الكرمة - الأحد 8 كانون الأوّل 2019

الأحد 8 كانون الأوّل  2019 

 العدد 49

الأحد 25 بعد العنصرة

اللَّحن الثامن  الإيوثينا الثالثة

 

* 8: البارّ بتابيوس المصريّ، * 9: حبل القدّيسة حنّة جدّة الإله، تذكار التجديدات، حنّة أمّ صموئيل النَبيّ،
* 10: مينا الرَّخيم الصوت، إرموجانس وإفغرافُس، * 11: البارّ دانيال العموديّ، لوقا العموديّ، الشّهيد برسابا، * 12: سبيريدون العجائبيّ أسقف تريميثوس، * 13: الشُّهداء الخمسة إفستاتيوس ورفقته، الشّهيدة لوكيا البتول، * 14: الشُّهداء ثيرسس ورفقته.  **

 

الخطيئة

هل الخطيئةُ عصيانٌ لشريعةٍ ما بما في ذلك شريعة الإنجيل؟ أم إنّها نتيجةُ مرضٍ نفسيٍّ أو قُصورٍ عقليّ؟ أم هي أيضًا تأتي من عمل الشيطان فينا؟ أو هي كما يُقال اليوم صارت "موضة"؟

يقول بعض الآباء في الكنيسة: إنّ هناك صراعًا دائمًا بين روح الله وروح الشرّ. جاء الربّ يسوع لكي يَشفينا من روح الشرّ هذا. يحصل ذلك عندما يتبع الإنسانُ المسيحَ وتعاليمه، عندما يُنكر نفسه. عندها يتسربل بالنعمة ويصبح "صحيحَ العقل" حرّاً من الشهوة. الإنسان البعيد عن السيّد يبقى خارج نعمته فيسقط في فخّ الشرير وألاعيبه، يسقط في الخطيئة بسهولة كالسكران. ليست "صحّة العقل" في أن يتكلّم الإنسان بالتّوازُنِ العقلانيّ والمدرسيّ Equilibre Rationel et Scholastique.

اتّزان العقل في المسيح حاصل عند الاِنعتاق من روح الشرّ في نفسه، الناتج عن اختيار حرّ لتعاليم الربّ ونبذ الروح الشرّير. هكذا يصبح الإنسان حرّاً من الشهوة كما ذكرنا وسيّداً على نفسه.

هذا يمكن أن يحصل نتيجة توبة خالصة بمعنى العودة إلى الربّ وحده وتعاليمه. الحكمة الحقيقيّة تصبح عندئذ في اتّباع يسوع وليس بمجرّد اكتساب المعارف العالميّة كما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس.

الخطيئة إذاً ليست مجرّد مرض نفسيٍّ أو عقليّ، إنّما هي في السقوط والعيش خارج يسوع ونعمته.

الخطيئة والموت:

"إذ دخلت الخطيئة إلى العالم. وبالخطيئة الموت" (رومية 5: 12) الموت هو الخطيئة والخطيئة هي الموت الروحيّ.

بالموت جُعلت الخطيئة مرئيّةً وملموسة. كما أنّ الموت يجمّد الجسد كذلك الخطيئة تشلّ النفسَ. الموت ليس صديقاً ما خلا عمل المسيح. الخطيئة هي كالموت في نطاق عدم التسبيح لله. "الموت هو العدوّ الأخير" (1كور 15: 26).

يقول الرسول بولس. هو الدليل الحسيّ للخطيئة.

الخطيئة هي إذًا موتٌ روحيٌّ وابتعادٌ عن الله.

"ليس في الموت من يذكرك وفي الجحيم من يعترف لك" (مز 6: 5) الخطيئة والموت (الروحيّ) هما قوى الشيطان.

دموع التوبة والعودة إلى الله وحدها تُطفئ غضب الله وتعيد الإنسان إلى حظيرته، إلى الخلاص.

+ أفرام

مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

 

طروباريَّة القيامة باللَّحن الثامن

إنحدَرْتَ من العلوِّ يا متحنِّن، وقبلْتَ الدفنَ ذا الثلاثةِ الأيّام لكي تُعتقنا من الآلام. فيا حياتنا وقيامَتنا، يا ربّ المجد لك.

