الأحد 24 كانون الأوّل 2017

الأحد 24 كانون الأوّل 2017

24 كانون الأول 2017


الأحد 24 كانون الأوّل 2017 
العدد 52

الأحد قبل ميلاد المسيح (أحد النسبة)

اللَّحن الرابع الإيوثينا السابعة

* 24: الشّهيدة في البارَّات أفجانيا، * 25: ميلاد ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح بالجسد، * 26: عمَّانوئيل الإلهيّ، عيد جامع لوالدة الإله، الشَّهيد آفثيميوس، يوسف خطيب مريم، * 27: استفانوس أوّل الشهداء ورئيس الشَّمامسة، ثاوذورس الموسُوم، * 28: الشُّهداء العشرون ألفًا الذين في نيقوميذيَّة، * 29: الأطفال الـ 14 الفاً الذين قتلهم هيرودس، البارّ مركلُّس، *30: الشَّهيدة في البارّات أنيسيَّة.

رسالة الميلاد

الميلاد فصح صغير. سواد المغارة ظلمة قلوبنا. نور الطفل الصغير نور قيامتنا والعذراء مريم والدة الإله أمّه وأمّنا نحن إخوة يسوع. الرّعاة يسهرون ويصلّون، الملائكة يرقصون ويرتّلون: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". المجوس يقدّمون الهدايا: الذهب للملك، البخور للإله والمرّ للّذي سوف يتألّم ويموت محبّة لنا نحن البشر خليقته.

في الميلاد يأتي المسيح ليدعونا إلى وليمة عظيمة، ليدعو الكلّ بلا استثناء. يلمّنا من الشوارع والأزقّة، يأتي بصورة عبد يقول: "تعالَوا إليّ كلّ شيء قد أعدّ" (لوقا 14: 17)، يأتي ملتحفاً بالتواضع الأقصى. هو واقف دائماً عند باب قلبنا يقرع "إن سمع أحدٌ صوته يفتح الباب فيدخل إليه ويتعشّى معه وهو معنا" (رؤيا 3: 20).

ميلادك أيّها المسيح الإله، قد أطلع نور المعرفة للعالم، لأنّ الساجدين للكواكب به تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل... طفلاً جديداً وهو إلهنا الذي قبل الدهور.

"الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا" (يوحنّا 1: 14). لقد سكن في أعماق قلوبنا هذه المرّة الجديدة بشكل دائم، ومن الداخل كما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس: إنّه يسكن فينا على الدوام بالرّوح القدس. لم يعد روح الله يلهم الأنبياء، كما في القديم، من الخارج وبصورة مُوَقّتة: هذا هو السرّ الجديد، هذه هي الحقيقة الكبرى التي يتناساها المسيحيّون المشغولون بالأمور الأرضيّة: إنّ الله نفسه، يسوع الإله ابن الله المتجسّد نفسه، يسكن في الإنسان خليقته الضعيفة الخاطئة بقوّة نعمة الرّوح القدس غير المخلوقة. يا له من عجب كبير، يا لها من نعمة فائقة! يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، يا لَفرحنا! ويا لِتعاستنا إذا لم نتقبّله، إذا لم نعِهِ!!

فلا تخافوا ولا تيأسوا أيّها المؤمنون لأنّه، لو جحد اليوم العالم الإله المتجسّد، يبقى المسيح رجاءنا الوحيد ومخلّصنا من بطالة هذه الدنيا الفارغة. اسمعوا ما يقوله الرّبّ يسوع لكم في الإنجيل: "لا تخف أيّها القطيع الصغير لأنّ أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت" (لوقا 12: 32).

وُلد كلمة الله مرّة واحدة بحسب الجسد. لكنّه، بحبّه للبشر، يودّ أن يولد باستمرار بالرّوح في الذين يحبّونه. "يسوع المسيح هو نفسه أمس واليوم وإلى الأبد".

لماذا هذا العجب في ولادة السيّد؟! يقول بعض الآباء إنّ ابنًا واحداً لا يولد من أبوين، أي أنّهم اعتبروا أنّ بنوّة المسيح للآب تنفي تحدّراً من رجل. كان ينبغي ألّا يكون المسيح مديناً لرغبة رجلٍ.

