيءَ لجميع الذين في البيت. هكذا فليُضئ نورُكم قدَّام الناس ليَروا أعمالكم الصالحةَ ويُمَجدوا أباكم الذي في السماوات. لا تَظُنّوا أنّي أتيتُ لأحُلَّ الناموسَ والأنبياءَ، إنّي لم آتِ لأحُلَّ لكن لأُتممّ.
الحقَّ أقول لكم إنَّهُ إلى أن تَزولَ السماءُ والأرضُ لا يزولُ حَرْفٌ واحدٌ أو نُقطةٌ واحِدةٌ من الناموس حتى يَتمَّ الكلُّ. فكلُّ مَن يَحُلُّ واحدةً من هذه الوصايا الصغار ويُعَلّمُ الناسَ هكذا، فإنَّهُ يُدعَى صغيرًا في ملكوتِ السماوات. وأمَّا الذي يعمَلُ ويُعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات.
في الإنجيل
يأتي هذا الفصل الإنجيليّ من بشارة متّى الرسول جزءًا من العظة على الجبل التي تتناولها الإصحاحات الخامس والسادس والسابع من إنجيل متّى، وهي الشرعة الأخلاقيّة للعهد الجديد.
بعد هذا يقول السيّد: "أنتم ملح الأرض"، نتيجة حفظكم التطويبات. كذلك "أنتم نور العالم". فإذا كنتم حقًّا نور العالم، فلا بدَّ من أن يظهر نوركم، لأنَّ المستنير يُنير سواه بالضرورة.
ولكن الأهمّ من هذا هو أن يقف الناس عند نوركم ليمجِّدوا أباكم الذي في السماوات.
ولكوننا نعيِّد اليوم لآباء المجامع المسكونيّة الستّة الأولى، نتلو هذا المقطع من إنجيل متّى الذي نستهلّه بهذه العبارة: "أنتم نور العالم"، لكي نشهد أنَّ هؤلاء، والذين جاؤوا بعدهم من المعلِّمين، إنّما استضأنا بنورهم، ولا نزال نبني أنفسنا وعقولنا على تعاليمهم، وأنَّ كلَّ خروج عن هؤلاء ضلالة.
يعلِّمنا يسوع هنا أنَّه هو الذي أعطى الناموس قديمًا، وهو الآن يفسِّره بما يتجاوزه إلى الحبّ.
يقول: "لا تظنّوا أنّي أتيت لأحلَّ الناموس والأنبياء. إنّي لم آتِ لأحلَّ بل لأكمِّل". "لم آتِ لأحلَّ"، أي لأنقض أو أُبطل أو أضع ناموسًا آخر غير ناموس موسى.
الربّ يسوع واضح بقوله: لا يحقّ لإنسان أن يتلاعب بناموس كُت بوحيٍ من الله.
لذلك وبَّخ الفرّيسيّين لأنّهم حرَّفوا وصايا الله وفسَّروها بحسب ميولهم ومنفعتهم. وهذا ما يفعله كثيرون حتّى يومنا هذا.
"لكن لأتمِّم"، أي لأذهب بالعهد القديم إلى هدفه النهائيّ.
وهذا ما تحقَّق على الصليب عندما قدَّم نفسه ذبيحة، كانت هي إتمامًا لمقاصد الناموس والمحبّة المطلقة.
"فكلُّ من يحلُّ واحدةً من هذه الوصايا الصغار ويعلِّم الناس هكذا، فإنَّه يُدعى صغيرًا في ملكوت السماوات".
هذا كلام ضدّ الفرّيسيّين الذين أحصوا 613 وصيّة في كتب موسى الخمسة المسمّاة الناموس، وكانوا يفرِّقون بين وصايا كبرى لا يجوز التهاون بها ووصايا صغرى ليست بالأهمّيّة نفسها.
والربّ يريد تلميذه أن "يعمل ويعلِّم"، يريد التنفيذ الكامل والتعليم الكامل.
ولكن، بالمقابل، لم يُبقِ الربّ على أحكام الشريعة، لأنَّه أعطى تفسيرًا روحيًّا للشريعة.
فلم تعد هناك ذبائح، لأنَّه أصبح هو الذبيحة الكاملة، ولم يعد هناك هيكل، لأنَّه صار هو هيكل الله.
