تجربة المرّة الواحدة
تجربة المرّة الواحدة

"وأخيرًا كبرت، يا صديقي، ولم تعد طفلًا ساذجًا. تعالَ وانضمّ إلى رفقتنا. هيّا لنذهب إلى الملهى الليليّ الذي نرتاده يوميًّا. هيّا تعرّف إلى رفقانا ورفيقاتنا، وأقم علاقة خاصّة بهم. جرب التدخين، سيجارة واحدة فقط، ودع عنك جانبًا أباءك الروحيّين وهؤلاء القدّيسين الذين تصلّي لهم. جرّب مرّة واحدة. نعم، مرّة واحدة فقط، ثمّ تستطيع ألّا تعود إلينا. أنت حرّ".

هل انتبهتم إلى هذه (النصيحة) من هذا (الصديق)؟ لقد قال له: جرّب مرّة واحدة وليس أكثر. ولكن كم كان جذّابًا ومغريًا هذا العرض لفتًى يافع! لقد كان طعمًا حقيقيًّا، فخًّا منصوبًا بلباقة! ولكن حتّى نحن الكبار، كم من مرّة ألحّت هذه العبارة على أذهاننا (مرّة واحدة لا غير). نعم، مرّات كثيرة تغزونا كتجربة فنقول مثلًا: "وماذا سيحصل لي إن ذهبت وجرّبت مرّة واحدة فقط لا أكرّرها، إنّها مجرّد تجربة؟ ثمّ قد تكون هذه المرّة الواحدة خبرة شخصيّة لي لا أحتاج لمن يخبرني عنها بما أنّني قد اختبرتها. فتجربتي هذه لمرّة واحدة ليس بخطرة، بل قد تكون ذا فائدة عظيمة لي".

هل الأمور هي هكذا بالفعل؟ إنّ عَرْضَ هذا الصديق هو شبكة شيطانيّة ليوقع بي ويخلق لي المتاعب. ولكن لماذا عرض عليّ هذا؟ لو كان الأمر خطيرًا لما شدّد عليّ بالقبول. ثمّ لماذا جيّش كلّ طاقاته ليعرض لي أفكاره بهذه اللطافة؟ لماذا يصرّ بهذه الطريقة؟ ثمّ لماذا أثارتني هذه العروض طالما أنّها كانت ترد إلى فكري بأكثر بساطة؟

إذًا، المسألة ليست بهذه البساطة لأنّها خلقت في داخلي تساؤلات وأشغلتني حتّى أثناء صلاتي. من هنا يجب طرحها على أبي الروحيّ، إذ ليس علينا أن نتّخذ أيّ قرار ولا أن نبدأ بأيّ خطوة من دون مجابهة الأمر على صعيدين: الصلاة وكشف الأفكار أو الاعتراف. والآن، دعونا نتأمّل هذه الأمثلة التي ستعطينا من تلقاء نفسها لجواب على أسئلتي:

1)           المثال الأوّل: ألم يذق آدم وحوّاء في الفردوس الثمرة لمرّة واحدة؟ ألم يعصيا الوصيّة لمرّة واحدة وأخطأا إلى الله؟ ومنذ ذلك الوقت، ليس هما وحسب، بل البشريّة برمّتها غرقت في الخطيئة. إنّه العرض عينه الذي نتلقّاه نحن أيضًا: مرّة واحدة لأمر قد لا يكون صحيحًا ولا مستقيمًا، ولكنّه جذّاب في الوقت نفسه. الصديقة الحيّة أوقعت حوّاء في المعصية، وهذه بدورها أوقعت شريك حياتها الذي انقاد لها لمرّة واحدة فقط.

2)           المثال الثاني: هل تعرف شخصًا واقعًا تحت تأثير الخمر، مغرمًا بالتدخين، منجذبًا إلى المخدّرات...؟ هل وُلد هؤلاء هكذا من بطون أمّهاتهم؟ طبعًا كلّا. إذًا، كيف وصلوا إلى الحالة الرهيبة التي يرثى لها من البؤس؟ لقد كانت المرّة الأولى: كأس واحدة أشارك بها أصدقائي ثمّ أتوقّف، ثمّ صار الكأس كأسين، ثلاثة، ثمّ سلسلة لا تنتهي من الأكواب. وهكذا أصبح سكّيرًا ثملًا. هذه هي الحال مع الباقين أيضًا.