لذلك وُلد المسيح الإله من أب بدون أمّ قبل الدهور ووُلد المسيح الإنسان من أم بلا أب عندما حان ملء الزمان: "لما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت النّاموس ليفتدي الذين تحت النّاموس لننال التبنّي" (غلاطية 4: 4-5). هكذا يُظهر الناسَ أبناءً. ذلك حصل عن طريق تواضع المسيح وعن طريق سلوكنا بالوداعة والتواضع. بهذا تجدّدت أزليّته، بظهوره بالجسد وهو لم يزل إلهاً أزلياً.

+ أفـرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

 

طروباريَّة القيامة باللَّحن الرّابع

إنّ تلميذاتِ الربّ تعلّمن من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهِج، وطَرَحْنَ القضاءَ الجَدِّيَّ، وخاطَبنَ الرُّسُلَ مفتخراتٍ وقائلات: سُبيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنحَ العالَمَ الرَّحمةَ العُظمى.

طروباريَّة أحد النّسبة باللَّحن الثاني

عظيمةٌ هي أفعالُ الإيمان، لأنَّ الفتيةَ الثلاثةَ القدّيسين قد ابتهجُوا في يَنبوعِ اللهيب كأنَّهم على ماءِ الراحة، والنبيَّ دانيال ظهر راعيًا للسِّباعِ كأنّها غنم. فبتوسّلاتِهم أيّها المسيحُ الإلهُ خلّص نفوسَنا.

قنداق تقدمة الميلاد باللّحن الثالث

أليومَ العذراء تأتي إلى المغارة لتلدَ الكلمةَ الذي قبل الدهور ولادةً لا تُفسَّر ولا ينطقُ بها. فافرحي أيّتها المسكونةُ إذا سمعتِ، ومجّدي، مع الملائكة والرّعاة، الذي سيظهرُ بمشيئته طفلاً جديداً، الإلهَ الذي قبل الدهور.

 

الرِّسالَة
عب 11: 9-10، 32-40

مباركٌ أنتَ يا ربُّ إلهَ آبائنا 
لأنَّكَ عدلٌ في كلِّ ما صنعتَ بنا

يا إخوةُ، بالإيمانِ نَزَل إبراهيمُ في أرضِ الميعاد نزولَهُ في أرضٍ غريبةٍ، وسكَنَ في خيام معَ إسحقَ ويعقوبَ الوارثَيْن معهُ للموعِدِ بعينهِ، لأنَّهُ انتظرَ المدينةَ ذاتَ الأُسسِ التي اللهُ صانِعُها وبارئُها. وماذا أقول أيضاً؟ إنّه يضيق بيَ الوقت إن أخبرتُ عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء، الذين بالإيمان قهروا الممالِكَ وعملوا البرَّ ونالوا المواعد وسدُّوا أفواه الأسود وأطفأوا حدّة النار ونجَوا من حدّ السَّيف وتقوَّوا من ضعف وصاروا أشدّاء في الحرب وكسروا معسكرات الأجانب، وأخذت نساءٌ أمواتهنّ بالقيامة. وعُذِّب آخَرون بتوتير الأعضاء والضرب، ولم يقبلوا بالنجاة ليحصلوا على قيامة أفضل. وآخَرون ذاقوا الهزء والجلد والقيود أيضاً والسجن، ورُجموا ونُشروا وامتُحنوا وماتوا بحدّ السيف، وساحُوا في جلود غنم ومعز وهم معوزون مضايقون مجهودون (ولم يكن العالم مستحقًّا لهم). وكانوا تائهين في البراري والجبال والمغاور وكهوف الأرض. فهؤلاءِ كلُّهم، مشهوداً لهم بالإيمان، لم ينالُوا المواعد، لأنّ الله سبق فنظر لنا شيئاً أفضل أن لا يَكمُلوا بدوننا.

