نصّ محاضرة الأمّ الرئيسة
أثناء اجتماع أعضاء المركز الرعائيّ للتراث الآبائي الأرثوذكسيّ
في الدير في 28/5/2026
الجزء الثاني
هل هذا يضادّ الطبيعة الإنسانيّة والمجتمع وسَيْر التاريخ؟
** الرهبانيّة ليست ضدّ طبيعة الإنسان، لأنّها العودة بهذه الطبيعة لأصلها ورفعها إلى موطنها الحقيقيّ.. ليست هي ضدّ المجتمع، لأنّها المجتمع المثالي.. ليست هي ضدّ التاريخ، لأنّها تقودنا إلى نهاية التاريخ إلى غايته، إلى الحياة الأبديّة.
** هذا الانقطاع عن العالم، هل هو عقم وعدم جدوى ولا يؤدّي إلى نتيجة عمليّة؟
الرهبنات هي التي حفظت المسيحيّة بعد عهد الشهداء، هي التي حافظت على الإيمان القويم، على الحقيقة وحاربت الهرطقات. هي التي أعطتنا كنوز العبادة الأرثوذكسيّة ومناهل علم الحياة الروحيّة ورجال الكنيسة العظام، وهي المقياس لانتشار المسيحيّة.
** إنّ وجود الراهب كساع إلى القداسة، تاركًا الأهواء وملتمسًا نقاوة القلب والتحرّر من عبوديّة المادّة وفسادها ومتأمّلًا العالم السماويّ، يجذب وراءه الكنيسة كلّها بالروح القدس للتفتيش عن معاينة الله وسكنى الله فيها.
** الصلوات الكنسيّة تيّار نحو القداسة.
** الرهبانيّة هي "العين التي تنظر بها الكنيسة العالم اللّامتناهي" (فيكتور هوغو)
** الراهب يشهد كلّيًّا في نفسه وجسده، في حياته كلّها للمسيح الغالب.
** الراهب موجود ليصلّي من أجل الذين لا يعرفون أن يصلّوا، والذين لا يستطيعون أن يصلّوا، والذين لا يريدون أن يصلّوا.
** الرهبان مثل باكورة الحصاد وباكورة القطيع المقدَّمة للرب ليبارك الحصاد كلّه ففيه يتبارك ويتقدّس شعب الله كلّه.
** الرهبان يُفرزون من العالم لكي يحلّ الروح القدس فيهم، ويقدّس بواسطتهم العالم كلّه كما يتقدّس الخبز والخمر ويتحوّلان إلى جسد الربّ ودمه.
** الرهبان هم مثل الخميرة التي تُفرز وتخُبَّأ، وبواسطتها تتخمّر العجينة كلّها، لذلك قيل عن الرهبانيّة إنّها السرّ الثامن من أسرار الكنيسة.
** قال الفيلسوف الروسيّ بردياييف: "لا يمكن للكنيسة أن تقوم بدون أساقفة وكهنة أيّا كانت مؤهّلاتهم البشريّة، وفي الحقيقة لا يمكنها أن تتنفّس وتحيا داخليًّا بدون نسّاك وقدّيسين ورهبان".
** قلب الراهب مذبح يقدّم عليه يوميًّا مشيئته الذاتيّة، ساحقًا، وبقوّة، الأنا ومغرّقًا الأهواء وقاتلًا العادات الشخصيّة السيّئة.
** الرهبنة الأرثوذكسيّة هي رهبنة هدوئيّة، فهدوء الذهن ينبع من التوبة ومن تطبيق الوصايا. الهدوء لا يعني الجمود، إنّه هدوء داخليّ، لأنّ الراهب يسكن ويصمت ليتحدّث مع الله، وليتقبّل الله نفسه، في داخله ثمّ لينفتح بمحبّة عميقة نحو أخيه الإنسان.
** الأديار والبرّيّة بحسب الذهبيّ الفم هي: "بلد الشهداء، لأنّ هؤلاء يشهدون لملكوت الله الذي يجلبونه ويحقّقونه. فقد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات، ويتحمّلون اضطهاد الأهواء والشيطان. إن كان زمن الاضطهاد قد انتهى وتوقّف، فإنّ زمن الاستشهاد لا يتوقّف "لأنّه وإن لم يحاربنا المضطهد، فهناك شيطان أصعب من المضطهدين كلّهم".
** التقشّف هو لون الاستشهاد الجديد. في شهادة الدم يعمل السيف، بينما في شهادة الحياة يعمل الاستعداد والإرادة.
** يعدّد بولس الرسول في سحابة الشهداء هابيل، أخنوخ، نوح، إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى.. ليس الموت هو الذي يصنع الشهداء، فقط، وإنّما الإرادة أيضًا.
