الأحد 9 آب 2026
06 آب 2026
الأحد 9 آب 2026
العدد 32
الأحد العاشر بعد العنصرة
اللحن الأول، الإيوثينا العاشرة
أعياد الأسبوع:
9: الرَّسول متيَّاس، البارّ بسوبي، 10: الشَّهيد لَفرنديوس رئيس الشَّمامسة، 11: الشَّهيد آفبلُس الشمَّاس، نيفن بطريرك القسطنطينيَّة، 12: الشَّهيدان فوتيوس وأنيكيتس، 13: وداع التجلِّي، نقل عظام مكسيموس المعترف، دوروثاوس أسقُف غزَّة وتلميذه دوسيثاوس، تيخن زادونسكي، 14: تقدمة عيد الرُّقاد، النَّبي ميخا، 15: رقاد سيِّدتنا والدة الإله الفائقة القداسة.
بين المِرآةِ الذهبيّةِ وصدإ الأنا: في تربية الأسرة إيمانًا وأخلاقًا
يقول القدّيس يوحنّا فم الذهب، في عظته الخالدة عن المجد الباطل وتربية الأولاد، إن نفس الطفل مدينةٌ حديثة البناء، وإنّ الأب راعٍ وملكٌ عليها، مسؤولٌ عن أبوابها وأسوارها، عن كلّ ما يدخل إليها وما يخرج منها. صورةٌ نبويّة رآها القدّيس قبل ستّة عشر قرنًا، لكنّها اليوم أشبه بتشخيص دقيق لجرحٍ ما زال ينزف: مدننا الداخليّة، نفوس أبنائنا، باتت أبوابها مشرَعة على مصراعيها لكلّ ريح، بينما نحن، الآباء والأمّهات، تخلّينا عن الحراسة.
نعيش اليوم في مجتمعٍ يقدِّم المال والسلطة والمظهر آلهةً جديدة، ويُقصي منه، شيئًا فشيئًا، أبسط الفضائل: التواضع، والإصغاء، والرحمة.
فالإنسان المعاصر، المشغول بذاته إلى حدّ التوحّد الروحيّ، لم يعد يعرف كيف يصغي، لأنّه صار مركز كونه الخاصّ، لا يرى فيه إلّا صورته هو. وحين تغيب القدرة على الإصغاء، يغيب معها الحوار، وتحلّ محلّه المواجهة؛ ويغيب التواضع، فتسود الكبرياء التي هي، بحسب القدّيسين، أمّ كلّ الخطايا وجذرها الخفيّ. أو ليس هذا ما حذّر منه فم الذهب حين وصف “المجد الباطل” كوحش يمزّق جسد الكنيسة الواحد إلى أعضاءٍ متناثرة، ويُفسد المحبّة التي هي عماد كلّ اجتماعٍ بشريّ؟
والأسرة، في قلب هذه العاصفة، هي خطّ الدفاع الأوّل، لا لأنّها مؤسّسة اجتماعيّة فحسب، بل لأنّها الكنيسة الصغيرة، المكان الذي فيه تُغرس بذرة الإيمان قبل أن تُغرَس بذرة العلم. فم الذهب يقول للأب: “أنت أوّل من يستفيد، إن كان لك ابن صالح، ثم الله من بعدك”.
وهذا هو سرّ التربية المسيحيّة: أن نربّي أولادنا لا لنُباهي بهم أمام الناس، بل لنُقدّمهم لله “رياضيّين” في الفضيلة، أبطالًا في الحقّ، لا في المظهر.
لكنّ التربية لا تبدأ من الأبناء، بل من توبة الآباء. فكيف نعلّم أولادنا التواضع ونحن نعيش في زهوٍ متواصل؟ وكيف نُعلّمهم الإصغاء ونحن لا نُصغي لا إلى الله ولا إلى بعضنا بعضًا؟
إنّ إصلاح العالم، كما تعلّمنا الكنيسة، لا يبدأ من إصلاح الآخرين، بل من ترميم الذات: من التوبة الصادقة التي تنسحق أمام الله، ومن الاعتراف الذي يغسل النفس، لا بالخوف، بل بدموع المحبّة. ودموع التوبة هذه ليست لخلاصنا الفرديّ وحده، بل، كما علّمتنا روحانيّة الكنيسة الشرقيّة، هي صلاةٌ من أجل العالم أجمع، لأنّ من يطهّر قلبه الواحد إنّما يُسهم في طهارة الكون كلّه.
