الأحد 1 أيار 2022

الأحد 1 أيار 2022

28 نيسان 2022
الأحد 1 أيار 2022
 العدد 18
أحد توما
الإيوثينا الأولى


* 1: النبيّ إرميا، البارة إيسيذورة، * 2: نقل جسد القدّيس أثناسيوس الكبير، * 3: الشّهيدان تيموثاوس ومفرة، * 4: الشّهيدة بيلاجيا، البارّ إيلاريوس العجائبيّ، * 5: الشّهيدة إيريني، الشّهيد أفرام الجديد، * 6: الصدِّيق أيوب الكثير الجهاد، تذكار العظيم في الشُّهداء جاورجيوس اللابس الظفر(شرقي)، * 7: علامة الصليب التي ظهرت في أورشليم. *

أحد توما 

في الأحدِ الأوّل بعد القيامةِ المجيدة نقرأُ الفصل الإنجيليّ من يوحنا البشير الذي يتكلّم على ظهورين للرب القائم. الأوّل مساء الفصح والثاني بعد ثمانية أيّام من الفصح. في المرّة الأولى كان التلاميذُ مجتمعين في مكان واحد ما عدا توما، وفي المرة الثانية كان توما موجوداً، وقد دخل يسوع "والأبواب مغلقة".

الربُّ يسوع لم يخترق الأبواب المادّيّة فقط، بل اخترق باب قلب توما المغلق ونقله من عدم الإيمان إلى الإيمان الواعي والحقيقي. اخترق يسوع كلّ أبواب القلق والخوف كي يربح توما، ومن خلالِه كلَّ مؤمن بإسمه.

يركّز الإنجيل اليوم على اللقاء الشخصيّ بين الربّ يسوع وتوما. لم يقبل توما بشهادة التلاميذ ولا بخبرتهم مع يسوع القائم "إن لم أعاين أثر المسامير في يديّه وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أؤمن"، يريد بذاته أن يختبرَ اختبارَهم كي تشملَ النعمةُ والبركةُ الإلهيّة والخبرةُ الشخصيّة ذاته لأنّه هو أيضا يحبّ يسوع. يريد توما أن يتحقّقَ من أنّ الذي مات على الصليب وقُبِرَ هو نفسُه الذي قام، وهذا حقٌّ مشروع. 

يريد أن يكون شاهداً ودالاًّ على العمل الذي قام به الرب يسوع. وهذا دليل أنّ إيمانَ توما يتعلّقُ بثمرة العمل الذي قام به يسوع، ولا يتعلّق أبداً باستعراضٍ خارقٍ للطبيعة، يندهش به فيؤمن بعدها.

يقولُ المغبوط أوغسطين: إنّ توما شكّ لكي لا نشكّ نحن، في شكّه أثبت لنا حقيقة القيامة. توما لم يلمس الجراح بل عاينها وصرخ للحال "ربّي وإلهي".

الواقف أمام التلاميذ بعد ثمانيةِ أيّام، هو نفسُهُ يسوع الناصري الذي عُلِّق على الصليب ووُضِعَ في قبر جديد، وبعد ثلاثة أيام وُجِدَ القبرُ فارغاً. الربّ يسوع هو الذي لمس قلبه بمحبته اللامحدودة. 

أسرت كلمات يسوع الحيّ القائم من بين الأموات توما لدرجة مذهلة فأجاب بإيمان وثقة وخشوع "ربّي وإلهي".
لم يعدْ بحاجة لوضع إصبعه في مكان المسامير، لأنّ كلمات يسوع كافية لتغيّر قلبه وعقله وكيانه. المحبّة الإلهيّة غلبته، وبلحظة تحوّل من حالة الشكِّ إلى حالةِ اليقين والإيمان العظيم. 

لأنّ الإيمانَ الحقيقيّ هو أنّه لا إيمان بالله إلّا في المسيح يسوع، وخارج المسيح الذي تجسّد ليؤلّهَنا لا نعرفُ شيئاً عن الله. ذلك أنّ المسيحَ المصلوبَ والقائمَ لبس بشريّتَنا لكي يُلبسَنا حياته.