 

قنداق تقدمة الميلاد باللَّحن الثالث

اليوم العذراء تأتي إلى المغارة لتلد الكلمة الذي قبل الدهور، ولادةً لا تفسّر ولا يُنطق بها. فافرحي أيّتها المسكونة إذا سمعتِ، ومجّدي مع الملائكة والرعاة الذي سيظهر بمشيئته طفلاً جديداً، الإلهَ الذي قبل الدهور.

 

الرِّسالَة

أف 4: 1-7

صلُّوا وأَوفُوا الربَّ إلهنا

الله معروفٌ في أرضِ يهوذا

يا إخوةُ، أطلُبُ إليكم أنا الأسيرَ في الربِّ أن تسلُكُوا كما يَحُق ُّ للدعوةِ التي دُعيتُم بها، بِكُلِّ تواضُعٍ وودَاعةٍ، وبِطُولِ أناةٍ، محتَمِلينَ بعضُكم بعضًا بالمحبّة، ومجتَهدين في حِفظِ وَحدَةِ الروح برباطِ السلام، فَإنَّكم جَسدُ واحدٌ وروحٌ واحد كما دُعيتُم إلى رَجاءِ دعوتِكُمُ الواحِد. ربٌّ واحِدٌ وإيمانٌ واحِدٌ ومعموديّةٌ واحدةٌ وإلهٌ أبٌ للجميع واحدٌ هوَ فوقَ الجميعِ وبالجميعِ وفي جميعِكم، ولكلِّ واحدٍ مِنّا أُعطيَتِ النعَمةُ على مقدار موهِبَةِ المسيح.

 

الإنجيل

لو 13: 10-17 (لوقا 10)

في ذلك الزمان، كان يسوع يعلّم في أحد المجامع يومَ السبت، وإذا بامرأةٍ بها روحُ مَرضٍ منذ ثماني عَشْرَةَ سنةً، وكانت منحنيةً لا تستطيع أن تنتصبَ البتّة. فلمّا رآها يسوع دعاها وقال لها: إنّك مُطْلَقةٌ من مرضِك. ووضع يدَيه عليها، وفي الحال استقامَتْ ومجَّدتِ الله. فأجاب رئيسُ المجمع وهو مُغتاظٌ لإبراءِ يسوعَ في السبتِ وقال للجميع: هي ستَّةُ أيّامٍ ينبغي العملُ فيها، ففيها تأتون وتَستَشفُون لا في يوم السبت. فأجاب الربُّ وقال: يا مُرائي، أليس كلُّ واحدٍ منكم يَحُلُّ ثورَهُ أو حمارَهُ في السبتِ مِنَ المزودِ وينطلِق بهِ فيسقيه؟ وهذه ابنةُ ابراهيمَ التي رَبَطها الشيطانُ منذ ثماني عَشْرَةَ سنةً، أمَا كان ينبغي أنْ تُطلَقَ مِن هذا الرباط يومَ السبت؟ ولمّا قال هذا خَزِيَ كلُّ مَن كان يُقاومهُ، وفرح الجمْعُ بجميعُ الأمور المجيدةِ التي كانت تَصدُرُ منهُ.

 

في الإنجيل

حادثة اليوم لها علاقةٌ بيوم السبت الذي يقدّسُهُ اليهود، ولا يقومون بأيّ عملٍ سوى الصلاة والراحة، حافظين بهذا وصيَّة الرب "احفظ يوم السبت وقدِّسه" (خروج 20: 8).

"واذا بامرأة بها روح مرضٍ منذ ثماني عشرة سنةً وكانت منحنيةً لا تستطيع أن تنتصب البتّة"، هذه لمّا رآها يسوع دعاها هو بنفسه لأنَّه لم يكن يُسمح للنساء بالتكَّلم داخل المجمع. إنّ عمليّة الشفاء التي أتمّها الربُّ يسوع كانت عبر طريقتَين: أوّلاً: بالكلام "إنّكِ مُطلقةٌ مِن مَرضِك" وثانياً بوضع يده عليها.

يفسِّرُ بعضُ آباءِ الكنيسة أنّ كلام الربِّ يسوع هو لشفاء نفسِها، ووضع يده عليها لشفاء جسدها، لأن ّالنفس أيضًا تنحني كما الجسد جرّاء ثقل الخطيئة، فتصبح النفسُ مُنحنيةً نحو الأرض ولا تعود تعاين وجه الخالق، بل متّجهة نحو الأرضيّات والاِهتمامات الأرضيّة والشهوات، فتصبح بهيميّةً غريزيّةً تَعمل على إرضاء الجسد وحاجاته.

