معنى الحياة الرّهبانيّة [1]:
تجد الحياة الرهبانيّة معناها الحقيقيّ في ثلاث أوجه رئيسيّة هي:
أوّلًا: الحياة الرهبانيّة حياة هدوئيّة:
لا شكّ أنّ الحياة الرهبانيّة حياة خاصّة مختلفة عن غيرها. فالراهب يترك الناس والعالم وينعزل في ديره وفي صومعته، هذا يبدو غريبًا في نظر العالم. لكنّ الراهب رأى من خلال العالم انعكاسًا بسيطًا من نور الله ومجده، لذلك، فهو يحنّ إلى الرؤيا المباشرة. ليست الحياة الرهبانيّة حياة تأمّل في عزلة إلّا لأنّها تصبو إلى لقاء الله في أعماق الإنسان.
كيف يُدعى الراهب إلى هذه الحياة الخاصّة؟
أوّلًا: الحياة الرهبانيّة ليست منّا إنّما تأتينا من الله. لقد ميّز الآباء ثلاثة أشكال لنداء الله:
- النداء المباشر: ومثال على ذلك كان القدّيس أنطونيوس الكبير في الكنيسة يوم الأحد، فسمع إنجيل ذلك اليوم "إن كنت تريد أن تكون كاملًا فاذهب وبع كلّ شيء لك وأعطه للمساكين وتعال اتبعني" (متّى 19: 21)، فأحسّ في نفسه بالنداء المباشر، وقال إنّ هذا الكلام هو لي، فترك لساعته كلّ شيء وتوحّد في البراري وصار أبا الرهبان.
- النداء غير المباشر: وهو نداء الله من خلال الكوارث والصدمات أو الظروف التي يرتّبها الله للمرء حتّى يأتي به إلى الحياة الرهبانيّة التي يريدها له.
- وأخيرًا الدعوة الرهبانيّة التي تجيء بالمرء إلى الدير نتيجة لتفكير العقل واستصوابه دون أيّة حماسة كبيرة بادئ الأمر، ولكن بعد انخراطه في الحياة الرهبانيّة تتّضح له دعوته وتتجلّى.
ثانيًا: الحياة الرهبانيّة حياة توبة:
التفتيش عن الله لا يتمّ دفعة واحدة، بل في جهد متواصل، أي في التوبة. الحياة الرهبانيّة امتداد إلى الأمام لا يعرف الوقوف. الله هو الحقيقة الوحيدة التي لا يُشبع منها، وفي التوبة جوع إلى الله وعطش إليه لا حدّ لهما. النفس في طبيعتها تريد الله وتحبّه. والنفس إن لم تفتّش عن الله تعتم وتظلم. ولكنّها إن لم تفتّش عن الله فتّشت عن اللذّة واستُعبدت لها، ثمّ ملّتها وفتّشت عن لذّة أخرى. وعلى هذا، فكلّ سعادة غير الله تُستنفَد وتنتهي لأنّها محدودة "ومنتهية"، ولكنّ عطش النفس لا حدود له، ولذلك لا يرويها شيء إلّا الله وحبّ الله. تفتقر النفس في ملذّات العالم بدلًا من أن تستغني، وتفقد حرّيّتها وقوّتها. سعادة العالم سعادة مزيفة، ولذلك نرى العالم فريسة للقلق والجزع: السلام هو في الله اللّامتناهي "الحصول على الله هو بالضبط التفتيش عنه دون انقطاع" (غريغوريوس النيصصي). وهذا لا يتوقّف بعد الموت، بل يستمرّ في الحياة الأخرى، وليست حياة الراهب سوى تذوّق مسبق لطعم الأبديّة.
1) على الراهب ألّا يقف، أبدًا، في عمل التقدّم الداخليّ:
قال القدّيس سيسوي، (الشهير بين آباء البرّيّة والذي قضى حياته في الأصوام والأسهار والأتعاب)، وهو على فراش الموت عند مشاهدته بهاء المجد السماويّ إنّه لم يبدأ بالتوبة بعد!
2) على الراهب ألّا ينتظر نتيجة ومفعولًا لجهاده حتّى الموت:
ولأنّ الراهب لا يطلب لنفسه ولا يتوقّع منها ثمرًا ما، حتّى ولا فضيلة، فالعالم يعدّ حياته فاشلة عقيمة. أمّا هو، فيتابع الصعود ويضع نصب عينيه الله والله فقط.