توما الرسول الذي نعيّد له اليوم والذي بسببه حصلنا نحن على التطويب الإلهيّ "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" كان وفيًّا للربّ يسوع، وشكُّه كان جريئاً وصادقاً وأميناً، فالإفصاحُ عن الشكّ أفضل من كتمانه. توما أراد أن تكون حياتُه مستقيمةً لا الْتِواء فيها. 

أراد أن يلتزمَ ويعرفَ ويتأكّدَ أين تطأ قدماه.

تحوّل شكُّ توما إلى يقين من أجل تقوية إيماننا بأنّ الربّ يسوع لم يقم ظاهريّاً، ولا بجسد آخر، بل قام بالجسد ذاته الذي به تألّم وبه ظهر للتلاميذ ولتوما.

فكما احتضنَ التلاميذُ توما رغم شكّه، علينا أن نحتضنَ نحن أيضا، ونقبل إخوتنا ضعيفي الإيمان، ونصلّي إلى الربّ أن يفتقدَهم ويرحَمَهم ويُعلنَ لهم ذاته.

نحتاج في هذه الأيّام الصعبة التي يسيطر فيها الخوف من المجهول والقلق والاضطرابات، إلى أن نسمع كلمة الربّ يسوع كما قالها لتوما "لا تكن غير مؤمن بل مؤمناً". إنّ الرؤيا الجسديّة للرب يسوع القائم كانت أساساً لإيمان توما، أمّا اليوم فإنّ الإيمان الحقيقيّ هو الأساس لرؤية الربّ يسوع، فلنجدّد إيمانَنا بالرب يسوع القائم وبكنيسته التي حفظت لنا الإيمان ونقلته جيلا بعد جيل.

يدعونا المقطع الإنجيليّ للرجاء الوطيد ويذكّرنا بحقيقةٍ لا غشَّ فيها أنّ يسوع وحده هو القادر على تجاوز كلّ "الأبواب المغلقة".

همُّ يسوع الأساسيّ هو "لا تكن غير مؤمن بل مؤمناً" وأَعلِنْ بكلّ ثقةٍ أنّ المسيحَ قام حقا قام. ألا شدد الرب كل ضعف فينا لأنّنا شعبه و"غنم رعيته".

+ أ الأسقف قسطنطين
رئيس دير مار الياس شويّا البطريركيّ 

طروباريّة الأحد الجديد باللّحن السابع

إذ كان القبرُ مختوماً أشرقتَ منه أيّها الحياة، ولما كانتِ الأبوابُ مغلقة، وافيْتَ التلاميذَ أيّها المسيحُ الإلهُ قيامةُ الكلّ. وجدّدتَ لنا بهم روحًا مستقيماً، بحسب عظيم رحمتك.

القنداق باللحن الثامن

ولئن كنتَ نزلتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إلاّ أنّك درستَ قوةَ الجحيم، وقُمتَ غالباً أيُّها المسيحُ الإله، وللنسوةِ حاملاتِ الطيب قُلتَ افرحنَ، ولِرسلِكَ وَهبتَ السلام، يا مانح الواقعينَ القيام.

الرِّسَالة
أع 5: 12-20
عظيمٌ هو ربُّنا وعظيمةٌ هي قوّتُه 
سبِّحوا الربّ فإنّه صالِحٌ