3)           هل لاحظتم كيف تُذبح الحيوانات؟ يقدّمون لهم، مرة واحدة، الطعام الذي يرغبون به ويشتهونه، فتصير طيّعة بين أيديهم تتبعهم إلى الذبح كما يتبع الأعمى صاحبه.

أمثلة وأمثلة عديدة تبرهن لنا كيف أنّ التساهل مع المرّة الأولى يؤدّي بنا إلى ما لا نرغب به، بل قد يكون سببًا لهلاكنا أيضًا. فأصغر فعل خاطئ، ولو كان لصغره لا يرى إلّا بواسطة المجهر، إن اقتُرف لمرّة واحدة سوف تتبعه عشرات المرّات ومئات المرّات بل ألوف المرّات حتّى يصبح هوًى مخيفًا يجرّ الإنسان ويقيدّه بلا شفقة ويفقده الحرّيّة التي وهبها إيّاها الله.

من يستطيع أن يزعم أنّ أيّة عادة سيّئة أو هوّى يشكو منه لم يمتلكه بخضوعه له في المرّة الأولى؟ أو من يستطيع أن يزعم أنّ أيّ تراجع في الإرادة ولو لمرّة واحدة والخضوع للخطيئة لا يقود الإنسان إلى أخطاء شنيعة ومهولة قد تصبح خطايا لا يصحّ ذكرها. نعم، العدو كثير الحيل والشرّ، وأقلّ حركة منه هي مدروسة بإحكام ومهلكة تمامًا. وبالأكثر الإيحاءات التي تلقى صدًى كبيرًا لدى الشبّاب: جرّب مرّة واحدة لا غير. تأتينا الخطيئة كمسافر عابر، في بادئ الأمر، ثمّ تصبح زائرا فمقيمًا فسيّدًا. يكفي أن نفتح له مرّة واحدة باب فكرنا ليستحوذ على حصن أنفسنا.

ولكن، دعوني أنا أيضًا أوجّه إلى هذا الصديق عروضًا لم يألفها، عروضًا تغنيه، تحرّره، تخلّصه، فأقول:

** تعالَ معي إلى الكنيسة مرّة واحدة، وتأمّل جمالها غير المادّيّ الذي لم تعرفه في ملاهيك الليليّة.
** تعالّ معي إلى اجتماعاتنا الدينيّة وتعرّف إلى أشخاص طيّبين محبّين أنقياء.
** تعالَ معي إلى أبي الروحيّ لتعترف وتتحرّر من عاداتك وأهوائك، أو على الأقلّ لأخذ بركته وصلواته.
** اقرأ، مرّة واحدة الكتاب المقدّس، وسوف تتغيّر من دون شكّ؛ أو طالع هذا الكتاب الروحيّ الذي يفتح آفاق نفسك على أمور لم تسمع بها من قبل؛ أو خذ هذه النشرة الدينيّة وتعرّف إلى هذا القدّيس أوذاك.

ماذا تظنذون سيحصل؟ سوف يسخر منّي للحال، ويرفض السماع ويبدي إشارة إلى إنهاء الحديث على الفور. لماذا، لا يريد هذا الصديق أن يكتسب خبرة صالحة، خبرة قدّيس جاهد لاكتساب الفضيلة ونبذ الرذيلة؟ ما بات واضحًا الآن بأنّ عروضه هي عروض شيطانيّة بامتياز وأنّه باع نفسه لهذا الشيطان
.

علينا بالانتباه من مهاجمي حصون نفوسنا، وصدّ زيارات زائرينا الليليّة. لنكن شجعانًا في مواجهة غاراتهم. لنكن يقظين لفنونهم، وبكلّ تأكيد سوف يكون الفوز لنا لأنّ المسيح هو قريب دائمًا من المجاهدين ويسكب عليهم نعمته. وعندما يرى الشيطان استعدادنا والسميح إلى جانبنا سيفرّ هاربًا. ولكن إن قبلنا التجربة ولو لمرّة واحدة، فسوف تهجرنا النعمة الإلهيّة ويشدّد الشيطان حروبه علينا، وعندئذ سيكون هلاكنا مؤكَّدًا.