الإنجيل
متّى 1: 1-25

كتاب ميلاد يسوع المسيح اِبنِ داودَ ابنِ إبراهيم: فإبراهيم وَلَدَ إسحق وإسحق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا وإخوته ويهوذا ولد فارص وزارح من تامار. وفارص ولد حصرون وحصرون ولد أرام وأرام ولد عميناداب وعميناداب ولد نحشون ونحشون ولد سلمون وسلمون ولد بوعز من راحاب. وبوعز ولد عوبيد من راعوث وعوبيد ولد يسّى ويسّى ولد داود الملك وداود الملك ولد سليمان من التي كانت لأوريَّا. وسليمان ولد رحَبْعام ورحبعام ولد أبيَّا وأبيَّا ولد آسا وآسا ولد يوشافاط ويوشافاط ولد يورام ويورام ولد عُوزيّا وعوزيّا ولد يوتام ويوتام ولد آحاز وآحاز ولد حزقيّا وحزقيّا ولد منسّى ومنسّى ولد آمون وآمون ولد يوشيّا، ويوشيّا ولد يَكُنيا وإخوته في جلاء بابل. ومن بعد جلاءِ بابل يَكُنْيا ولد شألتَئيلَ وشألتئيلُ ولد زَرُبَّابلَ وزَرُبَّابلُ ولد أبيهودَ وأبيهودُ ولد ألِياقيمَ وألياقيمُ ولد عازورَ وعازورُ ولد صادوقَ وصادوقُ ولد آخيمَ وآخيمُ ولد أليهودَ وأليهودُ ولد ألعازارَ وألِعازارُ ولد مَتَّانَ ومَتَّانُ ولد يعقوبَ ويعقوبُ ولد يوسفَ رجلَ مريمَ التي وُلد منها يسوع الذي يُدعَى المسيح. فكلُّ الأجيال من إبراهيمَ إلى داودَ أربعةَ عشرَ جيلاً، ومن داودَ إلى جلاءِ بابلَ أربعةَ عشرَ جيلاً ومن جلاءِ بابل إلى المسيح أربعةَ عشرَ جيلاً. أمّا مولدُ يسوعَ المسيحِ فكان هكذا: لمَّا خُطبت مريمُ أمُّهُ ليوسفَ وُجدتْ، من قبلِ أنْ يجتمعا، حُبلى من الروح القدس. وإذ كان يوسفُ رجلُها صدّيقاً، ولم يُرِد أنْ يَشْهَرَها، همَّ بتخْلِيَتِها سرًّا. وفيما هو متفكّرٌ في ذلك إذا بملاكِ الربِّ ظهر لهُ في الحُلم قائلاً: يا يوسفُ ابنَ داودَ لا تَخفْ أنْ تأخذ امرأتك مريم، فإنَّ المولودَ فيها إنَّما هو من الروح القدس. وستلِد ابنًا فتُسميّهِ يسوعَ، فإنَّهُ هو الذي يخلِّصُ شعبهُ من خطاياهم. وكان هذا كلُّهُ ليتمَّ ما قيل من الربّ بالنبيّ القائل: ها إنَّ العذراءَ تحبلُ وتلد ابناً ويُدعى عِمَّانوئيلَ الذي تفسيرُهُ اللهُ معنا. فلمَّا نهض يوسف من النوم صنع كما أمرهُ ملاكُ الربّ. فأخَذَ امرأتَهُ ولم يعرِفْها حتَّى ولدتِ ابنَها البكرَ وسمَّاهُ يسوع.

في الإنجيل

الوحي الإلهيّ أُعلن من خلال كتاب التكوين أن: "في البدء خلق الله السّموات والأرض" ليؤكِّد أنّ الخليقة هي من نتاجِ عملِ الله من العدم. وأنَّ الخليقة، وإن كانت هي نتاجَ فيض الحبّ الإلهيّ، إلّا أنّها لا تمتّ للألوهة بصلةٍ من حيث الجوهر، كما لا تشابه الجرّةُ الفخّاريّة صانعَها، وإن كانت تحمل لمسةً من إبداعه. وقد أبرز الوحيُ أيضًا أنّ الخليقة لم تكن لتوجد لولا كلمةُ الله "وقال الله ليكن نور، فكان نور"، وهذا ما أوضحه الإنجيليّ يوحنّا بقوله:" كلُّ شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٌ مما كوِّن" (يو 3:1).

والإنجيليّ متّى، وبالوحي الإلهيّ نفسه، بدأ كتابه بـ "كتاب ميلاد يسوع المسيح" ليؤكّد الفرق بين الولادة والخلق. فالولادة تحملُ في خصائصها خصائص الوالد، من جهة الجوهر والطبيعة، على عكس الخلق. المولود البشريّ يحمل في ذاته الطبيعة البشريّة كاملة، وكذلك المولود الإلهيّ يحمل خصائص طبيعة أبيه وجوهرها، فهو إلهٌ حقّ من إلهٍ حقّ. وهو من جوهر الآب نفسه كما نعلن في دستور إيماننا.

ويؤكّد متّى الرّسول، من خلال نَسَب العائلة التي يبرزها، أنّ ميلاد السيّد يفوق تصوّر البشر، لأنَّ مريم وُجدت حبلى، لا من زرعٍ بشريّ، لا من رجلٍ، بل من روحِ الله نفسه "حُبلى من الرّوح القدس". لذا المولود، وإن كان خاضعًا لنسبٍ بشريٍّ، إلّا أنّه من طبيعةٍ إلهيّة. ويترجم الآباء القدّيسون هذا الحدث بالقول: "صار الإله إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا".

والإنجيليّ يضيءُ أذهان سامعيه ويوضح أنّ الله إنما تجسّد ليكون بحسب ما وعد على لسان أشعياء النبيّ بأنّه "سيكون معنا"، في ما بيننا. والله، بوجوده، يتبنّى خليقته ويحتضنها بيسوع المسيح وينتشلها من سبب الموت، الخطيئة.

ما أجمل أن يدرك الإنسان أنّه، مهما أخطأ، فلا مكان لليأس فيه، لأنَّ محبّة الله جعلت يسوع بيننا، يخلّصنا، نحن شعبه وخاصّته، من خطايانا. لم يعد للخوف من سلطةٍ علينا إن أدركنا أنّ الله معنا، حاضر بيننا، يرعانا، وينير دربنا بروحه القدّوس. فلنشدّ أحقاءنا ونرجع إليه بالتوبه صارخين: يا مَن وُلدتَ لأجلنا خلِّصنا نحن شعبَك من براثن الشرِّير، وأنِرْ عقولنا وقلوبنا لنكون لك شعبًا خاصًّا وأُمّةً مقدَّسةً ، بروحك القدّوس. آمين.

صـــــوم وعيـــــــد

قبل الأعياد الكبيرة توجد أصوام كبيرة، على قياس قامة العيد. كلّ صوم هو فرصة لنتذكّر ونتوب؛ وكلّ عيد هو فرصة لندخل في سرّ الحدث الذي نحتفل به. في الميلاد، لنا فرصة الدّخول في سرّ الإله الّذي، قبل أن يدين، يُحبّ ويبذل نفسه لأجل أحبّائه. إن صُمنا وقاتلنا العدوّ الذي يُحاول إبعادنا عن المسيح، عبر إغراقنا في انشغالات التحضيرات الدنيويّة للعيد، فإنّ المسيح سيكشف حضوره فينا، لا على الأرض المنظورة ولا في السماء غير المنظورة، إنّما في هذا المذود الصغير، قلبنا، المنظور وغير المنظور.

مَن يصُم حقيقة، بالتّوبة والدّموع، ينتظرِ العيد ليحتفل به بالسّهر والصلاة والتمجيد. هكذا يستحقّ المسيحيّون الحقيقيّون أن يحتفلوا بأعيادهم ويدخلوا في أسرار تدبير مسيحهم. الأعياد هي للصائمين، وغير الصائمين غير قادرين على أن يدركوا شيئًا من جوهر هذه الأعياد. لا لأنّ الله لا يقبلهم، إنّما من ذاتهم هم غير قادرين على لقاء الله؛ هكذا، الله لم يختبئ عن آدم، إنّما آدم كان غير قادر على مواجهة الله، لأنّه تهاون واستسلم للشهوة. إنّ الصّوم بمعرفة وإدراك يعني شيئًا واحدًا: جهادًا لا يلين ضدّ الخطيئة التي في داخلنا، ضدّ الأهواء والشّهوات التي تقف حاجزًا بيننا وبين الله. هذه هي الذبيحة التي يقدّمها الإنسان لله في أعياده: نفسٌ مُجاهدة تُحبّ الأصوام، وتكره الأهواء والشّهوات. لهذا نقول: من لا يصوم لن يعرف أبدًا معنى العيد.

صوم الميلاد دخل لاحقًا إلى حياة الكنيسة، بعد فترة من دخول العيد في القرن الرّابع، وذلك لأنّ الكنيسة نظّمت حياتها الليتورجيّة تدريجيًّا. لا شيء في الأرثوذكسيّة نزل من السماء كما هو، لكن حقًّا كلّ شيء فيها أُوحي به من السماء. نعمة الرّوح القدس موجودة دائمًا في الكنيسة، لكنّها تُعطى لمن يشترك فيها باستحقاق. نحن نعلم، يقينًا، أنّ الله يُعطي نعمة خاصّة في أعياد الكنيسة، نعمة فائضة للّذين يشتركون في هذه الأعياد بتعب الصّوم والتّوبة. أمثال هؤلاء يكونون حقًّا مع المسيح في أعياده وأعياد قدّيسيه.

وذكرى هذه الأعياد لا تأخذ معناها العميق إلّا في اللّيتورجيا. هناك تتحوّل الذكرى من مستوى العقل المجرّد إلى الشركة الحقيقيّة للإنسان في هذه النعمة الإلهيّة الّتي توجد في العيد. خطأ كبير ما يحصل في الرعايا، اختصار اللّيتورجيا، وإقامة قدّاس العيد في المساء، ساعة أو ساعتين، وينتهي ما هو للمسيح ويبدأ ما هو للعالم. بالطبع إنّ احتفالنا العائليّ وأكلنا وشربنا ليست عائقًا أمام التعييد. الخطأ هو في تحوّل هدف العيد إلى هذا اللقاء الدنيويّ، بدلاً من عيش حدث الميلاد في السهر والصّلاة الليليّة، مع المسيح المولود من أجلنا. أيُّ معنًى يبقى للعيد حين يبدأ بقدّاس سريع يشترك فيه المؤمن بدون تهيئة مسبقة، وكأنّه واجب اجتماعيّ، وينتهي بالسهر طوال اللّيل إلى الموائد الدنيويّة؟ لا يجوز أن يُقام هذا العيد مساءً، المساء ليس يوم العيد.

هذا كي لا نقول إنّ كلّ فكرة القدّاس المسائيّ هي خطأ. هذه هي خطيئة الكنيسة التي لن تُغفر لها، حين تبدأ بالرّضوخ لتهاون أبنائها، مكرِّسة لهم طريقة حياتهم الدنيويّة، التي تتجاذبها الأهواء والضعفات. الكنيسة التي يهمّها خلاص الناس، وهم سيكونون قلّة، بقيّة، لا تتنازل عن حرف واحد من ناموسها الروحيّ، الّذي ينتشل مؤمنيها من الغرق في الدنيويّات ويوجّههم إلى اشتهاء ما هو لله فقط. الحاجات الرعائيّة لا تُبيح التنازل عن قواعد الحياة اللّيتورجيّة؛ لأنّ هدف الكنيسة في هذا العالم ليس تجميع أعداد من البشر يكتفون بالحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة الكنسيّة، إنّما إعداد قدّيسين، من خلال عيشهم ملء هذه الخبرة اللّيتورجيّة الروحيّة.

لهذا الهدف تجسَّد المسيح، ليوجّه كلّ مسيرة حياتنا إلى السماء. الخطر الحقيقيّ الّذي تواجهه الكنيسة اليوم لا يُحدّد فقط في هذا التعييد الدنيويّ لميلاد المسيح، بل أكثر، في أن يقودنا العالم إلى طمس كلّ حقيقة وكلّ هدف تجسّد المسيح، كما حصل في الغرب المسيحيّ حيث المسيحيّة تحوّلت إلى نظام أخلاقيّ، هدفه المجتمع المثاليّ، لا الإنسان الجديد، المتّحد بقيامة مسيحه.