في تلكَ الأيّام جَرَتْ على أيدي الرُّسُل آياتٌ وعَجائبُ كثيرةٌ في الشّعب. (وكانوا كلُّهُم بِنَفْسٍ واحِدَةِ في رِواقِ سُليمان، ولم يكُنْ أحَدٌ من الآخَرينَ يَجترِئُ أنْ يُخالِطَهُمْ. لكنْ كانَ الشّعبُ يُعظِّمُهمُ. وكانَ جماعاتٌ مِنْ رجال ونِساء ينضَمُّونَ بِكَثَرَة مُؤمِنينَ بالربِ) حتى إنّ الناسَ كانوا يَخرُجونَ بالمرضى إلى الشّوارِع ويضعونهُم على فرُشٍ وأَسِرّةِ ليَقَعَ ولَوْ ظِلُّ بطرسَ عنِدَ اجتيازِهِ على بعْضٍ منهم. وكانِ يجْتمِعُ أيضاً إلى أورَشَليمَ جُمهورُ المدُنِ التي حوْلها يَحمِلون مرضىً ومعذْبينَ مِنْ أرواح نَجِسة. فكانوا يُشْفَوْنَ جَميعُهُم. فقامَ رئيسُ الكهَنةِ وكلُّ الذينَ معهُ وهُمْ مِن شيعَةِ الصدُّوقِيّينَ، وامتلأوا غَيرةً، فألقوا أيدِيَهُم على الرُسُلِ وجَعَلوهُم في الحبسِ العامّ، ففَتَحَ ملاكُ الربِّ أبوابَ السِّجنِ ليلاً وأخرَجَهُم وقالَ امْضُوا وَقفِوا في الهيكلِ وكَلِّموا الشّعبَ بِجميع كلِماتِ هذه الحياة.

الإنجيل
يو 20: 19-31


لمّا كانت عَشيّة ذلِكَ اليومِ، وَهُوَ أوّلُ الأُسبوع والأَبوابُ مُغلَقةٌ حيثُ كانَ التلاميذُ مجتمِعينَ خوفاً مِنَ اليهودِ، جاءَ يسوعُ ووقفَ في الوَسْط وقالَ لَهم: السلامُ لكم. فلمّا قالَ هذا أراهم يَدَيهِ وجَنبَهُ. ففرِحَ التلاميذُ حينَ أبصَروا الربّ وقال لهم ثانية: السلامُ لكم. كما أرسَلني الآبُ كذلكَ أنَا أرسِلُكم. ولما قالَ هذا نَفَخَ فيهم وقالَ لهم خذوا الروحَ القُدُسِ، مَن غفرتُم خطاياهم تُغْفَرْ لهم، ومَن أمسكتُم خطاياهم أُمسِكَتْ. أمّا توما أحَدُ الاثنيَ عشرَ الذي يقالُ لهُ التوأَمُ فلم يكنْ معَهم حينَ جاءَ يسوع. فقالَ لهُ التلاميذُ الآخرونَ إنّنا قد رأيْنا الربّ. فقالَ لهُم إنْ لم أُعايِنْ أثرَ المساميرِ في يدَيْهِ وأضَعْ إصبَعي في أثرِ المساميرِ وأضَعْ يدي في جَنبِهِ لا أُومنِ. وبعدَ ثمانيةِ أيّامٍ كانَ تلاميذهُ أيضاً داخِلاً وتوما معَهم، فأتى يسوُعُ والأبوابُ مُغلقَة، ووقفَ في الوَسْطِ وقالَ السلامُ لكم. ثمّ قالَ لتوما: هاتٍ إصبَعَكَ إلى ههنا وعَاينْ يَدَيّ. وهاتِ يَدَكَ وضَعها في جَنبي ولا تَكُنْ غيرَ مُؤمنٍ بَل مؤمناً. أجابَ توما وقالَ لهُ رَبِّي وإلهي. قالَ لهُ يسوعُ لأنّكَ رأيتني آمنت. طوبىَ للذينَ لَمْ يَرَوا وآمنَوا، وآياتٍ أُخرَ كثيرة صَنَعَ يسوعُ أمامَ تلاميذِهِ لم تكتَبْ في هذا الكتاب، وأمّا هذهِ فقد كتبَتْ لتُؤمِنوا بأنّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله. ولكي تكونَ لكم إذا آمنتم حياةٌ باسمِهِ.

في الإنجيل

في هذا الأحد المبارك المدعوّ الأحد الجديد لأنّه الأحد الأوّل بعد الحدث العظيم أي قيامة الرب يسوع من الموت، نقرأ هذا الفصل الإنجيليّ الذي فيه يؤكّد الربّ يسوع هذا الحدث لتلاميذه وخاصّة الرسول توما الذي شكّ بقيامة المسيح. 