فلنُدقّ اليوم ناقوس الخطر: أسرةٌ لا تُصلّي معًا، لا تصوم، ولا تجلس أمام أيقونة الربّ في المساء لتحكي قصص القدّيسين، هي أسرةٌ تُسلّم أبناءها إلى عالمٍ لا يرحم.
ولنعُد، كما دعانا فم الذهب، إلى الأبواب الذهبيّة: اللسان الطاهر، والسمع النقيّ، والعين المتواضعة التي لا تحسد ولا تتكبّر. فالتربية الحقيقيّة ليست في الثوب الفاخر ولا في المكانة الاجتماعيّة، بل في"التزيّن بالأعمال الصالحة"، كما قال القدّيس.
طروباريّة القيامة باللحن الأوّل
إنّ الحجر لمّا خُتم من اليهود، وجسدك الطاهر حُفِظَ من الجند، قمت في اليوم الثالث أيّها المخلِّص، مانحًا العالم الحياة. لذلك، قوّات السماوات هتفوا إليك يا واهب الحياة: المجد لقيامتك أيّها المسيح، المجد لملكك، المجد لتدبيرك يا مُحبَّ البشرِ وحدك.
طروباريّة التجلّي باللحن السابع
لما تجلَّيتَ أيُّها المسيح الإله في الجبل أظهرَتَ مجدَك للتلاميذ حسبما استطاعوا، فاشرقْ لنا نحنُ الخَطأة نورَك الأزليّ بشفاعات والدة الإله، يا مانحَ النور المجدُ لك.
قنداق التجلّي باللحن السابع
تجلَّيت أيّها المسيحُ الإله في الجبل، وحسبما وسعَ تلاميذَكَ شاهدوا مجدَك، حتّى، عندما يعاينونَكَ مصلوبًا، يفطنوا أنّ آلامَكَ طوعًا باختيارك ويكرزوا للعالم أنّك أنتَ بالحقيقةِ شعاعُ الآب.
الرسالة: 1 كو 4: 9-16
لتكُنْ يا ربُّ رحمتُكَ علينا
ابتهجوا أيُّها الصدّيقون بالربّ
يا إخوةُ، إنَّ الله قد أبرزَنا نحنُ الرسلَ آخِرِي الناسِ كأنَّنا مجعولونَ للموت. لأنَّا قد صِرنا مَشهدًا للعالم والملائكةِ والبشر. نحنُ جهَّالٌ من أجلِ المسيحِ، أمَّا أنتمُ فحكماءُ في المسيح. نحنُ ضُعَفاء، وأنتم أقوياءُ. أنتم مُكرَّمون، ونحن مُهانون. وإلى هذه الساعةِ نحنُ نجوعُ ونَعطَشُ ونَعْرى ونُلطَمُ، ولا قرارَ لنا، ونَتعَبُ عامِلين. نُشتمُ فَنُبارِك. نُضطَهدُ فنحتمل. يُشنَّعُ علينا فَنَتضَرَّع. قد صِرنا كأقذارِ العالم وكأوساخٍ يستخبِثُها الجميعُ إلى الآن. ولستُ لأخجِلَكُم أكتبُ هذا، وإنَّما أعِظُكُم كأولادي الأحبَّاءِ. لأنَّه ولو كانَ لكم ربوةٌ منَ المُرشدينَ في المسيح فليسَ لكم آباءٌ كثيرون. لأنّي أنا وَلَدْتكم في المسيحِ يسوعَ بالإنجيل. فأطلبُ إليكم أن تكونوا مقتَدِينَ بي.