إذاً فإنّ شفاء يسوع للمرأة كان نفسيّاً وجسديّاً. فما كان من المرأة التقيّة التي كانت تأتي إلى المجمع للصلاة رغم انحنائها، إلّا أنّها مجَّدت الله عارفةً أنّ القوّةَ التي أبرأتها هي قدرةٌ إلهيّة.

ويا للأسف! فعوض أن يمجِّدَ اللهَ رئيسُ المجمع ومعلِّمُ الشريعة، إلّا أنّه اغتاظ وطلب منهم أن لا يأتوا ويستشفوا يوم السبت، موبّخاً اِيّاهم، ومعتبراً نفسه حافظَ الشريعة والأمينَ عليها أكثر من الربّ.

وللحال علّمه يسوع كيف ينبغي أن يقرأ الناموس وكيف عليه أن يفهمه "لأنّ السبت وُضع للإنسان وليس الإنسان للسبت".

إنّ الله أمر أن يُستراح في اليوم السابع يعني أن نستريح من خطايانا وإساءَتنا لأنفسنا وللّذين حولنا. الراحة هي بالصلاة وعمل الرحمة والخير وليس بالشكل. فحفظ الشريعة لا يكون بحفظ الحرف بل بتطبيقه وفهم روحه "لأنّ الحرف يَقتل أمّا الروح فتحيي".

إذاً يا أحبّائي لنقتربْ أكثر من الربّ كي نفهم ما يقوله لنا الكتاب المقدّس ونعيشه روحيّاً لأنّ "الله روح والساجدين له بالروح والحقّ يسجدون". عندها نفرح بجميع أعمال الربّ ولا نخزى مثل الذين يقاومونه.

 

المسيحيّ والضيقات

يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية (12: 12): "فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة".

لا شكّ في أنّ ما نعيشه اليوم هي حالات استثنائيّة ومصيريّة، وقد تكون مفصليّةً في حياتنا ومستقبل الوطن. إلاّ أنّ هذا الشيء ليس بجديد، فالعدالة التي اخترعها البشر والتي يسوسها حكّام هذه الأرض هي ناقصة وموجعة ولا تساوي البشر بعضهم ببعض. ما نعيشه ليس بجديدٍ من طغاةٍ حكموا ونهبوا واستسرشوا بغطرستهم، وكم من حروبٍ وويلاتٍ جلبوها على أوطانهم وشعوبهم. كم من ممالك هوَت وأضحت معابد وآثارًا نزورها ولا ندرك كم من الظلم قد مورِس بين جدرانها. والكتاب المقدّس في طيّاته يُرينا ذلك، فلا تنسوا مأدبة هيرودس التي انتهت بقطع رأس يوحّنا المعمدان، أوّل ثائرٍ في وجه الظلم والتعدّي على شريعة الله، وكيف كانت نهايته.

تصبو الكنيسة إلى رفع الظلم عن مؤمنيها بإمكاناتها. فالقدّيسون لم يخشوا طغاة الأرض، خسروا كلّ شيء ليربحوا المسيح، صُلبوا ونُشروا وعُذّبوا، وكانت أجسادهم غريبةً عنهم، اعتبروها كلا شيء أمام المُنتظر. كانوا ضعفاء في نظر معذِّبيهم، ولكنّهم بالفعل كانوا أقوياء، فهزّوا عروشهم وممالكهم. انظروا كيف أنّ القدّيس العظيم يوحنّا الذهبيّ الفم أرعد الأباطرة وجعل قبورهم تهتزّ، وهو النحيل الصوّام الضعيف أمام ملوك الأموال والشهوة. والسيرة قد تطول عن عدد القدّيسين الأبرار والشهداء والمعترفين الذين صبغوا الأرض بحمرة دمائهم ولم يخافوا، وحتّى الوحوش الضارية كانت تستأنس بوجودهم.