لكن رغم ظهور الرب يسوع لهم بقوا مجتمعين خوفاً من اليهود، وقد سيطر عليهم الخوف من أن يصيبهم ما أصاب المعلّم. 

ولكن رغم المخاوف دائماً يأتي الربّ يسوع واقفاً في الوسط كي يزيل الخوف بالسلام الذي يعطيه فتسود في حضرته الطمأنينة. ونحن في هذا العالم اليوم يسيطر علينا الخوف لنعيش في قلق دائم ممّا سيحدث لنا غداً ونغرق في الهموم المعاشيّة التي تتفاقم علينا يوماً بعد يوم وننسى أنّ مخلّصنا الربّ يسوع يأتي دائماً إلى الخائفين الذين يحبّونه لكنهم ما داموا في هذا الجسد، فهم خائفون من العالم، من الحرب، من الجوع، من العوز، من المرض حتّى إنّهم خائفون من أنفسهم من بعضهم البعض. لذلك يجب علينا ان لا ننسى أنّنا إن ثبتنا في الإيمان بالربّ يسوع نشعر بوقوفه في وسطنا يدفعنا إلى الأمام بسبب هذا الإيمان. 

الذي نراه يتجلى في صرخة الرسول توما في هذا الإنجيل اليوم: "ربّي وإلهي" ينبع ويثبت بالتعلّق بشخص الفادي يسوع وبالحبّ الخالص له مترجمين إيّاه بالحبّ للناس. لأنّه بالنسبة للمؤمن ينعكس حبّ الربّ بالحبّ لمن نصادفهم كلّ يوم وهذا هو حبّ المسيح بالأشخاص الآخرين. والحبّ يطرد الخوف على حدّ قول الرسول بولس "المحبة تطرد الخوف خارجاً".

ألا اعطانا الله ونحن نتجدّد في هذا الأحد الجديد بقيامة الربّ يسوع أن نثبت في المحبّة التي طلبها منّا الربّ وعندها نرى الخوف تلقائيّاً يذهب عنّا منهزماً بقوّة الربّ يسوع الواقف في وسط حياتنا دائماً يقول لنا: "لا تخافوا" سلامي أعطيكم آمين.

قيامة المسيح وإيمان توما 

لم يكن أحد توما لتوما وحده، إنّما للمسيح أيضًا. لأنّه يعالج مسألة إيمان توما، ولكن يشهد أيضًا لحقيقة قيامة المسيح. فقبل اعترافه الكيانيّ بالقيامة، واجه توما حقيقة قيامة المسيح كمسألة مستحيلة بالمنطق العقليّ. لهذا، صدمت هذه الحقيقة كلّ طريقة تفكيره حين رؤيته الربّ القائم (يو28:20)؛ 

وهذه الصدمة ماثلت تلك التي واجهها إشعياء النبيّ عند رؤيته "الملك ربّ الجنود" (أش5:6). وبهذه المعاينة، عرف توما خطيئة عدم إيمانه، أنّه لو "آمن ولم يرَ"، لكان عرف الربّ القائم بكلّ كيانه البشريّ، لا بجزء منه، هذا الجزء المسبيّ بالمنطق وحده.

لقد خُلق الإنسان منذ البدء، لكي يعرف الله، وهذه المعرفة ليست نظريّة عقلانيّة إنّما كيانيّة؛ وطريق هذه المعرفة هي الإيمان. الإيمان الحقيقيّ بالله يقود إلى معرفة حيّة لله، لا بل الإيمان نفسه يتحوّل إلى معرفة، والمعرفة إلى شركة حياة أبديّة. هذا هو معنى ما قاله المسيح: 

"هذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الّذي أرسلته" (يو3:17). معرفة الله التي تولد من الإيمان تتجاوز بما لا يُقاس معرفة الله التي تولد من قناعة عقليّة. الأخيرة تكشف لنا أشياء حول الله، لأنّها تستند على الحكمة البشريّة؛ أمّا الأولى فتكشف لنا الله ذاته لأنّها تقوم على الاستنارة الإلهيّة. 