الإنجيل:
متّى 17: 14-23 (متّى 10)
في ذلك الزمان دنا إلى يسوعَ إنسانٌ فجثا لهُ وقال يا ربُّ ارحمِ ابني فإنَّهُ يُعذَّبُ في رؤوسِ الأهِلَّةِ ويتألَّم شديدًا لأنَّهُ يقعُ كثيرًا في النار وكثيرًا في الماءِ، وقد قدَّمتُهُ لتلاميذِك فلم يستطيعوا أنْ يَشْفوهُ فأجاب يسوع وقال: أيُّها الجيلُ غيرُ المؤمنِ الأعوجُ إلى متى أحتملكم. هلَّم بهِ إليَّ إلى ههنا، وانتهرهُ يسوعُ فخرجَ منهُ الشيطانُ وشُفي الغلامُ من تلكَ الساعة، حينئذٍ دنا التلاميذُ من يسوعَ على انفرادٍ وقالوا لماذا لم نستطِعْ نحن أنْ نُخْرِجَهُ، فقال لهم يسوع لِعَدمِ إيمانِكم. فإنّي الحقَّ أقولُ لكم: لو كانَ لكم إيمانٌ مثلَ حبَّةِ الخردلِ لكنتمُ تقولون لهذا الجبلِ انتقِلْ من ههنا إلى هناك فينتقِلُ ولا يتعذَّرُ عليكم شيءٌ وهذا الجِنس لا يخرجُ إلاَّ بالصلاة والصوم، وإذ كانوا يتردَّدون في الجليل قال لهم يسوع إنَّ ابنَ البشر مزمعٌ أن يُسلَّمَ إلى أيدي الناس فيقتلونهُ وفي اليوم الثالث يقوم.
في الإنجيل
أتت حادثة هذا الابن المصاب والمتألّم، وأبيه المفجوع على ابنه، لتكشف للتلاميذ نقطة ضعفهم الكبيرة، ألا وهي "عدم إيمانهم" ... وقد ظهرت حالة عدم الإيمان عندما لم يستطيعوا شفاء الولد وطرد الشيطان منه... هذه الحالة التي أمامهم فضحتهم فاستحقوا توبيخ الربّ الذي شمل جميع الحاضرين مع الأب أيضًا "أيّها الجيل غير المؤمن"...
فرغم أنّ الربّ يسوع أعطاهم السلطان لشفاء المرضى وطرد الشياطين، إلّا أنّ هذا السلطة لا تكفي وحدها، إذا لم تكن حالتهم الروحيّة مكتملة بالإيمان بيسوع المسيح، لذلك تساءلوا "لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟"، إذ ذاك قال لهم: "لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من ههنا إلى هناك فينتقل".
ما هو الإيمان؟
"الإيمان هو الثّقة بما يرجى والإيمان بأمور لا تُرى" (عبرانيّين1:11).
الإيمان هو الثقة بالله وبكلّ ما قاله عن نفسه وعن أعماله وبكلّ ما كشفه لنا بالإنجيل، وبخاصّةٍ موتُه وقيامتُه.
الإيمان هو أن أتواضع في ذاتي أمام الله ولا أنسب إلى نفسي شيئًا بل لله، قوّتي ومعونتي من عنده، "معونتي من عند الربّ الذي صنع السماء والأرض"، حياتي منه، "لأنّ به نحيا ونتحرّك ونوجد"
أفكاري أفكاره، "فليكن فيكم الفكر الذي في المسيح يسوع" (فيليبي)، أعمالي لتمجيده، "مجّدوا الربّ يا جميع أعماله"
المؤمن يستمدّ قوّته من المسيح ولا ينسبها إلى نفسه، وهذا يتطلّب جهادًا: لأنّ "هذا الجنس لا يخرج إلّا بالصلاة والصوم".
الصلاة والصوم هما جناحان للمؤمن الحقيقيّ لا يستطيع التحليق في أعمال الله من دونهما، وهما مرتبطان.
الصلاة: لكي تكون صلتنا بالله وحده، عبر الكلام معه والتضرّع إليه وحده، وشكره وتمجيده على كلّ ما أعطاه لنا، هي طعامنا الروحيّ الأساسيّ، من دونها لا يمكن الاتّحاد بالله.