ثالثًا: الحياة الرهبانيّة حياة تمجيد كالملائكة:
أخذ الرهبان على عاتقهم تمجيد الله على الأرض والترتيل له بصورة دائمة بالمزامير والصلوات. وهم الذين أوجدوا الذكصولجيّات والتسابيح والليتورجيا: أي التمجيد السماويّ على الأرض. فالراهب لا يستطيع التوقّف عن التمجيد لأنّه يرى الله.
رابعًا: الحياة الرهبانيّة تجدّد الذهن وتعطي معرفة:
"جدّدوا أذهانكم" (رومية 12: 2)، "وليكن فيكم فكر المسيح" (فيليبّي 5: 2). الفهم الحقيقيّ هو النظر إلى العالم بعين المسيح، "إنّها البصيرة الحسنة". يجب أن لا يُهمَل العمل العقليّ في الأديرة. على الراهب أن يتعلّم ويطالع مؤلّفات الآباء والتأمّل بها.
وبإيجاز، الحياة الرهبانيّة تسبق فتمثّل حياة الآخرة منذ الآن:
إنّها سيرة ملائكيّة كواقع وحقيقة، إنّها "السرّ الثامن من أسرار الكنيسة" (ديونيسيوس الأريوباغي). تُحضر نعمة الله غير المنظورة بواسطة المادّة المنظورة وتحت شكلها، كذلك الحياة الرهبانيّة تهيّئ وتحقّق الحياة الأبديّة في هذه الحياة الأرضيّة.
الحياة الرهبانيّة سرّ التكريس الكلّيّ لله، السرّ الثامن حقًّا من أسرار الكنيسة.
يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "من الأفضل أن تتوقّف الشمس في مسيرها ولا يتوقّف الراهب عن صلاته".
ويقول القدّيس سلوان الآثوسيّ: "العالم يبقى مستمرًّا بصلاة الراهب، هذه خدمته. أرجوكم لا تثقّلوه بالانشغالات الدنيويّة التي تعيق صلاته".
من هم الرهبان للقدّيس سلوان الآثوسيّ
- الراهب إنسان مصلٍّ يبكي لأجل العالم بأسره وهذا هو انشغاله الرئيس.
- من الذي يحثّه على البكاء من أجل العالم؟
إنّه السيّد يسوع المسيح... إنّه يمنح الراهبَ محبّة الروح القدس، وهذا الحبّ يملأ قلبه بالتوجّع لأجل البشر، لأنّهم ليسوا كلّهم على طريق الخلاص.
- منح الربّ الروح القدس للرسل ولآبائنا القدّيسين ولرعاة الكنيسة، وفي هذا تكمن خدمتنا للعالم.
- يصلّي الإنسان العائش في العالم قليلًا، في حين يصلّي الراهب باستمرار؛ وبفضل الرهبان لا تتوقّف الصلاة على الأرض، وهذا ما
- ينفع الكون بأسره، لأنّ العالم يبقى مستمرًّا بصلاة الراهب، وإذ تضعف الصلاة فالكون يفنى.
- علّم الروح القدس الرهبان محبّة الله والعالم.
- ربّما تقولون إنّه لا يوجد، بعد، رهبان يصلّون للعالم أجمع.
إنّي أقول، إذا لم يعد في العالم رهبان مثل هؤلاء، فستكون نهاية العالم، بل ستنقضّ عليه المصائب وهي حاصلة.
- لا يشاهد الناس ولا يختبرون صلواتهم، ولا يعرفون بأي فرح يتقبّل السيّد هذه الصلوات. يشنّ الرهبان حربًا ضروسًا ضدّ أهوائهم، وبفضل هذه المقاومة يصيرون كبارًا أمام الله.
هل الرهبانيّة كسل وجبن وأنانيّة؟
- الأنانيّة تفتّش عن الأنا، أمّا حياة الراهب فهي صلب للأنا، يتنازل عن كلّ شيء. ينذر العفّة والفقر والطاعة. يضحّي بكلّ تعزية بشريّة، يتخلّى عن حرّيّته وإرادته بإرادته. يتخلّى عن ذاته، فإذا كان ثرثارًا، ففي الدير الصمت، وإذا كان لا يميل إلى الجهاد، فالحياة الرهبانيّة جهاد مستمرّ. أوَ ليس بالعكس حيث في العالم الأنانيّة الجماعيّة/نجري وراء رغباتنا وميولنا.
- الراهب هو رجل التكريس الكلّيّ لله.. رجل التضحية والذبيحة الحياتيّة القصوى.
[1] نصّ محاضرة الأمّ الرئيسة أثناء اجتماع أعضاء المركز الرعائيّ للتراث الآبائي الأرثوذكسيّ في الدير في 28/5/2026