الأكثريّة الساحقة من المسيحيّين يكتفون بهذا الإيمان النظريّ، العقليّ. مثل هؤلاء حياتهم مع الله هي علاقة خارجيّة لا تمسّ كيان الإنسان وقلبه الداخليّ، إنّها نوع من رباط اجتماعيّ مع الله، يقوم على مبادئ أخلاقيّة. العقل ليس مرفوضًا في الأرثوذكسيّة، لكن الاستناد عليه وحده شكّل دائمًا خطرًا حقيقيًّا على مسيرة إيمان المسيحيّين بالله. 

خلاص الإنسان ليس مسألة عقلانيّة، او إيمان عقليّ بكل ما فعله الله في تدبير الصليب لأجل خلاص الإنسان. إنّما هو إيمان مطلق يتضمّن اختبارًا كيانيًّا بحضور المسيح. 

كيان الإنسان الحقيقيّ هو الروح، وليس العقل. لهذا، جواب المسيح لتوما "طوبى لمن آمن ولم يرَ"، أظهر أنّ الله يتنازل ويكشف أسراره للإنسان الّذي يُسلّم ذاته بالإيمان له، بطريقة أسراريّة، مستيكيّة mystical، تتجاوز محدوديّة العقل، ليكون للإنسان فرصة معرفة الله بكلّ كيانه وروحه. 

لهذا يقول الرسول، "لا يمكن إرضاؤه من دون إيمان" (عب6:11). يقول القدّيس مكاريوس الكبير، إنّ المعرفة التي تعمل بالإيمان، وحدها تجعل النفس مستحقّة لتلقّي "معرفة الأسرار الإلهيّة"، والدخول، بالإيمان في شركة الحياة الإلهيّة.

حقًّا إنّ سموّ الله وعظمة مجده تفوق قدرة الإنسان العقليّة. لهذا، الإيمان الّذي يتكلّم عنه الآباء، هو قدرة النفس على تجاوز قدرة الإدراك البشريّة وتقبّل خبرة الحضور الإلهي فيها. 

يقول القدّيس سمعان اللاهوتي الجديد: "إنّ الألوهة، أي نعمة الروح الكلّي قدسه، لا تكشف ذاتها أبدًا، لإنسان، خارج الإيمان". 

هذا الإيمان الحيّ ليس أمرًا يتحقّق مرّة وإلى الأبد، كما لدى البدع الإنجيليّة والمعمدانيّة البروتستانتيّة، لأنّ هذا يجعل من الله صنمًا وليس إلهًا حيًّا. الإيمان هو مسيرة نموّ في تسليم الإنسان لذاته ولمشيئته لله، بثقة تتجاوز كلّ شكّ بحضوره وعنايته وصلاحه. 

لهذا نهاية الإيمان هي المسيح نفسه، الإيمان الحقيقيّ، بحسب آبائنا القدّيسين ليس شيئًا آخر غير يسوع المسيح. 

يقول القدّيس إغناطيوس الإنطاكيّ: "الإيمان الكامل هو يسوع المسيح". لهذا يعي الإنسان أنّ الإيمان الكامل لا حدّ له، وهو يفوق كلّ قوى إدراكه العقليّة. 

يقول كاتب المزامير: "معرفتك عجيبة جدًّا تفوق طاقتي، وفي غاية الصعوبة فلا أستطيع إدراكها" (مز6:138). 

فمعرفة الله الآتية من الإيمان، هي شركة مباشرة للإنسان مع الله، تحقيق للكمال المدعوّ إليه. المعرفة الكاملة هي ذاتها تألّه الإنسان. وهذه العقيدة تشكّل قاعدة خلاص الإنسان في مسيرة الإيمان الأرثوذكسيّ. 

الإيمان الحيّ يتكلّم في القلب الّذي تنقّى من كل الأهواء والخطيئة، وحقّق الفضيلة كلّها. مثل هذا يمكنه أن يلتقي بخالقه فيعرفه معرفة شخص لشخص. يقول القدّيس بالاماس: "لأنك إن درست الفلسفة الطبيعيّة كلّها منذ آدم حتّى النهاية، فستبقى بدون النقاوة أحمقًا لا حكيمًا". 