الصوم: هو التخلّي عن "الأنا" الذي في داخلي، عن محوريّة ذاتي عن أهوائي، وجعل الله وحده محور حياتي، وليس ذاتي.
الصلاة والصوم يكسبان المؤمن التواضع أمام الله، فيستطيع عندئذ أن يستقبل من الله القوّة والقدرة على "نقل الجبال"، جبال كبريائنا وخطايانا أوّلًا، "وعلى شفاء المرضى وطرد الشياطين" شياطين أهوائنا وشهواتنا أوّلًا.
وأيضًا "أستطيع كلّ شيء ولكن بالمسيح الذي يقوّيني!" (بولس الرسول)
اليوم يطلب منّا الربّ يسوع أن يكون لدينا هذا الإيمان وأن نغذّيه باستمرار بالصلاة والصوم، وأيضًا بمطالعة الكتاب المقدّس وسير القدّيسين، وهكذا يكون المسيح هو كلّ شيء في حياتنا، فيقدّسنا ويجعلنا معه في ملكوته السماويّ. آمين.
موسى وإيليّا
تعالوا نتأمّل في إحدى التّراتيل التي تَرِدُ في صلاة غروبِ عيد التجلّي:
"أيّها المسيح، إنَّ موسى المُعايِنَ الله، وإيليّا البَهِيَّ ذا المركبةِ النّاريّة، المُسارِعَ نحوَ السَّماءِ بِلا احتِراق، لمّا عايَناكَ حِينَ تَجَلِّيكَ في السَّحابة، شَهِدا أَنّكَ واضِعُ النّامُوسِ وَالأنبياء. فَمَعَهُما أَهِّلْنا نحن أيضًا لِنُورِكَ أيّها السيّد، لِنُسَبِّحَكَ على مدى الدُّهُور".
- يُذكَرُ في هذه التّرتيلةِ النّبيّان العظيمان موسى وإيليّا، اللَّذانِ ظَهَرا في حادثةِ تجلّي ربّنا يسوعَ المسيح على جبل ثابور، وكانَا يتحادَثانِ معَهُ عن آلامِهِ وقيامتِه.
- لماذا موسى وإيليّا من بين سائرِ الأنبياء؟
- موسى هو الّذي تقبَّلَ الشّريعةَ، يأتي لِيَخدمَ المسيحَ مُعطِيَ الشَّريعة، معترِفًا بِسِيادَتِهِ وَبِتَدبيرِهِ الخَلاصِيّ. وإيليّا هو الّذي رَدَّ الشّعبَ عَن عبادةِ البَعلِ إلى عبادةِ الإلهِ الحقيقيّ.
- كلاهُما غَضِبَ مِن انحرافِ شَعبِ اللهِ إلى عبادةِ الأصنام، وَكِلاهُما رَدَّ الشَّعبَ عن ضَلالِه.
- في هذه التّرتيلةِ تُذكَرُ لِمُوسى صِفَةٌ واحدةٌ "المُعايِن الله"، مُصَوِّرَةً عظمتَهُ من ناحيةِ استحقاقِهِ معاينةَ العُلّيقةِ الملتهبةِ من دونِ احتراق، والتكلُّمَ معَ الله؛ وَيُنسَبُ إلى إيليّا البَهاءُ، لأنّهُ صَعِدَ إلى السَّماءِ على مركبةٍ نارِيّةٍ من دونِ احتراق".
- كِلاهُما لَم يُدفَنْ، إذْ مُوسى اختفى وَلَم يُعرَفْ لَهُ قَبر، وإيليّا حَلَّ ضيفًا على السَّماءِ دُونَ أن يَختَبِرَ انحلالَ الجَسَد.
- موسى كان القائدَ والمُنقِذَ للشَّعب، وإيليّا أقامَ مَيتًا، وَحبسَ المطرَ لِمُدَّةِ ثلاثِ سنينَ وستّةِ أشهُر، وَأعادَ المطرَ حِينَ شاء.
