الكرمة - الأحد 23 حزيران 2019

 
الأحد 23 حزيران 2019              
العدد 25
أحد جميع القدّيسين 
اللَّحن الثّامن  الإيوثينا الأولى
 
* 23: الشّهيدة أغريپينا ورفقتها، * 24: مولد يوحنّا المعمدان، تذكار لزخريّا وأليصابات، بدء صوم الرّسل،
* 25: الشّهيدة فبرونيَّة، الشّهداء أورنديوس وإخوته الستّة، * 26: البارّ داوُد التسالونيكيّ، * 27: البارّ شمشون مضيف الغرباء، يُوَنَّا إمرأة خوزي، * 28: نقل عظام كيرُس ويوحنَّا العادمَي الفضَّة، * 29: بطرس وبولس هامتا الرُّسل. **
 
 
القداسة 
القدّيس يعيش، في النهاية، خارج الزّمان والمكان. هو الإنسان الذي استطاع، بمعونة الرّبّ، أن يتخطّى "مبدأ اللّذّة" ، "مبدأ الأنانيّة".
 
 عنده تنقلب محبّة الذّات إلى محبّة الله ومحبّة الآخرين. بالنّسبة له القريب لم يعد فرداً من الأفراد، هو شخص فريد من نوعه، أيقونة المسيح، "يا فرحي" كما كان يناديه القدّيس سيرافيم ساروف.
 
يرى الإنسان القدّيس كلّ واحد، يثمّن كلّ شيء على ضوء المسيح. يرى معنى الحياة وهدفها عَبرَ حياة المسيح وتعاليمه.
 
"كونوا قدّيسين كما أنا قدّوس" يقول الكتاب (لا 11: 44)؛ قدّوس أي مفروز، مخصّص لله. هذا لا يتمّ إلّا بالرّوح القدس. "تركوا كلّ شيء وتبعوه" هذا أيضًا عن الرّسل.
 
"كونوا كاملين كما أنّ أباكم الذي في السَّموات هو كامل" (متّى 5: 48). الكمال هو السَير في طريق الكمال، وهذه الطريق تمرّ بنبذ الأهواء الضارّةوالشّهوات: عبادة المال، عبادة السّلطة (والتسلّط)، عبادة اللّذّة (والجنوح الجنسيّ): روحِ العالَم كلّه.
 
هذا كلّه لاكتساب الرّوح القدس: روح الحكمة، روح الفهم...
 
يكتمل السَّير في هذه الطريق بتمجيد الله واكتساب "المحبّة التي لا تطلب ما لنفسها" (1 كورنثوس 13: 5)، وأيضًا اكتساب التواضع والوداعة "تعلّموا منّي أنا الوديع والمتواضع القلب تجدوا راحة لنفوسكم" (متّى 11: 29).
 
الشابّ المسيحيّ يتّصف بالشّجاعة والجرأة، يرفض المساومات العالميّة، يتجرّأ أن يقول "لا" أمام كلّ هذه التحدّيّات والمساومات. هكذا كان الشّهداء القدّيسون. 
 
هذا كلّه يساعده على روح التقوى وممارسة الصّلاة القلبيّة، صلاة يسوع: ذكر اسم يسوع على الدّوام بحسب القول: لا تنسَ ذكر الله، ذكر اسم الرّبّ على الدّوام،  آمين.
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الثَّامِن 
 
إِنْحَدَرْتَ منَ العُلُوِّ يا مُتَحَنِّن، وقَبِلْتَ الدَّفْنَ ذا الثَّلاثَةِ الأيَّام لكي تُعْتِقَنَا من الآلام. فيا حياتَنَا وقيامَتَنَا، يا رَبُّ، المجدُ لك.
 
 
طروباريَّة أحد جميع القدِّيسين باللَّحن الرّابع 
 
أيُّها المسيحُ الإله، إِنَّ كنيسَتَكَ، إذ قد تزيَّنَتْ بدماءِ شُهَدائِكَ الَّذين في كلِّ العالم، كأنَّها برفِيرَةٌ وأُرْجُوَان، فهي بهم تهتِفُ إليكَ صارِخَة: أَرْسِلْ رأفَتَكَ لشعبِكَ، وٱمْنَحِ السَّلامَ لكنيسَتِك، ولنفوسِنَا الرَّحمةَ العُظْمَى.
 
 
قنداق أحد جميع القدِّيسين باللَّحن الرّابع 
 
أيُّها الرَّبُّ البارِئُ كلَّ الخليقةِ ومُبدِعُها، لكَ تُقَرِّبُ المسكونَةُ كبواكيرِ الطَّبيعة الشُّهَدَاءَ اللاَّبِسِي اللاَّهوت. فبتوسُّلاتِهِم اِحْفَظْ كنيسَتَكَ بسلامَةٍ تَامَّة لأَجْلِ والِدَةِ الإله، أيُّها الجَزِيلُ الرَّحْمَة.
 