نعم، إنّ الإنسان الساقط هو هو منذ فجر التاريخ، فالشهوة تُطيش العقل السليم، والسلطة والمال في غير مكانها الصحيح تضحي مرضًا قد يوصل الشخص إلى أن يلغي الآخر. هذا هو المرض الروحيّ. لذلك، لماذا نخاف نحن؟ ماذا سيفصلنا عن المسيح؟ "لأنّني حينما أكون ضعيفًا فحينئذٍ أنا قويّ" (2 كور 12: 10). لا بدّ من الألم، لا بدّ من الجوع والضيق، ولكن بالنسبة إلى الإنسان المسيحيّ المؤمن، هذه كلّها مَراقٍ وأكاليل. إذًا لماذا نحن واهنون وضعفاء؟ لماذا نحن المسيحيّين نتخاذل أمام كلّ شدّة وأمام الأخبار؟ جيّدٌ أن يتأثّر الإنسان بالبيئة التي هو فيها، ولكن عليه ألاّ ينسى أنّه مجبولٌ بالنعمة، وأنّ روح الله منسكبٌ فينا. فلماذا لا نفعّل ماكيناتنا الروحيّة؟ لماذا لا نجعل أصوامنا حلبة صراعٍ ضدّ الحكم المُبرم علينا؟ لماذا لا نتّعظ من أهل نينوى عندما صام شعبها والبهائم أيضًا: "فآمن أهل نينوى بالله ونادوا بصومٍ ولبسوا مسوحًا من كبيرهم إلى صغيرهم" (يونان 3: 5-10)، فعفا الله عنهم.

يا أيّها المسيحيّ، لا تخَف ممّا تعيشه اليوم. كلّ ما تطلبه هو حقّ، وعليكَ أن تدافع من أجله، لكن لا تغرق في وحل هذا العالم، ولا تنسَ ذكر الله، لأنّ الخلاص بالإنسان لهُوَ باطل.

 

في التَّواضُع

القِدِّيسِ باييسيوس الآثوسيّ

- طُوبى لِأُولَئِكَ الَّذينَ استَطاعُوا أَنْ يَتَمَثَّلوا بِالأَرضِ المُتَواضِعَةِ الَّتي تَحمِلُ الجَمِيع، مَحَبَّةً بِهِم، فِيما هُمْ يَدُوسونَها. هَذِهِ الأَرضُ الَّتي تُغَذِّي الكُلَّ بِحَنانٍ كَأُمٍّ صالِحَةٍ أَعطَتِ العُنصُرَ لِجِبْلةِ جَسَدِنا، وتَقبَلُ بِفَرَحٍ كامِلٍ كُلَّ ما يَرمونَهُ عَلَيها، مِن ثِمارٍ جَيِّدَةٍ أَو نُفايَاتٍ تُحَوِّلُها بِهُدُوءٍ إِلى فيتامينات، وَتُقَدِّمُها ثِمارًا وَافِرَةً للصَّالحينَ وَالأَشرار عَلَى السَّواء.

- إِنَّ المُتواضِعَ يَفُوقُ بِقُوَّتِهِ العالَم، لِأَنَّهُ فَضلاً عَنِ انتِصارِه، يَحمِلُ بِضَميرٍ خَفيفٍ أَثقالاً كَثيرَةً لا تَخُصُّه. يَنسِبُ لِنَفسِهِ أَخطاءً ارتَكَبَها آخَرون، وَيَتَقَبَّلُها بِمَحَبَّةٍ، فَيَعيشُ مُحتَمِلاً ازدِراءَ الآخَرينَ وَظُلمَهُم، لكِنَّهُ يَشعُرُ بِفَرَحٍ عَظيمٍ لا مَثيلَ لَه، لِمَقتِهِ هَذَا العَالمَ الباطِلَ. إِنَّ التَجَنِّياتِ هِيَ أَفضَلُ مِبضَعٍ لِمَن أَذنَبوا، وَذَلِكَ لِتَنظيفِ جِراحاتِهِمِ القَديمَة. أَمَّا لِلَّذينَ لَم يُخطِئوا، فَإِنَّها أَشْبَهُ بِسِكِّينِ الجَلاَّدِ الَّتي تَجْعَلُ مِنْهُم شُهَداء، إِنْ قَبِلوها بِفَرَحٍ حُبًّا بِالمَسيح.

- إنّ المُتَواضِعَ لا تُفارِقُهُ المَحَبَّة، لأنّ التَّواضُعَ والمَحَبَّةَ أُختان. وَبِهاتَينِ الفَضيلَتَين يُمَيِّزُ المَلائِكَةُ القِدِّيسونَ أَبناءَ الله عَن غَيرهِم، وَيَأخُذُونَهُم بِمَحَبَّة، وَيَجتازُونَ بِهِم الجَمارِكَ الفَضَائِيَّةَ بِلا خَوف، وَيَرفَعُونَهُم إِلى الآبِ الجَزيلِ التَحَنُّن.

 

 

 



Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies