الفضائل الجسديّة الظاهرة والكمال المسيحيّ
الفضائل الجسديّة الظاهرة والكمال المسيحيّ  

1) فضائل الجسد ورذائه

هناك فضائل جسديّة ظاهرة وخفيّة، تمامًا كما هي الحال مع النفس، وهذه تزداد أو تنقص بحسب الطريق الذي نسلكه في مسيرتنا الجهاديّة. وبالحقيقة، يوجد سبيلان لا ثالث لهما ليسلكهما كلّ مجاهد، أو بالحري، توجد مفارق مختلفة تقود من منعطف إلى آخر فيما الطريق واحد: 

1) الإيمان بالله، ويؤدّي إلى الخلاص، وبالاستناد عليه نسلك في الفضائل الجسديّة منها أم النفسيّة، الظاهرة والخفيّة. 
2) وعدم الإيمان بالله ويوصل إلى دمار الموت، وبالانجذاب إليه نحيا في الرذائل والشهوات سواء كانت جسديّة أم نفسيّة خارجيّة أم داخليّة. وإلينا يعود اختيار الطريق الذي نسلكه بحسب الحرّيّة التي منحنا إيّاها الله دون أن ننسى بأنّ اختيارنا هذا يحدّد مسؤليّتنا حيال فضائلنا ورذائلنا في الحياة الأبديّة. 

قد نقع أثناء مسيرتنا في طريق الإيمان بحفر الخطايا المتنوّعة بداعي الجهل والضعف والأنانيّة، ولكنّ التوبة تدفعنا لننهض ونتابع طريقنا الصالح، متشدّدين بمعونة الله والإيمان الثابت به. وأمّا اختيارنا للطريق الآخر (عدم الإيمان)، فيغرّقنا، بسبب لا مبالاتنا وغفلتنا، في وحل الخطيئة دون وجود أيّ بارقة أمل للنجاة لغياب الإيمان بالله وتاليًا غياب مساندته. 

ينبّهنا الآباء القدّيسون إلى صديق وعدوّ، في الوقت عينه، لا بدّ أن نصادفه أثناء مسيرتنا هذه أي جسدنا. ليس الجسد شرًّا بحدّ ذاته، وإلّا لما كان خلقه الله، ولكن ورغم أنّه يموت وينحلّ حين انفصاله عن النفس، غير أنّ له أهمّيّة كبرى لاحتوائه على النَّفَس الإلهيّ، ولهذا، فالازدراء به، أو اعتباره شيئًا أدنى من النفس، هو خطيئة عظيمة. إذ حينما خلق الله الإنسان جعل اتّحاد النفس والجسد اتّحادًا كاملًا وثيقًا لكونه على صورته وشبهه. ولذلك ترفض تعاليم الآباء القدّيسين، والتي هي إيمان الكنيسة المقدّسة أيضًا، كلّ فكرة عن التقمّص أو اعتقاد به.

لقد سمّينا الجسد عدوًّا وصديقًا معًا لأنّه كذلك بحسب انقياده لنا أو تمرّده علينا، وهذا يتعلّق بكيفيّة جهادنا. فنحن من يوجّه دفّة جسدنا بمقدار سيادتنا عليه، وهذا يؤثّر بشكل قطعيّ على نتائج مسيرتنا في الحياة الأخرى. وبحسب فضائل الجسد ورذائله تنقص أو تزداد حرارة حياتنا الروحيّة، ليصبح إمّا هيكلًا للروح القدس أو عبدًا طيّعًا للشرّير. فإن سار في طريق الفضيلة والقداسة صار مسكنًا للنعمة الإلهيّة ومقامًا فعليًّا للثالوث القدّوس. وعلى العكس، إن استكان للأهواء الشيطانيّة المنحرفة والمتنوّعة الأشكال، يتحوّل، عندئذ، عدوًا رهيبًا ومحاربًا وجلّادًا لا يشفق على نفس المجاهد، بل يجعله جاحدًا بائسًا تعيسًا ومجدّفًا. وتبدأ هذه المسيرة المميتة، قليلًا قليلًا، من أمور صغيرة لتصل إلى الكبيرة. وبما أنّ الربّ الفاحص القلوب قد أدرك بأنّ جسدنا الضعيف ينجذب بسهولة نحو الشهوات والغنى والمجد، لذلك نصحنا باليقظة والصلاة بقوله: "اسهروا وصلّوا لئلّا تدخلوا في تجربة. أمّا الروح فمستعدّ وأمّا الجسد فضعيف" (متّى 26: 41). 

تتحرّك فضائل الجسد ورذائله، كما النفس أيضًا، باستمرار بين هذين القطبين: الرغبة (الشهوة) والألم (الهوى) وهذان  يترافقان دومًا مع الغمّ (الحزن). فإن كانت حياتنا خاضعة لروح هذا العالم، فإنّ هذين القطبين يدفعان بها إلى الموت؛ وإن كانت تحيا وفق مشيئة الله، فإنّهما يقودانها إلى الحياة "لأنّ الغمّ بحسب رضى الله ينشئ توبة للخلاص لا ندم عليها أمّا غمّ العالم فينشئ الموت" (2كورنثوس 7: 10) بحسب قول الرسول بولس. ولهذا، تتأرجح كفّة ميزان الرغبة والألم بين ممارستنا للفضائل وبين استسلامنا للهوى وما ينتج عنهما في مسيرتنا نحو الكمال. 
 