 
الرِّسالَة
(عب 11: 33-40، 12: 1-2)
 
عَجِيبٌ هو اللهُ في قدِّيسيه    
في المجامِعِ بَارِكُوا الله 
 
 
يا إخوةُ، إنَّ القدِّيسينَ أَجمَعِين بالإيمانِ قَهَرُوا الممالِكَ وعَمِلُوا البِرَّ ونَالُوا المواعِدَ وسَدُّوا أَفْوَاهَ الأُسُود، وأَطْفَأُوا حِدَّةَ النَّارِ ونَجَوْا من حَدِّ السَّيْفِ وتَقَوَّوْا من ضُعْفٍ، وصارُوا أَشِدَّاءَ في الحربِ وكَسَرُوا مُعَسْكَرَاتِ الأجانِب. وأَخَذَتْ نساءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بالقِيامة. وعُذِّبَ آخَرُونَ بتوتيرِ الأعضاءِ والضَّرْبِ، ولم يَقْبَلُوا بالنَّجَاةِ ليَحْصُلُوا على قيامةٍ أفضل. وآخَرُونَ ذَاقُوا الهُزْءَ والجَلْدَ والقُيُودَ أيضًا والسِّجن. ورُجِمُوا ونُشِرُوا وٱمْتُحِنُوا وماتُوا بِحَدِّ السَّيْف. وسَاحُوا في جُلُودِ غَنَمٍ ومَعَزٍ وهُمْ مُعْوَزُون مُضَايَقُونَ مجَهُودُون، ولم يَكُنِ العالمُ مُسْتَحِقًّا لهم. فكانوا تائِهِينَ في البراري والجبالِ والمغاوِرِ وكهوفِ الأرض. فهؤلاءِ كلُّهُم، مَشْهُودًا لهم بالإيمانِ، لم يَنَالُوا الموعِد، لأنَّ اللهَ سبَقَ فنظَرَ لنا شيئًا أَفْضَلَ: أنْ لا يُكْمَلُوا بدُونِنَا. فنحن أيضًا، إذ يُحْدِقُ بنا مثلُ هذه السَّحابَةِ من الشُّهُودِ، فلْنُلْقِ عنَّا كُلَّ ثِقَلٍ والخطيئةَ المحيطَةَ بسهولةٍ بنا. ولْنُسَابِقْ بالصَّبْرِ في الجِهادِ الَّذي أمامَنَا، ناظِرِين إلى رئيسِ الإيمانِ ومكمِّلِهِ يسوع.
 
 
الإنجيل
متّى 10: 32-33 و37-38 و19: 27-30 (متّى 1)
 
قال الرّبُّ لتلاميذِه: كلُّ مَنْ يعترفُ بي قدَّامَ الناسِ أعترفُ أنا بهِ قدَّامَ أبي الذي في السَّموات. ومَن يُنكرْني قدَّام الناس أُنكرْهُ أنا قدَّامَ أبي الذي في السَّموات. مَن أحبَّ أباً أو أمّاً أكثرَ منّي فلا يستحقُّني. ومن أحبّ ابناً أو بنتاً أكثر منّي فلا يستحقُّني. ومَن لا يأخذْ  صليبهُ ويتبعْني لا يستحقَّني. فأجابَ بطرسُ وقال لهُ: هوذا نحنُ قد تركنا كلَّ شيءٍ وتبعناك فماذا يكونُ لنا؟ فقال لهم يسوع: الحقَّ أقولُ لكم: إنَّكم، أنتمُ الذين تبعتموني في جيل التجديد، متى جلس ابنُ البشر على كرسيِّ مجدِهِ، تجلِسون أنتم أيضاً على اثْنَي عَشَرَ كرسيًّا تَدينونَ أسباط إسرائيلَ الاِثني عَشَرَ. وكلُّ من ترك بيوتاً أو إخوةً أو أخواتٍ أو أباً أو أمّاً أو امرأةً أو أولاداً أو حقولاً من أجل اسمي يأخُذُ مائَة ضِعْفٍ ويرثُ الحياة الأبديّة. وكثيرون أوَّلون يكونون آخِرِين وآخِرُون يكونون أوَّلين.
 
 
في الإنجيل
 
"فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ يُنْكِرْني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرْهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ". 
 
هذا الكلام قاله الرّبّ لتلاميذه جميعاً، من دون استثناء، في كلّ الأزمنة والأماكن. 
 
هذا يعني أنّه قاله لنا أيضاً نحن الذين نقف في هياكله اليوم والذين نحسب ذواتنا من تلاميذه بالمعموديّة. كمثل البرق الذي يخترق السّماء من دون أن يخسر شيئاً من لمعانه كذلك كلمات السّيّد وصلت إلينا في الإنجيل بكلّ قوة ووضوح. 
 