لقد انتظرت البشريّة هذه اللّيلة آلاف السنين. كلّ مسيرة العهد القديم اكتملت في هذه اللّيلة التي سيتجسّد فيها الإله ويصير إنسانًا. ويشهد التاريخ أنّ الله احتمل، بصبر كثير، ضُعفات البشر وخطاياهم وآثامهم، حتّى صاروا قادرين على أن يقبلوه كأبناء لا كعبيد. هذا ما يعنيه "ملء الزمان". ملائكة من السماء أتَوا ليبشّروا الخليقة بهذا الحدث. مجوس من المشرق البعيد أتوا؛ لا بدّ وأنّهم عاينوا حركة الملاك الذي بشّر بالحَبَل بالمسيح في بطن العذراء، حتّى أنّهم وصلوا يوم مولده. صاموا وتعبوا ثمّ عيّدوا مع المسيح نفسه.

حياتهم كانت انتظارًا وترقّبًا لهذا الحدث العظيم الذي سيعاينون فيه ربّ الكواكب والنجوم آتيًا في جسد لخلاصهم. وأمّا نحن فبعجلة، في هذا القدّاس الإلهيّ المستعجل، وكأنّنا نقول للمسيح: لك أعيادك ولنا أعيادنا. لا بدّ للكنيسة من أن تُذكّر مؤمنيها بأنّ ملكوت الله "ليس أكلاً وشربًا، بل برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس" (رو 17:14)؛ وهذا يتحقّق حصرًا في الكنيسة، في أصوامها ودقّة عيشها لإيمانها ولحياتها اللّيتورجيّة.

لقد نسِي المسيحيّون أنّ التجسّد الإلهيّ كشف كيف أنّ الله يبحث عن الإنسان لا ليقيّد حريّته، إنّما ليُعطيه ذاته. لم يأتِ الله كعظماء هذا الدهر؛ الله كشف نفسه بهذه الطريقة المتواضعة، ليس فقط ليظهر بالفعل أنه "وديع ومتواضع القلب"، إنّما لأنّ هذه الطريقة هي الوحيدة التي لا تُمارس تأثيرًا سلبيًّا على حرّيّة الإنسان في إيمانه بالله. في هذا التجسّد الوضيع، أبقى الله للإنسان فرصة ليكتشف فيها الله.

الله لم يخلقنا للموت بل للحياة. هدف التجسّد أن يلدنا ثانية من هذا الموت الأبديّ، الذي قبلناه باختيارنا. "لأنّ ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك" (لو10:19). وتراتيل العيد تعلّمنا كيف نتهيّأ لهذا الخلاص الآتي: "هلمّوا يا مؤمنون لنرتقِ بالرّوح ولنعاين تنازلاً إلهيًّا في بيت لحم، ونسبق فنهيّئ مداخل عيد الميلاد مطهّرين عقولنا بالسيرة الحسنة ومقدّمين الفضائل صارخين: المجد لله في العلى".

 

أخبارنا

قدَّاس عيد الميلاد

تحتفل كنائس الأبرشيّة كلُّها بعيد الميلاد المجيد، ويترأّس راعي الأبرشيّة سيادة المتروبوليت أفرام الجزيل الاِحترام خدمة العيد في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- طرابلس، الزاهريّة يوم الإثنين الواقع فيه 25 كانون الأوّل 2017. تبتدئ صلاة السّحر عند السّاعة الثامنة صباحاً ويليها القدّاس الإلهيّ.

ويستقبل سيادته المهنّئين بالعيد في دار المطرانيّة ابتداءً من الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى الثانية بعد الظهر، ومن الساعة الرابعة بعد الظهر حتّى السابعة مساءً.

ولهذه المناسبة يعايد سيادتُه كلّ أبناء الأبرشيّة: ميلاد مجيد.