ولم يعد الختان رمز العهد القديم، لأنَّ رمز العهد الجديد صار المعموديّة. ولكن قبل أن تُنسخ هذه الأحكام، أدخل يسوع البشريّة في فهمٍ أعمق للشريعة، ولهذا قال: "قد سمعتم أنّه قيل للقدماء: لا تقتل... أمّا أنا فأقول لكم: كلُّ من يغضب على أخيه يستوجب الحكم".
لم يُبطل الربّ بهذا الشريعة، ولكنَّه ذهب بها إلى ما كان القصد منها، أعني المحبّة، إلى العمق حيث تنبت الشريعة الأخلاقيّة.
وهذا ما فهمه الآباء الذين نعيِّد لهم اليوم.
فعملوا به وعلَّموا، وحافظوا على التعليم الصحيح، ولم يخونوا الربّ مثل يهوذا، ومثلما يفعل كثيرون اليوم، فيبتدعون تعاليم غريبة عن الإيمان.
فقد علموا أنَّ الوديعة سُلِّمت إليهم، فحافظوا عليها، وماتوا من أجلها، وسلَّموها لنا لتنيرنا، فنصبح نورًا، وبها نُنير العالم كلَّه.
الرجاء والأمل
بين الاحتراس والأمل، ربّما يكون هنالك تلاقٍ أو فرق شاسع، حين يكون الاحتراس مقرونًا بالخوف والاضطراب، يتَّخذ حينها منحًى مختلفًا في الرؤية والعمل.
إنَّ الأهل اليوم يتوقون إلى رؤية أبنائهم في سلام وأمان أمنيّ من جهة، ومادّيّ من جهة أخرى.
وهذا أقلّ ما يمكن أن يطلبه الإنسان في وطنٍ ربّما تنتفي فيه هذه المقوِّمات. وهذا ممّا يبعث الخوف والترقّب من الآتي، والحرص يدفعك إلى قرارات مصيريّة وخيارات محدودة.
في هذه البقعة من الكرة الأرضيّة بالذات تشتدّ الأزمات والاضطرابات، وأغلب الناس يعرفون الأسباب، ولكن كلّ واحد يتعامل مع واقعه بشكلٍ مختلفٍ انطلاقًا من قناعاته الشخصيّة، أو واقعه المادّيّ والديموغرافيّ، أو منظاره الإيمانيّ، فتنعكس نتائجه على المجتمع الذي يعيش فيه.
أنظر الآن إلى معضلتين أساسيّتين يعاني منهما المؤمن المسيحيّ، ألا وهما الهجرة والإنجاب.
فكلٌّ من هاتين المشكلتين لها أسبابها ومبرِّراتها، ولكن ربّما أيضًا لها نتائجها على مستقبل المسيحيّين في الشرق.
إنَّ المنظور اللاهوتيّ المسيحيّ ينظر إلى الأرض والنسل والأمل والرجاء، ليس كخياراتٍ اجتماعيّة، بل كدعوةٍ إلهيّة ومسؤوليّة روحيّة.
رُبَّ قائلٍ إنَّه، بالطبع، الكلام يختلف عن الواقع، وإنَّ الحياة لا ترحم، وقسوة المعيشة تقيِّد الإنسان ليرزح تحت سطوتها، وبخاصّة إذا نظرنا إلى واقع الطبابة، والتعليم، والغلاء الفاحش، ولكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه أمامي كمؤمنٍ مسيحيّ:
هل يمكن أن ينتفي الإيمان أمام واقع الصعوبات؟
أم أنَّ الواقع الكنسيّ أصبح أكثر هشاشةً من ناحية الوحدة كأعضاء في جسد المسيح الواحد؟
وهل قوّة القيامة التي فينا تتلاشى أمام عاصفة الحياة؟
المقولة إنَّ "ليس لنا ههنا مدينة باقية" لا تعني عدم الالتزام بشؤون الأرض والثبات عليها، لأنَّ هذا يمنح المؤمنين الرؤية الروحيّة لمعاينة عمل الله وسط الأزمات، وهذا ناتج من الثقة بيقين القيامة.
والرجاء بالله والأمل يبدِّدان الخوف، ويمنحان المؤمن الشجاعة على تغيير الواقع إلى ما يجب أن يكون.
إنَّ البقاء في الأرض والإثمار فيها ليس تمسُّكًا بالجغرافيا، بل هو فعل عبادة حيّ، وهو إعلان بأنَّ قوّة الرجاء تتجلّى في الصمود، وتنشئة أجيالٍ جديدة تحمل شعلة الإيمان، وتزرع المحبّة والسلام في وسط التحدّيات، وتقدِّم مواطنين لملكوت السماوات.
يوميّات قندلفت في رعيّة
– الجزء الثالث
ليس كلّ من يخدم الكنيسة يقف أمام المذبح، وليس كلّ من يحمل رسالةً يعلنها بالكلام.
فهناك رسائل تُقال بالصمت، وخدمات تُرفع إلى الله قبل أن يراها البشر، وأمانات صغيرة في نظر الناس، لكنّها عظيمة في ميزان السماء.
ومن بين هؤلاء الأمناء يقف القندلفت، لا في واجهة المشهد، بل في قلبه، كمن ينسج بصمت جمال الليتورجيا، ويهيِّئ للقاء الله دون أن يطلب أن يلتفت إليه أحد.
لا يبدأ يومه حين يقرع الجرس، بل قبل ذلك بكثير. يدخل الكنيسة وهي ما تزال تحتفظ بصمت الليل، فيفتح أبوابها كما لو كان يفتح قلبه أوّلًا أمام الربّ.
يمشي بين المقاعد بخطوات يعرفها المكان، ويقترب من المذبح بخشوع من يدرك أنَّه يقترب من سرِّ الأسرار.
يلمس الأواني المقدَّسة بيدين اعتادتا الخدمة، لكنَّهما لم تعتادا يومًا على الرهبة. ففي الكنيسة لا تصبح القداسة عادة، بل ينبغي أن تتجدَّد مع كلّ صباح.
إنَّه يعرف أنَّ المذبح ليس انحناءةً في الهيكل، بل عرش الذبيحة، وأنَّ البخور ليس مجرَّد رائحة جميلة، بل صلاة تصعد نحو الله، وأنَّ الشموع ليست زينة، بل شهادة بأنَّ المسيح هو النور الذي لا ينطفئ.
لذلك، حين يرتِّب كلّ شيء، فهو لا يرتِّب أغراضًا، بل يهيِّئ الطريق لحضور الربّ وسط شعبه.
يعرف أنَّ شمعةً لم تُشعل قد تربك احتفالًا، وأنَّ كتابًا لم يُحضَّر قد يشتِّت الصلاة، وأنَّ إهمالًا صغيرًا قد يسرق من المؤمنين جمال الليتورجيا.
لذلك يعيش في عالم التفاصيل، لأنَّ الحبّ الحقيقيّ يسكن دائمًا في التفاصيل.
كم من مرَّة رتَّب الكنيسة بينما كان قلبه مثقلًا بالهموم، لكنَّه كابر على وجعه، ولم يسمح لحزنه أن ينعكس على جمال بيت الله. وكم من مرَّة حمل الكراسي والأواني والشموع، بينما كان يحمل في داخله أنينًا لا يسمعه إلّا الله.
إنَّ حياة القندلفت ليست دائمًا سهلة.
فهو يحمل أحيانًا تعبًا لا يراه أحد، ويواجه مواقف لا يسمع عنها أحد، ويبتلع كلماتٍ كثيرة حفاظًا على سلام الكنيسة. يعرف أنَّ الكنيسة، لأنَّها بيت للبشر، تحمل أيضًا ضعف البشر، لكنَّه اختار أن يحبَّها كما أحبَّها المسيح، لا لأنَّها كاملة، بل لأنَّها عروسه التي افتداها بدمه.
وفي الرعيّة، لا تخلو الأيّام من التعب. هناك من ينتقد، ومن يسيء الفهم، ومن يظنّ أنَّ الخدمة سهلة. لكن لعلَّ أجمل ما في خدمة القندلفت أنَّه يتعلَّم أن يحتجب.
ففي عالم يبحث فيه الجميع عن الظهور، يتدرَّب هو على فضيلة الاحتجاب. يفرح عندما يكون كلّ شيء جميلًا، حتّى لو لم يعرف أحد من صنع هذا الجمال.
ويفرح عندما تسير الصلاة بسلام، حتّى لو لم يذكر أحد اسمه، لأنَّه فهم سرًّا عظيمًا في الإنجيل: أنَّ اليد التي تخدم المسيح لا تحتاج إلى تصفيق الناس، بل إلى نظرة رضًى من سيِّدها.