إنّ تلاميذ الرّبّ ليسوا أولئك الذين يسمّون أنفسهم كذلك بل الذين يعترفون به فعليًّا سيّدًا لهم وملكاً أبديًّا عليهم متّبعين تعاليمه ومحقّقين وصاياه. 
 
إنّ اعترافهم يجب أن يكون بالفكر والقلب والقول والفعل وبكلّ حياتهم. 
 
لا مكان في هذا الاِعتراف للاِرتباك والخجل والتذبذب. هذا الاِعتراف يتطلّب إنكاراً للذّات وشعوراً بالنصر كما أمام كلّ النّاس والملائكة. 
 
علينا أن نشابه، في اعترافنا، التلاميذ الذين لم يخجلوا أو يخافوا من أن يعترفوا بالإله-الإنسان، محتملين الاِضطهاد، معلنين اعترافهم أمام سلطات الدِّين والدّنيا، أمام حكماء الأرض وسلاطينها، ونتمثّل بالشّهداء الذين حملوا آلامهم ودماءَهم، بالذين أرضَوا الرّبّ بجهادهم على الأرض مهملين كلّ الأرضيّات، الذين كانوا في العالَم وليسوا من العالَم. إنّ الاِعتراف بالرّبّ مصحوباً بإنكار الذّات هو سمة القدّيسين.
 
إنّ الاعتراف الضّعيف والمبهَم ليس مقبولاً، ولا حاجة له، ولا يستقيم أمام عينَيِ الرّبّ. 
 
لا يكفي أن يعترف الإنسان بالله في ذاته سرّيًّا، بل الاعتراف يكون بالشّفاه والكلمات، وأهم منها بالأعمال والحياة. 
 
لا يكفي الاعتراف بألوهة الرّبّ وسلطانه، بل ينبغي الاعتراف بتعليمه ووصاياه في عيشها، حتّى ولو على عكس ما هو مقبول في المجتمع البشريّ. 
 
هذا المجتمع خاطئ وميّال إلى الزِّنا لأنّه استبدل محبّة الله بمحبّة الخطيئة. 
 
إنّ العادات السائدة في هذا العالَم والتي صارت توازي ناموساً يعلو على القانون هي ضدّ الحياة الـمُرضِيَة لله حتّى العداوة. 
 
إنّ هذا العالَم الذي يسوده الغرور يكره ويهزأ من الحياة المرضِيَة لله، لذا القلب الضعيف وغير الثّابت في الإيمان يميل نحو إرضاء البشر مبتعداً عن تعليم الرّبّ ومقصياً ذاته عن صفّ المختارين. 
 
إنّه لأسهل على الإنسان أن يرفض متطلّبات المجتمع من أن يرفض متطلّبات العائلة التي تكون، بالعادة، أقرب إلى النّاموس الطبيعيّ وليست بالضّرورة قريبة من وصايا الله. 
 
الوضع المثاليّ هو أن تكون متطلّبات العائلة من متطلّبات الله. لهذا قال الرّبّ: مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. 
 
غالباً ما يجد محبّ المسيح نفسَه مرتبكاً بتضارب المتطلّبات، ويستصعب تمييز إرادة الله فيها. لهذا يريد الرّبّ أن يقول بهذه الآية إنّ مَن يختار إرادة غيري يكون قد تخلّى عنّي.
 
إنّ الصّعوبات التي تعيق الاعتراف بالرّبّ وتأتي من الخارج لا تُقارَن بتلك الصّعوبة التي تأتي من الدّاخل. 
 
إنّ الخطيئة التي تعيش في الفكر والقلب والجسد تقوم كمضادّ مباشر للاعتراف بالمسيح وتحقيق وصاياه. 
 
إنّ الخلطة التي تُوجَد في ذواتنا بين صلاحنا الطبيعيّ والأذى المتأتّي من الخطيئة هي العائق الأكبر أمام اعترافنا الكامل بالرّبّ. 
 
قد يكون من السّهل الابتعاد عن المجتمع والأقرباء، لكن أين نذهب من ذواتنا ومن طبيعتنا؟ 
 
لهذا يأمرنا الرّبّ بأن نصلب الطبيعة بحملنا الصّليب والسَّير وراءه عن طريق تخلّينا عن الفكر الجسديّ الذي يشتهي الأهواء ويتأثّر بها. 
 
من هنا أن كلّ الآيات التي ترد على لسان الأنبياء والرّسل ويفسِّرها البعض في الكنيسة على أنّها تعذيب للذّات أو ما شابه إنّما هي صرخات من عمق النفس التي وعت ضعفها وتسعى لتخطّي طبيعتها حتّى تصل إلى ما هو أسمى.
 