خروج الراهب من العالم
** إنّ خروج الإنسان مهما كانت أسبابه المباشرة واضحة جدًّا (حُبًّا بالمسيح، رغبة في الهدوء والصلاة، عشقًا لطريق القداسة والتبتّل لله)، فإنّه يوجد سبب جذريّ عامّ (قد يحسّه وقد لا يحسّه) يختفي عميقًا وراء كلّ خروج وهذا السبب الجذريّ هو (غريزة العودة إلى الله)، والتي تبدو عند كلّ إنسان كحالة توبة يحسّها في أعماقه.
** إحساس الغربة على الأرض (وهي فضيلة في الحياة الرهبانيّة) لا يمكن أن تنشأ قبل إحساس الاستيطان في السماء.
ما هي القيمة الروحيّة لخروج الراهب من العالم
** الطاقة الروحيّة التي نكون مشحونين بها أثناء خروجنا تكون ذات وزن روحيّ عالٍ جدًّا، تساوي في قوّتها وعملها وقناعتها كلّ ما يؤهّلنا للحياة الدائمة مع الله. كما تمدّنا بالقوّة اللّازمة للتغلّب على الذات وعلى عقبات وعثرات كثيرة وعلى النموّ في الحبّ والبذل. إنّها عطيّة إلهيّة يبقى الراهب محتفظًا بها في قلبه وفكره لكي يحقّق كلّ يوم العودة إلى الله على طول الطريق.
الخروج من العالم قامة من قامات ملء المسيح
** يُعتبر الراهب، وقد نجح في الخروج من العالم والتخلّي عن الناس، صاحب قامة روحيّة لها وزنها الإنسانيّ والكنسيّ العالي جدًّا بسبب فرادتها، وندرة الذين يؤهّلون لها باعتبارها قامة من قامات ملء المسيح التي سلّمها للبشريّة لمواجهة سلطان العالم والشيطان وتحدّياته.
** ملء قامة المسيح هي قامة فيض وجذب وعطاء إنسانيّ. المسيح في الأربعين المقدّسة خرج من العالم من أجل العالم. أخرج البشريّة معه عن عالمها الذي أضلّها. خرج بها من موطنها الترابيّ ليستوطن بها مع الآب في البرّيّة في عزلة عن شهوة الجسد وشهوة العين وتعظّم المعيشة، وهكذا سلّم النصرة على الشيطان في التجارب الثلاث. وهكذا، أيضًا، فالرهبنة الحياة كلّها هي أربعين العمر.
الراهب وقناع العالم المزيّف
** يعيش الراهب الجهاد في المسيح ويتألّم لأجل إخوته في العالم، يريد أن يكون شمعة مضيئة لأجل العالم أمام أيقونة السيّد.
** إنّ فلسفة السعادة واللذّة يظلمان الفكر ويزيدان الشكّ في كلّ شيء مقدّس وإلهيّ في إيماننا. وهذا يقود الناس بسرعة إلى الكفر والإلحاد اللذين، بدورهما، يجلبنا المادّيّة ويدعوان إليها. وهذا، بدوره، ينمّي الشهوات الحسّيّة (الفجور والمتعة).
1) يتألّم الراهب لأجل الخطايا العظيمة التي تذلّ الروح وهي رفقة الشيطان.
2) يتألّم من لا مبالاة الإنسان تجاه أخيه الإنسان (دمار مفهوم الأسرة، انهيار مفهوم الزواج، احتقار رهبة الله في الأهل..).
3) لأجل الجهل الروحيّ وهدف الخلق وجهله لخالقه.
4) من الفلسفة الحديثة التي تسعى لتخلّص الإنسان من كلّ ألم الذي به نعود إلى الله.
5) يحزن للتسليات التي تبعث الاضطراب في فكر الإنسان، ووسائل الترفيه التي تدمّر الروح بدل أن تهدّئها.
6) لأجل سطحيّة التفكير لدى المفكّرين الذين يشكّكون بوجود الله.
7) لأجل نظام التربية في الدول الخالية من وجود الله، فيتكاثر عدد الملحدين.
8) يتألّم من الإعلانات والبرامج والمشاهد التي تفسد المشاعر وتهدّم الأرواح ولأجل نقص المرشدين.
9) لأجل الأطفال الذين يتربّون على الأكاذيب ويتغذّون بالكثير من الموادّ المسمّة.
10) يتألّم لأجل كلّ ما يؤدّي إلى محو الإنسانيّة والحشمة من الوجه البشريّ.
11) يتألّم من إنجازات هذا الدهر والارتداد عن محبّة الإله الخالق كالتلوّث البيئيّ وتدمير الطبيعة والتوتّر ووطأة الحياة المدنيّة المعاصرة وتفاقم الخطر لكلّ أنواع الانحرافات والانتحار والجرائم وانتشار المخدّرات بسرعة والأصوليّة البربريّة والحروب.
12) بسبب تشريع الظلم وكلّ ما هو غير قانونيّ وخاطئ (كتشريع الخطيئة)، فيقصي خوف الله من القلب.
** إنّهم يجهلون مدى خسارتهم كونهم خارج جسد المسيح ومدى حرمانهم إذ يعيشون بعيدًا عن البيت الأبويّ.