قد لا يسمع المؤمنون صلاته، لكنَّهم يعيشون ثمارها، لأنَّ الخدمة الليتورجيّة الحقيقيّة لا تبدأ عند أوّل كلمة في القدّاس، بل تبدأ عندما يوجد قلب يعتبر أنَّ كلَّ تفصيلٍ صغير هو فعل حبٍّ لله.
فالأغطية الموضوعة بإتقان، والكأس المعدَّة بخشوع، والإنجيل المهيَّأ على المائدة، كلُّها ليست أعمالًا تقنيّة، بل اعتراف صامت بأنَّ الله يستحقّ أفضل ما لدينا.
كم يشبه في ذلك يوحنّا المعمدان حين قال: "ينبغي أنَّ ذاك يزيد وأنِّي أنا أنقص" (يوحنّا 3: 30).
فالقندلفت الحقيقيّ لا يحتلّ المكان، بل يفسح المجال للمسيح ليملأ المكان. إنَّه يعلم أنَّ نجاح خدمته يُقاس بمدى اختفائه أمام حضور الربّ، لا بمدى حضوره أمام الناس.
وكم من مرَّة وقف في زاوية الكنيسة بعد انصراف الجميع، ينظر إلى المذبح في صمت، وكأنَّه يقدِّم للربّ حساب يومه قائلًا بصمت:
هل خدمتُ بمحبّة؟
هل حافظتُ على قداسة المكان؟
هل كنتُ أمينًا في القليل؟
فهو يعلم أنَّ الربّ الذي يرى في الخفاء، لا يغفل عن كوب ماء قُدِّم باسمه، فكم بالحري عن سنواتٍ كاملة من الخدمة الأمينة.
القندلفت لا يحرس الكنيسة من الخارج فقط، بل يحرس قدسيَّتها من الداخل. يحرس النظام لأنَّه يحبّ الجمال الإلهيّ، ويحرس الصمت لأنَّه يعرف أنَّ الله كثيرًا ما يتكلَّم في الصمت، ويحرس الليتورجيا لأنَّه يؤمن أنَّ كلَّ تفصيلٍ فيها يقود النفوس إلى اللقاء بالمسيح. إنَّه ليس حارسًا للأبواب، بل حارس لذاكرة الكنيسة، ولروحها، ولوقار عبادتها.
وقد يظنّ البعض أنَّ رسالته بسيطة، لكنَّ الكنيسة تعلم أنَّ الأمانة لا تُقاس بحجم العمل، بل بقداسة القلب.
فالربّ لم يطلب من الجميع أن يعظوا، لكنَّه طلب من الجميع أن يكونوا أمناء.
وحين تنتهي السنوات، لن يسأل الربّ هذا الخادم: كم مرَّة رآك الناس؟ ولا: كم مرَّة صفَّقوا لك؟ بل سيسأله السؤال الوحيد الذي يختصر الحياة كلَّها: هل كنت أمينًا؟
ما أعظم أن يقضي الإنسان عمره كلَّه وهو يخدم بيت الله، حتّى تصبح رائحة البخور جزءًا من أنفاسه، وصوت الأجراس جزءًا من نبض قلبه، والمذبح بيته الثاني، بل بيته الأوّل.
هكذا تُكتب يوميّات القندلفت الحقيقيّ، لا بالحبر، ولا بما قيل عنه، ولا بأيّ نوع من أنواع الكلام، بل بالبخور الذي ارتفع نحو السماء، وبما سمعه الربّ في صمته، وبصوت خطوات الأقدام التي سبقت الجميع إلى الكنيسة، وبصوت المفاتيح التي حملها كلَّ صباح، وبالشموع التي أشعلها، وبالأبواب التي فتحها، وبالخدمات التي لم يعرفها أحد إلّا الله.
فطوبى لذلك الخادم الذي إذا انتهى النهار، وانطفأت الشموع، وأُغلقت أبواب الكنيسة، بقي نور واحد لا ينطفئ أبدًا، نور الأمانة.
لأنَّ الخدمة في الكنيسة ليست وظيفة، بل دعوة؛ وليست عملًا، بل ذبيحة؛ وليست حضورًا أمام الناس، بل وقوف دائم أمام الله.
وفي النهاية، سيبقى اسم القندلفت الحقيقيّ مكتوبًا، لا على لوحة في الرعيّة، بل في سفر الحياة، حيث يكافئ الربّ كلَّ من أحبَّ بيته، وخدم مذبحه، وأخفى ذاته لكي يظهر المسيح وحده.