- لِكُلٍّ منهما دالّةٌ عظيمةٌ عندَ الله.
- كِلاهُما عايَنُ اللهَ بِطريقةٍ عجيبة، لذلك جاءا في حادثةِ التّجلّي لِيَتمتَّعا بِمُعايَنَتِهِ وَجهًا لِوَجه، وَلِيَعتَرِفا لَهُ بِالفَضلِ في تحقيقِ نُبُوءاتِهِما وَنُبُوءاتِ سائرِ الأنبياء فيما يتعلّقُ بِتَجَسُّدِه، وَلِيُقَدِّما لَهُ الطّاعةَ وَالسُّجُودَ الواجِبَين.
وَهُما يُمَثِّلانِ العهدَ القديمَ كُلَّهُ: النّاموس (موسى) والأنبياء (إيليّا). فَكُلُّ الأنبياءِ مُمَثَّلُونَ في حادثةِ التجلّي. العهدُ القديمُ كُلُّهُ جاءَ لِيَعتَرِفَ بِأُلُوهَةِ الرَّبِّ يَسُوع، وَيُشِيدَ بِتَدبيرِهِ الخَلاصِيّ.
- حضورُ موسى وايليّا دليلٌ على أهمّيّة دَورِ النّامُوسِ والأنبياءِ في التّهيِئَةِ لِمَجِيءِ المسيحِ المخَلِّص، وفي الوقتِ نفسِهِ تأكيدٌ على انتهاءِ هذا الدَّور بِحُضُورِ السيّدِ شخصيًّا، "الذي بِيَدِهِ المِذْرى وَيُنَقِّي بَيدَرَهُ" (لو3: 17؛ متّى3: 12).
- يَسُوعُ هُوَ مَركزُ التّاريخِ ومَصدَرُ الحياة، وَبِيَدِهِ خَلاصُ البَشَرِيّة. هو الابنُ الحبيبُ الذي بِهِ سُرَّ اللهُ الآب، ولَهُ يَجِبُ أن يَسمَعَ المؤمنون، لا لِمُوسى ولا لإيليّا فيما بَعدُ. النّامُوسُ والأنبياءُ قادُونا إلى المسيح.
انتهى عهدُ الحَرْفِ وابتَدأَ عهدُ الرُّوح. زالَ زَمانُ العُنفِ وحَلَّ زَمانُ الحُبِّ وَاللُّطف.
- إذا عُدْنا إلى التّرتيلةِ الّتي نحنُ بِصَدَدِها، نَرى أنَّها تُشَدِّدُ على السَّحابة (لَمّا عايَناكَ حِينَ تَجَلِّيكَ في السَّحابة). فما هُوَ دَورُ السَّحابةِ في حادثةِ التجلّي؟
- علينا أن نَعرِفَ أنَّ السّحابةَ الّتي تَظهَرُ لِتَحجُبَ مَجدَ اللهِ ليست سحابةً طبيعيّة.
ففي العهد القديم كان الربُّ" يَستَعلِنُ بِمَجدِه في السَّحاب: "ها أنا آتٍ إليكَ في ظَلامِ السَّحاب" (خر19: 9)؛ "فإذا مَجدُ الرَّبِّ قد ظَهَرَ في السَّحاب" (خر16: 10)؛ و"كانَ لَمّا خرجَ الكهنةُ مِنَ القُدْسِ أنَّ السَّحابَ مَلأَ بَيتَ الرَّبّ" (1مل 10:8).
وفي العهد الجديد، نقرأُ أنَّ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ عندَ صُعُودِهِ، أَخْفَتْهُ سَحابَةٌ عَن أَعْيُنِ الرُّسُل" (أع1: 9). وفي مجيئِهِ الثّاني الرّهيب سيَأتي معَ السَّحاب (رؤ1: 7). "ثُمَّ نحنُ الأحياءَ الباقِين، سنُخطَفُ جميعًا معَهُم في السُّحُب، لِمُلاقاةِ الرَّبِّ في الهواء" (1تس 17:4).
- وأخيرًا، نقرأُ في العهدِ القديمِ أنَّ عمودَ السَّحابِ كان رمزًا لِوُجُودِ اللهِ وسطَ شعبِهِ وقِيادَتِهِ لَهُم، إذْ كانَ عمودُ السَّحابِ يَمشي معهم في النّهارِ لِيَهدِيَهُم الطّريق.
-
- فَيا رَبَّنا الإلهَ المُتجَسِّدَ من أجلِ خَلاصِنا، لا تَحرِمْنا مِن معاينةِ نُورِ مجدِكَ الّذي لا يُوصَف، وَاستُرْنا بِسَحابةِ رحمتِكَ الواسعة، لئلّا نحترقَ بسببِ خطايانا. لكَ المجدُ إلى الأبد. آمين.
في مديح رقاد والدة الإله من عظات للقدّيس يوحنّا كرونشتادت
تمجّد الكنيسة المقدّسة بوقار رقاد والدة الإله المكرّم وانتقالها من الأرض إلى السماء.
إنّه انتقال رائع؛ فقد رقدت دون مرض خطير، بسلام. ونُقلت روحها بين اليدين الإلهيّتين لابنها وحُمِلت إلى الأخدار السماويّة بالتَّرانيم الملائكيّة العذبة. وبعد ذلك، نَقَل الرُّسلُ جسدها الطاهر إلى جسمانيّة حيث دُفن بإكرام، وفي اليوم الثالث قَام وحُمِل إلى السماء.
وأنتم ترون هذا في أيقونة رقاد والدة الإله؛ إذ يُصوَّر فيها جسد والدة الإله الواهب الحياة مستلقيًا على نعش، محاطًا بالرسل ورؤساء الكهنة، وفي وسط الأيقونة يظهر الربّ حاملاً بين يديه روح والدة الإله الكليّة الطهارة. إنّ انتقال والدة الإله هو نموذج وانتقال عامّ لأرواح المسيحيّين إلى العالَم الآخر.
«العذراء لم تمت، بل هي نائمة». نعم، لقد استراحت ثلاثة أيّام كما استراح المسيح الإله، ابنها، وفي اليوم الثالث قامت ورُفعت بمجد إلى السماء لتملك مع ابنها. يا لَه من مصير كلّيّ البركة! ويا لَها من فرحة غير متناهية! أمر مستحقّ وعادل.
يا لَجمال رقادها المجيد! بأيّ نور أشرق وجهها الكلّيّ الطهارة! وأيّ رائحة زكيّة، لا تُوصف ولا تُقاس، فاحت من جسدها الكلّيّ الطهارة والدائم البتوليّة! وأيّ ترنيم ملائكيّ عذب سمعه المؤمنون! وكيف مجّدوا رقادها بمهابة إلهيّة. لقد كانت نهاية مجيدة للحياة الأرضيّة المجيدة للدائمة البتوليّة!
إنّنا نقول عن موتانا إنّهم "رقدوا" أو "انتقلوا". فماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنّه بالنسبة إلى المسيحيّ الحقيقيّ لا يوجد موت؛ فقد هَزَم المسيحُ الموتَ على الصليب.
ولكن هناك انتقال، أي إعادة ترتيب لحالته، حيث تكون روحه في مكان آخر، وفي عالم آخر ما وراء القبر، أبديّ وبلا نهاية؛ وهذا هو المقصود بـ"الرقاد".
إنّه بمثابة حلم مؤقّت، بعده - بصوت الربّ وببوق رئيس الملائكة المخيف والمجيد- سيحيا جميع الموتى ويخرجون كلٌّ إلى مكانه: إمّا إلى قيامة الحياة وإمّا إلى قيامة الدينونة (يوحنّا 5: 29).
وينبغي لنا أن نكون مستعدّين لهذا الانتقال، وليوم القيامة العامّة والدينونة، ولهذا الحدث الذي لا يُوصف، والمُخبر عنه في الكتب المقدّسة.
إنّ الاستعداد للقاء الملك السماويّ أمام منبر القضاء الرهيب بعد الموت، هو في جوهره استعداد الإنسان على مدى حياته كلّها.
وهذا الاستعداد يعني تغييرًا في سائر أفكار الإنسان، تغييرًا أخلاقيًّا في كيانه كلّه، حتّى يكون الإنسان بأكمله نقيًّا وأبيض كالثلج، غاسلًا ومطهّرًا كلّ ما ينجّس الجسد والروح، ومتزيّنًا بكلّ فضيلة: أعني التوبة، والوداعة، والتواضع، واللطف، والبساطة، والعفّة، والرحمة، والإمساك، والفهم الروحيّ، والمحبّة المتّقدة لله وللقريب.
يجب أن يتكوّن استعدادنا للقاء الملك السماويّ ولميراث الحياة الأبديّة في السماء من هذه الأمور.
فالملك السماويّ يرغب في نفوسٍ متزيّنةٍ بالفضيلة التي لا تتغيّر، نفوسٍ مُعدّةٍ لكي يحلّ الربّ نفسه فيها. لا تتعجّبوا من أنّ الربّ نفسه يريد أن يسكن فينا؛ ففي الواقع، النفس البشريّة أرحب من السماوات والأرض، لأنّها خُلقت على صورة الله. وإذا أزال المرء الخطايا من النفس، فإنّ ربّ الكلّ سيسكن فيها ويملؤها بذاته. يقول الربّ عن النفوس التي تحبه: «إِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً» (يوحنا 14: 23).
فلنتعلّم نحن أيضًا أن نجعل موتنا رقادًا سلاميًّا من خلال الغيرة على الفضيلة وازدراء الرذيلة. فما دامت الخطيئة تملك فينا، فسيظلّ الموت مرعبًا لنا.
فلنغلب الخطيئة في أنفسنا قدر الإمكان باعتبارها سبب الموت. إنّ غلبتها لا تكون صعبة إلّا في البداية، ثمّ تصير سهلة وعذبة؛ لأنّه كلّما ازدادت الآلام الناجمة عن الجهاد ضدّ الخطيئة، ازداد أيضًا عزاء المسيح فينا (2 كورنثوس 1: 5).
إنّ الحياة الأبديّة ما وراء القبر هي فوق كلّ شكّ.
ولكن ليس هناك أدنى شكّ أيضًا في أنّها قد تكون على شقَّين: للأبرار غبطةٌ، وللخطأة عذابٌ.
إنّ الموت هو الحدّ والفاصل بين الحياة الحاضرة والحياة المستقبليّة، ونحن لا نعلم إن كان بعيدًا منّا أم قريبًا. فلنكن مستعدّين دائمًا للوقوف على هذا الحدّ الرهيب بين الحياتين.
لماذا تحتفل الكنيسة المقدّسة بأعظم الأحداث في العالم المسيحيّ أعني أعياد السيّد ووالدة الإله؟
لكي تُشعل وتقوّي إيماننا، ورجاءنا المسيحيّ، وشكرنا ومحبّتنا لله ولوالدة الإله، الشفيعة غير الخازية أمام الله.
لو لم تكن هناك أعياد مسيحيّة، لنسي المسيحيّون أنّهم بالفعل مسيحيّون مدعوّون إلى الوطن السماويّ؛ ولما عرفوا لماذا يعيشون في هذا العالم، ولماذا أُلحقوا بالرعيّة المسيحيّة أو بكنيسة الله؛ وما هو هدف حياتهم، ولماذا يحتاجون إلى الإيمان بالمسيح، ومن هو المسيح؟ ولماذا يجب أن نؤمن بالكتب المقدّسة؟ وما هو الثالوث ومن هو الثالوث القدّوس؟
إنّ كثيرًا من الجهلاء لا يعرفون حقًّا من هو المسيح، ومن هو الثالوث، ومن هي والدة الإله!
فليُنعِم علينا الربُّ نحن المسيحيّين برقادٍ مبارك وانتقالٍ من الموت إلى الحياة. فلا يُرعبنا انتظار الدينونة الأخيرة، إذ إنّها لا تكون مخيفةً إلّا للأثمة والخطأة غير التائبين والمجدّفينj