الأحد 8 شباط 2026

الأحد 8 شباط 2026

04 شباط 2026
الأحد 8 شباط 2026
العدد 6
الأحد الابن الشاطر
اللحن الثاني، الإيوثينا الثانية


أعياد الأسبوع:

8: ثاوذوروس قائد الجيش، النبيّ زخريَّا، 9: وداع عيد الدُّخول، الشَّهيد نيكيفوروس، 10: الشَّهيد في الكهنة خارالمبوس، البارّ زينون، 11: الشَّهيد في الكهنة فلاسيوس ورفقته، الملكة ثاوذورة، 12: ملاتيوس أسقُف أنطاكية، 13: الرَّسولان برسكيلَّا وأكيلَّا، البارّ مرتينيانوس، 14: سبت الأموات، البارّ أفكسنديوس، البارّ مارون النَّاسك.
 
أيقونة الرجوع إلى حضن الآب

في إنجيل الابن الشاطر لا نقرأ قصةً من الماضي، بل ندخل سرًّا يُعاش في كل قدّاس، لأنّه مرآة النفس في مسيرتها بين التيه والعودة، بين الغربة والبيت. إنّه إنجيل الكنيسة الأمّ التي تعرف ضعف أبنائها، وتفتح ذراعيها كما الآب، لا لتُدين بل لتُحيي.

الابن الشاطر هو الإنسان حين يطلب نصيبه من الآب قبل أوانه، لا طمعًا بالمال، بل ظنًّا أنّ الحياة تُؤخذ ولا تُعاش في شركة. خرج من البيت، لا لأنّ البيت ضيّق، بل لأنّ قلبه لم يكن قد اتّسع بعد لسرّ البنوّة. وفي خروجه، حسب الحرّيّة انفلاتًا، والبعد قوّة، لكنّ الحرّيّة بلا وجه الآب تتحوّل عبوديّة، والغنى بلا بركة يصير جوعًا.

الجوع الذي أصابه لم يكن جوع الخبز، بل جوع الكلمة. فالإنسان حين يبتعد عن مصدره، يقتات بما لا يُشبع. والخنازير ليست تفصيلًا عابرًا، بل صورة السقوط إلى ما دون الكرامة، حين ينسى الإنسان أنّه مدعوّ إلى المائدة لا إلى المزبلة.

لكنّ الرحمة تبدأ من الداخل: «فرجع إلى نفسه». هذه هي التوبة: يقظة القلب وعودة الذهن إلى موضعه الطبيعيّ، إلى حضن الآب. التوبة ليست خوفًا من العقاب، بل اشتياقٌ إلى البيت. لذلك لم يحمل الابن برهانًا، بل دموعًا. ولم ينتظر الآب كمال الكلام، بل رآه من بعيد، فركض إليه، لأنّ محبّته أسرع من خطايانا.
العناق هو سرّ الكنيسة: فيه تُمحى المسافات، ويُلبس العائد الثوب الأوّل، ويُختم بخاتم البنوّة، ويُدعى إلى المائدة. أمّا الابن الأكبر، فهو صورة من سكن البيت ولم يدخل الفرح. ومع ذلك يخرج الآب إليه أيضًا، لأنّ قلب الله لا يعرف الإقصاء.

في هذا الإنجيل لا نرى إلهًا يحصي الزلّات، بل آبًا ينتظر. والبيت لا يزال مفتوحًا، والفرح مُعدًّا، والآب لا يزال يركض.

+ الأسقف قسطنطين
رئيس دير مار الياس شويا البطريركيّ

طروباريّة القيامة باللحن الثاني

عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ ببرقِ لاهوتك وعندما أقمتَ الأموات من تحتِ الثَّرى، صرخَ نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويِّين: أيُّها المسيحُ الإله معطي الحياةِ، المجدُ لك.

طروباريّة دخول السيّد إلى الهيكل باللحن الأوّل

إفرحي يا والدة الإله العذراء الممتلئة نعمةً، لأنّ منك أشرقَ شمسُ العدل المسيح إلهنا، منيرًا الذين في الظلام. سُرَّ وابتهج أنت أيّها الشيخ الصدِّيق، حاملًا على ذراعيكَ المعتق نفوسنا، والمانح لنا القيامة.

قنداق عيد دخول السيّد إلى الهيكل باللحن الأوّل

يا مَن بمولدِكَ أيّها المسيحُ الإلهُ للمستودع البتوليِّ قدَّستَ وليَدَيْ سمعان كما لاقَ باركْتَ، ولنا الآن أدركْتَ وخلَّصْتَ، احفظ رعيتَّكَ بسلامٍ في الحروب، وأيِّدِ المؤمنين الذين أحبَبْتَهم بما أنّك وحدَكَ محبٌّ للبشر.
 