الكمال المسيحيّ

يعلّمنا الآباء القدّيسون بأنّ الفضائل الجسديّة الخارجيّة وحدها من دون التواضع لا تؤدّي إلى الكمال، لأنّها قد تحوي بين طيّاتها الشعور بالبرّ الذاتيّ، وعلى هذا لا تعود تسمّى فضائل بما أنّها لا تؤؤل إلى الخلاص وإنّما فضيلة جسديّة خالية من الفضيلة الروحيّة، أو بمعنى آخر نشاط خارجيّ لا يُكسب المجاهد أيّ مكسب روحيّ سوى تضخيم الذات والتثبّت في الكبرياء. ولقد تطرّق القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ إلى هذا الموضوع ، فقال: "العمل الأعظم والأكمل للمجاهد هو اقتناء الكمال المسيحيّ أو الاتّحاد بالله. فإن كنت تشتاق إلى الوصول إلى هذه الدرجة، فيجب أن تعلم، أوّلًا، ما هي أسس هذا الكمال. فالبعض يقولون بأنّه يرتكز على الصوم والسهر والسجدات وما إليها. وآخرون يقولون بأنّه يقوم على الصلوات الكثيرة والخدم الطويلة. ويظنّ غيرهم بأنّه يستند على الصلاة الذهنيّة وحياة التوحّد والصمت والنسك المعتدل. ولكنّ هذه الفضائل ليست، بالحقيقة، الكمال المسيحيّ المطلوب وإنّما هي وسائل لتقبّل نعمة الروح القدس. وبما أنّها كذلك، فقد مارسها الكثيرون لمقاومة التكاسل والخمول والتصدّي للأعداء الثلاثة أي الجسد والعالم والشيطان، وللتزوّد بالمعونة الروحيّة الضروريّة ليصيروا أهلًا لمواهب الروح القدس ولثماره: "المحبّة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والعفاف" (غلاطية 5: 22-23).

لذلك، يهذّب المجاهدون أهواء الجسد بقساوة ليبقى متوافقًا والمشيئة الإلهيّة وخاضعًا لها. فهم يصلّون ويتعبدون لينقّوا أذهانهم. يصمتون تجنّبًا لزلّات اللسان. يتأمّلون في حياة الربّ وآلامه لكي يدركوا جسامة خطاياهم وبالمقابل صلاح الله ورحمته. ينكرون ذواتهم حاملين الصليب على مناكبهم سعيًا وراء مقت الذات، مؤجّجين، في الوقت نفسه، حرارة محبّة المسيح. ولكن قد تتسبّب هذه الفضائل ببعض الأضرار لمن وضعها أساسًا لجهاده، موجّهًا جلّ اهتمامه إليها، غافلًا عن تحرّك الإرادة الذاتيّة، وغير مدرك بأنّ الشيطان عندما يجده مرتكزًا عليها، يوحي إليه بأنّها هي التي سترفعه روحيًّا ليشابه سموّ الطغمات الملائكيّة. وبالفعل، فقد يحسّ، أحيانًا، بحضور الله داخله، أو يسكر، أحيانًا أخرى، بالمطالعات الروحيّة، فيعتقد، حينئذ، أنّه قد نجح في التخلّي الكامل عن العالم، وصار أهلًا ليختُطف إلى السماء الثالثة. وهكذا ينخدع ويبتعد عن الكمال الحقيقيّ واقعًا تحت نير البرّ الذاتيّ بسبب تعظّمه وتمسّكه بإرادته. إنّه أعمى. وإن أردنا منعه عن تلك الممارسات التقويّة، يتّضح لنا، للحال ضلاله، إذ ينفعل ويغضب ويصبح شخصًا مغايرًا لما ما كان عليه.

ولكي يعود إلى معرفة ذاته معرفة حقيقيّة ويتّضع، يسمح له الله بالأحزان والأمراض وحتّى بالاضطهاد. وعندئذ يدرك سقوطه في هوى الكبرياء وسوء اعتقاده بأنّ هذه الفضائل الخارجيّة الصالحة كفيلة وحدها لتوصله إلى قمّة الكمال. كما يتأكّد بأنّ الكمال الروحيّ لا يتوقّف على هذه الفضائل الخارجيّة وحسب، إنّما يكمن، قبل كلّ شيء، في نكران الذات ومقتها مقتًا تامًّا. وبمعنى آخر، عدم الركون إلى إرادتنا الخاصّة، والخضوع ليس، فقط، للمشيئة الإلهيّة، وإنّما لكلّ الخليقة محبّة بالربّ. هذه هي الشريعة التي يكتبها الله نفسه في قلوب المجاهدين، والذي كان هو نفسه النموذج الأعلى والأوّل لها، وبلغة أخرى حمل نير المسيح أي نكران الذات المفضي إلى الكمال المسيحيّ. 

بعد أن عرفت، أخي المجاهد، على ماذا يرتكز الكمال المسيحيّ، ولكي تستطيع اقتناءه عليك أن تباشر حربًا ضدّ نفسك، حربًا لا تهدأ إلّا بالموت، وأن تقتني هذه الأربعة الأشياء إن أردت أن تكون في عداد المنتصرين الظافرين: 1) لا تثق البتّة بنفسك وما يتعلّق بها (رأيك، ظنونك، فهمك.. 2) ارتكز على الرجاء بالله مستمدًّا منه العون والشجاعة في جهادك، مزدريًا بمشاعر الإحباط والفشل. 3) لا توقف جهادك أبدًا، فتوقّفه يعني موتك الروحيّ. 4) صلّ باستمرار، واجتهد لتكون صلاتك نقيّة.
ضع نصب عينيك هذه الأسلحة الأربعة قبل كلّ عمل تقوم به، وقبل كلّ قول تتلفّظ به أو قرار تتّخذه أو رغبة تريد أن تحقّقها، وسوف تبلغ في وقت قصير إلى الكمال المشتهى".