فالعين، درجة صفائها الكبيرة، لا تكمن في وضوح الأشياء الخارجيّة التي تنظر إليها، إنّما في عدم وجود أيّة غشاوة أو ظلمة داخليّة فيها. 

نزع الغشاوة والظلمة الداخليّة عن عينيّ الذهن يحتاج إلى جهاد روحيّ متواصل ونموّ في حياة النسك والتقوى وإنكار الذات. إنّه الإيمان الّذي يقود إلى معرفة الحقّ والّذي لا يمكن أن يجد قاعدته الصلبة إلا في التقوى والتواضع. لهذا، لكي تتجاوز المعرفة كلّ حكمة بشريّة وتصير طريقًا إلى الحقّ وأداة الخير، بحسب القدّيس بالاماس، لا بدّ من أن يسبقها قتل الأفعى أوّلاً، أي "بعد التغلّب على الكبرياء الّذي يأتي من هذه الحكمة". التكبّر يجعل المعرفة مُتقبّلة لإيحاءات شيطانيّة، لتصير لاحقًا عرضة لكل انحراف عقائديّ. 

لهذا السبب بالتحديد يرتبط الإيمان الأرثوذكسيّ باللاهوت الآبائيّ الّذي تعلّمه الكنيسة؛ لاهوت القدّيسين المتواضعين ومعاينيّ أسرار الله. اللاهوت العقلانيّ والدراسيّ يلد مفاهيم نظريّة جامدة للإيمان، تحوّل هذا الإيمان إلى طريقة حياة أخلاقيّة وتحديدات ناموسيّة. فيما الإيمان الحيّ، المستند على لاهوت نسكيّ مطهّر للأهواء، يقود إلى معاينة أسرار الله. حين قال الرسول: 

"عظيم هو سرّ التقوى، الله ظهر في الجسد..." (1تيم16:3)، فهو قد أوضح أن التقوى هي المدخل إلى أسرار الإيمان وإلى الحقائق المتعلّقة بإعلانات الله لذاته.

لقد كان عملاً تدبيريًّا عدم وجود توما مع الرسل، وغيابه كان لهدف جوهريّ؛ وهو إرادة المسيح شفاء هذا الشكّ والنقص الحاصل في إيماننا. غريب أن يطلب الربّ أن يؤمن الإنسان به من دون أن يرى، ويصرّ على هذا الطلب؛ ذلك لأنّ الإيمان هو عطية وكشف من الله ذاته، والإنسان يفتح قلبه لا عقله فقط على هذه العطيّة الإلهيّة. لهذا سيُسأل الإنسان عن إيمانه في يوم الدينونة؛ ولهذا يصبر الله على قلّة إيماننا، ليشفينا ويُخلّصنا لا ليرضخ لضعفاتنا. 

بقوله "هات إصبعك ويدك..."، أظهر المسيح محبّة لا تنتهي وصبرًا لا يملّ على خلاصنا. وهو بادر بالطلب قبل أن يسأله توما، فقدّم له جسده وجراحه. لقد تنازل المسيح لضعف تلميذه، كما يتنازل دومًا لضعفات البشر ويقبل أن يُفتّش منهم وأن يُشكّك فيه وبعمله الخلاصيّ. 

بتواضع كثير قَبِل شكّ تلميذه الّذي رافقه ثلاث سنوات نهارًا وليلاً. 

عاتبه ولم يدنه، لأنّه اعترف وتاب. وإلى اليوم، إن لم يعش المسيحيّون قيامة مسيحهم بالروح الحيّ، بالصلاة والصوم وتعب النسك، لا بالعقل المحدود، فإنّهم يحيون من دون مسيح. 

إلى أن يأتي وقت نصرخ فيه من أعماق قلوبنا "ربيّ وإلهيّ" لقد قام المسيح، سيبقى إيماننا نظريًّا لا وجود حقيقيّ فيه للربّ الغالب. إيمانًا لا حياة فيه ولا مواهب روحيّة، لا نعمة فيه ولا خلاص.