الرسالة: 1 كو 6: 12-20
لتكُن يا ربُّ رَحْمتكَ علينا 
ابتهجوا أيُّها الصدّيقون بالرّبّ


يا إخوة، كلُّ شيءٍ مُباحٌ لي ولكن ليس كلُّ شيءٍ يوافق. كلُّ شيءٍ مُباحٌ لي ولكن لا يتسلَّطُ عليَّ شيءٌ. إنَّ الأطعمة للجوفِ والجوفَ للأطعمة، وسيُبيدُ الله هذه وتلك. أمَّا الجسدُ فليسَ للزِّنى بل للرَّبِّ والربُّ للجسد. واللهُ قد أقام الربَّ وسيقيمنا نحن أيضًا بقوَّته. أما تعلمون أنَّ أجسادَكم هي أعضاءُ المسيح؟ أفَآخُذُ أعضاءَ المسيح وأجعلُها أعضاءَ زانيةٍ؟ حاشا! أما تعلمون أنَّ من اقترنَ بزانيةٍ يصيرُ معها جسدًا واحدًا، لأنَّه قد قيلَ يصيران كلاهما جسدًا واحدًا. أمَّا الذي يقترنُ بالرَّبّ فيكون معه روحًا واحدًا. اهربوا من الزِّنى، فإنَّ كلَّ خطيئةٍ يفعلُها الإنسانُ هي في خارج الجسد، أمّا الزّاني فإنَّه يخطئ إلى جسدِه. ألستم تعلمون أنَّ أجسادَكم هي هيكلُ الرُّوح القدس الذي فيكم، الذي نلتموه من الله، وأنَّكم لستم لأنفُسِكم لأنَّكم قد اشتريتم بثمن؟ فمجِّدوا الله في أجسادِكم وفي أرواحكم التي هي لِلَّه.

الإنجيل: لو 15: 11-22

قال الربُّ هذا المثل: إنسانٌ كان له ابنان. فقال أصغرهُما لأبيه: يا أبتِ أعطني النَّصيبَ الذي يخصُّني من المال. فقسم بينهما معيشته. وبعد أيّام غيرِ كثيرةٍ جمعَ الابنُ الأصغرُ كلَّ شيءٍ لهُ وسافر إلى بلدٍ بعيدٍ وبذَّر مالَه هناك عائشًا في الخلاعة. فلمّا أنفقَ كلَّ شيءٍ، حدثت في تلك البلدِ مجاعةٌ شديدة، فأخذَ في العَوَز. فذهب وانضوى إلى واحد من أهل ذلك البلد فأرسله إلى حقوله يرعى خنازير. وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازيرُ تأكله فلم يعطهِ أحد. فرجع إلى نفسه وقال: كم لأبي من أُجراء يفضلُ عنهم الخبزُ وأنا أهلك جوعًا. أقوم وأمضي إلى أبي وأقول له: يا أبتِ، قد أخطأتُ إلى السَّماء وإليك، ولستُ مستحقًّا بعد أن أُدعى لك ابنًا، فاجعلني كأحد أُجرائِك. فقام وجاء إلى أبيه. وفيما هو بعدُ غيرُ بعيد، رآه أبوه فتحنَّن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عُنقه وقبَّله. فقال له الابنُ: يا أبتِ قد أخطأتُ إلى السَّماء وأمامك ولستُ مُستحقًّا بعد أن أُدعى لك ابنًا. فقال الأبُ لعبيده: هاتوا الحُلَّة الأولى وألبسوه، واجعلوا خاتمًا في يده وحذاءً في رجليه. وائتوا بالعجل المُسمَّن واذبحوه فنأكلَ ونفرحَ، لأنَّ ابني هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًّا فوُجد، فطفقوا يفرحون. وكان ابنُه الأكبرُ في الحقل. فلمّا أتى وقرُب من البيت سمع أصوات الغناء والرقص. فدعا أحد الغِلمان وسأله ما هذا؟ فقال له: قد قدم أخوك فذبح أبوك العجل المسمّن لأنّه لقيه سالمًا. فغضب ولم يُرِدْ أن يدخل. فخرج أبوه وطفق يتوسّل إليه. فأجاب وقال لأبيه: كم لي من السنين أخدمك ولم أتعدَّ لك وصيَّة فلم تعطني قطّ جديًا لأفرح مع أصدقائي. ولمّا جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمّن. فقال له: يا ابني، أنت معي في كل حين، وكلُّ ما هو لي فهو لك. ولكن كان ينبغي أن نفرح ونُسرّ لأنَّ أخاك هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالًّا فوُجِد.
 
في الإنجيل
 
لقد وصلنا أيّها الأحبّاء إلى الأحد الثاني من فترة التريودي بعد أحد الفرّيسيّ والعشّار، وهو أحد ابن الشاطر، هذا الابن الضالّ الذي شطر ميراث أبيه إلى قسمين وأخذ نصيبه وسافر إلى بلد بعيد، هاجرًا بيت أبيه، وهناك بدّد ماله كلّه على أهوائه وشهواته، عائشًا في الخلاعة والملذّات... لقد انقاد إلى الجسدانيّة أي إلى أهواء هذا العالم وملذّاته، والطَّريق إليها هو المال "أصل كلّ الشرور" فيجعلها وفيرة، ولكنّ عاقبتها التَّمرُّغ في أوحال البَهيميَّة والغرائز الحيوانيَّة الَّتي تُسَيْطر على الإنسان حين يفقد روح الله.

هذه هي "حضارة" اليوم التي جوهرها الخلاعة والانحلال الأخلاقيّ بسبب هجران الإنسان لله من خلال إشباع شهواته الَّتي لا تشبع، وبذلك يصل إلى الفراغ الكيانيّ أي طمس صورة الله فيه، عوض أن يصل إلى إفراغ ذاته أي تجلِّي صورة الله فيه.
 
كيف الطريق إلى الخلاص؟

لا خلاص لنا من هذه الحالة المزرية إلاّ بالتوبة، والعودة إلى الذات، وهذا الابن الضالّ، بعدما بدّد ماله، وجاع، عاد إلى ذاته، وتذكّر حينئذ أباه، وبيت أبيه وكيف يفضل الطعام عن الخدم.

التوبة هي أن يستعيد الإنسان صحّته الروحيّة عبر عودته الصادقة إلى حضن الآب السماويّ، وهي ليست خيارًا بل ضرورة، لأنّنا لم نُخلَق للموت بل للحياة الأبديّة.
 
هل يقبل الله توبتنا؟

في إنجيل اليوم نرى الأب ينتظر ابنه من بعيد بشوق وحرقة، وعندما رآه ركض نحوه وارتمى عليه حاضنًا إيّاه وقبّله فرحًا، هكذا أبونا السماويّ ينتظر بلهفة توبتنا وعودتنا إليه والملائكة يفرحون أيضًا، "ويكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب".
 
لماذا هذا الإنجيل يقرأ اليوم؟

وضعت لنا الكنيسة المقدّسة هذا المثل، ونحن على مقربةٍ من الصوم الأربعينيّ المقدّس، لتدعونا إلى العودة إلى أحضان الآب بالتوبة والمحبّة، ولتعلّمنا أيضًا أن محبّة الله واسعة وغير محدودة، ولا يستطيع أيّ عقل بشريّ أن يدركها. هذه المحبّة الأبويّة تجلّت بأجمل صورها مع أبٍ لا يكتفي بالمسامحة بل ينتظر عودة ابنٍ ضلّ الطريق وعاد، "وكان ميتًا فعاش"

فلنسرع يا أحبّاء مجاهدين بالتوبة لنعود "أبناء" إلى أبينا السماويّ عاملين مشيئته بطاعة وصاياه المحيية، ولا نكون كالابن الحسود متذمّرين من رحمة الله ومحبّته، طالبين أجرةً "كالخدّام والأجراء".
 
أحد الابن الشاطر للقدّيس لوقا المعترف

إنَّ مثَلَ الابن الشاطر، المؤثّر بعمق، والمنير بنور محبَّة المسيح الإلهيَّة، ينطبق قبل كلَّ شيء، وأكثر من أيّ شيء، عليكم أنتم أيُّها الشَّباب. في هذا المثل يبيّن لنا الربّ يسوع المسيح كم يضلّ الشُّبَّان الطَّريق مرارًا، وكم يتبعون طريق الهلاك. فهذا الابن الأصغر سلك طريق الهلاك القاسي، إذ ملَّ من بيت أبيه، وطلب الحرّيّة، وأراد أن يرتّب حياته بحسب مشيئته الخاصة.

فطلب من أبيه أن يعطيه نصيبه من الميراث، ثمّ مضى به إلى كورة بعيدة. وهناك، في سعيه وراء اللَّذة، وفي طلبه اللهو والمتعة، بدّد ممتلكاته عائشًا في الفساد، وبدأ يجوع، ثمّ انتهى به الأمر إلى أن يرعى الخنازير. وإذ اشتدَّ به الجوع، كان يشتهي أن يأكل من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلم يعطوه حتّى ذلك. فانحدر إلى أدنى درك، وبلغ حالًا بهيميَّة، عائشًا في صحبة الخنازير.

ومن الطبيعيّ أن يسعى الشبّان، بسبب جهلهم الحياة وعدم إدراكهم لخطورتها، إلى اللذة واللهو والفرح. فهم لا يريدون أن يعرفوا الألم والصعوبات، وينجذبون بكلِّ قوَّتهم إلى الفرح والمتعة والتسلية، كما تنجذب الفراشات إلى النّار ليلًا، فتحترق أجنحتها وتسقط.

فإذا وجّه الإنسان كلّ أفكاره وكلّ طموحاته نحو التسلية والفرح، ونسي واجباته الصعبة تجاه الناس، وتجاه والديه ومجتمعه، وقبل كلّ شيء تجاه الله، فإنّ الله يتركه. وفي دوّامة اللَّهو، وفي دوّامة اللذة، ينسى الله نسيانًا كاملًا. وكلّ من ينسى الله يقع تحت سلطان الأهواء، وتحت سلطان الشرير. وفي هذه الدوامة من الأهواء، يهبط الإنسان مقتربًا شيئًا فشيئًا من الحالة البهيميّة، ويجد نفسه في مجتمع من الناس يشبهون قطيع الخنازير الذي عاش فيه الابن الشاطر، مجتمع لا يعرف شيئًا مقدّسًا، أناسٍ جهلة، فارغين، مثقلين بكلّ الرذائل.

وهناك كثيرون، بعدما انحدروا إلى هذا المستوى الأخلاقيّ المتدنّي، جرّوا حياتهم بقلوب فارغة، وأفكارٍ خاوية، وعاشوا حياة فاسدة للغاية، حياة دنيئة للغاية.
هنا، يبيّن لنا الربّ يسوع المسيح هؤلاء الشبّان الذين سقطوا أخلاقيًّا إلى اليأس، ويُظهر الطريق التي بها يجب أن يخلصوا. فهو يقول إنّ الابن الشاطر، بعدما بلغ حالة بائسة كهذه، وعاش في صحبة الخنازير، استفاق، وعاد إلى رشده، وقال في نفسه: «ماذا أفعل أنا الأحمق؟ إنّني أموت جوعًا، بينما لأبي خبز يكفي كلّ عبيده! أقوم وأرجع إلى أبي، وأتوب، وأقول له: لستُ مستحقًّا بعد أن أُدعى ابنك، لأنّي ابن شاطر؛ اقبلني كأحد أجرائك». وهكذا سلك الابن الشاطر طريق التوبة. وانظروا كيف قبله أبوه.

الأبُ في هذا المثل يمثّل الله نفسه. فبأيّ فرح عظيم، وبأيّ محبَّةٍ عظيمة، يقبل الأبُ الابنَ الضَّالّ!

وقال الربّ يسوع المسيح إنّ في ملكوت السماوات فرحًا عظيمًا بخاطئ واحد يتوب، فرحًا عند الله، كما كان الفرح عند والد هذا الابن الشاطر.
وهكذا، بذراعين مفتوحتين، يقبل الربّ كلّ خاطئ تائب يترك طريق الهلاك، الطريق الواسع، الذي يسير فيه كثيرون سعيًا وراء بركات الحياة ولذّات العالم وأفراحه. أمّا الذين لا يريدون أن يسلكوا هذا الطريق، فقد أراهم الربّ طريقًا آخر ضيّقًا. إذ قال لتلاميذه، ومن خلالهم لنا نحن جميع المسيحيّين: «في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا، أنا قد غلبتُ العالم» (يوحنّا 16: 33).

فإذا كان الربّ نفسه يقول إنَّ الحياة في هذا العالم هي حياة حزن، فماذا يفعل أولئك الذين يرفضون الحزن ويطلبون الفرح فقط؟ إنّهم يسيرون في الطريق الشائك الواسع الذي يؤدّي إلى الهلاك، فيهلكون. وكثيرون، عدد لا يُحصى من الشبّان، يهلكون هكذا، إذ يشبهون الفراشات التي لا تسعى إلّا إلى النار فتحترق.
حين لمسَت يدُ الله الخلاصيَّة الابن الشاطر، أبصر فجأة وفهم عارَ حياته الفاسدة والمخزية.

لقد أحرق الخزي قلبه على سقوطه، وكان الندم المُعذِّب يجعله يُطأطئ رأسه وينظر إلى نفسه بعيني قاضٍ.
إنّ الخزي، وصوت الضمير العالي القريب منه، أوقفاه في طريق الهلاك.

إنّ صوت الضمير الهادئ يمكن أن يُخمَد إذا اختار الإنسان طريق الشرّ، وهو الطريق الذي يحاول فيه ضميره أن يوقفه. ولكن يمكن أيضًا تقوية هذا الصوت، بل يمكننا أن نجعله مرشد حياتنا، إذا كنّا نصغي إليه دائمًا بحساسيّة وانتباه.

وهكذا يمكن للخجل أن يتحوّل إلى أداة خلاصيّة توقفنا عن طرق الخطيئة، تلك الطرق التي، من دون هذا التوقّف، نفقد عليها، من حيث لا نشعر، كرامتنا الأخلاقيّة شيئًا فشيئًا.

فما الذي نحتاج إليه لكي نقوّي بلا كلل، ونعمّق، وننمي في قلوبنا الصوت الخلاصيّ للخجل؟
لكي نبلغ ذلك، يجب أن نتعلّم أن نراقب أنفسنا بلا فتور، وأن ننظر إلى ذواتنا بعيون فاحصة كما ينظر إلينا الناس من حولنا. فأنتم تعرفون كم هي حادّة أبصاركم في ملاحظة العثرات الأخلاقيّة ورذائل الآخرين، وتعرفون في الوقت نفسه كم تكون أعينكم عمياء في عمل مراقبة ذواتكم!!
فكيف نتخلّص من هذا العمى القاتل؟ وكيف نتعلّم أن ننظر إلى أنفسنا بعيني قاضٍ نزيه وصارم؟

كما في كلّ أمر صعب ومهمّ، ينبغي هنا أيضًا أن يتعلّم الإنسان وأن يعتاد على المراقبة الدائمة لنفسه.
لقد أعطانا كثير من الآباء القدّيسين نصيحة بالغة الأهمّيّة: كلّ يوم، قبل أن تخلدوا إلى النوم ليلًا، اجلسوا وتذكّروا جميع أعمالكم، وأقوالكم، بل وحتّى أفكاركم السيّئة ولو كانت طفيفة، واطلبوا من الله المغفرة.

ولكن يمكنكم أن تضعوا لأنفسكم مهمّة أعظم من ذلك: لا في آخر النهار فقط، بل طوال اليوم، راقبوا باستمرار جميع تصرّفاتكم، وقبل كلّ شيء لسانكم الذي يخطئ بلا انقطاع.

نحن جميعًا، نعم نحن جميعًا، نشبه الابن الشاطر. فنحن جميعًا نسعى وراء اللذّات، ويصعب علينا جميعًا أن نخدم الروح. لا نريد أن نصوم، ولا نريد أن نصلّي زمنًا طويلًا، ولا نريد أن نركّز أفكارنا على وصايا المسيح.

لا نضع صليب المسيح دائمًا أمام أعيننا. ولا نرى باستمرار إلهنا المتألّم بالجسد، الذي سفك دمه في عذاب مروّع على الصليب من أجل خلاصنا.
نصلّي إلى الله، نذكره، ثم ننساه من جديد.

هكذا كان يعيش الابن الأصغر الذي انغمس كلّيًّا في خدمة الجسد مع الخنازير، فعاش بين أناس غرباء تمامًا عن خدمة الروح، وقد انحدروا إلى أسفل الدرجات.
أفلا يجدر بنا أن نعيش مع الذين هم أقرب إلى الله؟ أفلا ينبغي لنا أن نرجع إلى رشدنا، كما رجع الابن الشاطر إلى رشده، فنترك خدمة الجسد، وبكلّ قلوبنا، بتوبة عميقة، نعود إلى الآب السماويّ قائلين: يا أبتِ، لقد أخطأتُ إلى السماء وقدّامك، وها أنا آتيك الآن بتوبة. لا تقبلني وارثًا، بل اقبلني عبدًا لك.
وإن فعلنا ذلك، فسيحصل ما ورد في المثل: إنّ الآب السماويّ نفسه سيسرع نحونا، نحن التائبين، فيحتضننا نحن الشطّار الملعونين، ويغفر لنا كلّ شيء، ويقيم وليمة، وليمة فرح، لأنّه قيل إنّ في السماء فرحًا عظيمًا بخاطئ واحد يتوب.

فلنكن جميعًا هكذا، خطأة تائبين، والله، الذي هو محبّة وغفران، سيفتح لنا ذراعيه.
ولتكن جميع أفكارنا موجّهة إليه. ولنكرّس حياتنا له!