إنّ الكنيسة، لكي تشرح لنا مصير مختارِي الله، بعد أن أظهرت لنا في القراءة الإنجيليّة المصير المتوقّف على اتّباعنا الرّبّ، تسمِعُنا السؤال على لسان الرّسول بطرس: 
 
«هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ؛ فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» وإذا بوعد الرّبّ واضح بأنّه سوف يعوّض كلّ خسارة بما هو أغلى منها بكثير. 
 
إنّ الاضطهاد الفعليّ هو الحياة على الأرض لأنّنا طُرِدنا إليها وحُكِم علينا برحلة عذاب نعيشها على الأرض قبل أن نعود إلى السّماء، إذا عملنا لذلك. 
 
إنّ الحياة الحاليّة هي العذاب لأنّ أمير هذا العالَم يحكمه والخطيئة تسيطر عليه ولا تكفّ تضطهد محبّي المسيح. 
 
إنّ الخطيئة تهاجم محبّي المسيح من الخارج والدّاخل وبهذا تعذّبهم. لكن الرّبّ لا يترك محبّيه، بل يترك لهم نعمته. نعمته تحوّل عذاباتهم وتجاربهم وتوبتهم إلى قداسة، والقداسة تمنحهم التعزية وتفتح لهم أبواب المجد والغنى السّماويّ. 
 
كلّ ما يمتّع الإنسان يبقى هنا أمّا المجد الذي من المسيح فهو يبدأ هنا ويستمر إلى الأخير. النّعمة التي نكتسبها هنا هي الثروة الوحيدة التي تعبر القبر معنا. هكذا عبر القدّيسون الذين نعيّد لهم اليوم، وهذا ما هو مرسوم لنا ونحن مدعوّون إليه.
 
 
القدّّيسون 
 
مهمٌّ جدّاً حضور القدِّيسين في شرقِنا وفي حياتنا الكنسيَّة، لأنَّه يعبِّر عن هدف كنيستنا المقدَّسة وعملها، ألا وهو تقديس المؤمنين، ولكن، في الوقت ذاته، هذا هدف كلِّ مسيحيّ، وفقاً لقول ربَّنا يسوع المسيح: "كونوا قدِّيسين، لأنّي أنا قدُّوس" (1 بط 16:1). 
 
يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم: "انتبه إلى مصافّ القدّيسين، لأنَّه لم يسطع بعجائبه... 
 
هي الحياةُ التي تضيءُ في كلِّ مكانٍ، التي تجذب نعمة الرّوح القدس ... ألا تعرف أنَّ العجائب، إذا لم ننتبه، ممكن أن تصبح مؤذية في الكثير من الأحيان؟"
 
يتميَّز قدّيسو كنيستنا بميزاتٍ خاصّة، ليس لأنّ لهم فضلًا طبيعيًّا، ولا من أجل فضائلهِم التي أنجزوها أو من أجل الجهادات التي بذلوها، ولكن لأنَّهم اتَّحدوا بالثّالوث القدّوس الإله، ويشاركون الله القدّوس ويتواصلون معه. 
 
يحمل قدّيسونا، بحسب القدّيس سمعان اللّاهوتي الجديد، "كلّ المسيح في ذواتهم" ويُظهِرون المسيح "السّاكن في قلوبهم" بالأعمال والخِبرة والخدمة في لجّة الحياة السَّوداء المظلمة القاتمة. 
 
وبحسب القدّيس غريغوريوس بالاماس الآثوسيّ المعاين الإله، فهم أصبحوا أنواراً: "كلُّهم أصبحوا نوراً إلهيّاً، كأولادٍ للنّور الإلهيّ".
 
قدِّيسو كنيستنا هم قدِّيسون بالنِّعمة! هؤلاء هم، بحسب القدّيس يوحنّا الدِّمشقيّ، "الذين اتَّحدوا بالله باختيارهم وقبلوه ساكناً فيهم وأصبحوا مشاركين له، بالنِّعمة، لِما هو بحسب الطّبيعة". 
 
هم "هياكل الله الحيَّة، مساكِنُ اللهِ الحيّة"، لأنّ "الله سَكَن في أجسادهم بواسطة النُّوس (العقل)". 
 
يجب عدم فهم القداسة بمعناها الخُلُقيّ وحسب، ولكن بمعناها الوجوديّ أساساً. يصف القدّيس نيكولاوس كاباسيلاس هذا التّوثيق الأنطولوجيّ (الوجوديّ) للقداسة بشكلٍ جميلٍ جِدّاً، إذ يُرجِعُ هذا النَّهج إلى المسيح بحدِّ ذاته: "إنَّ المخَلِّصَ، بالطريقةِ ذاتها، قادَ البشرَ وحده إلى القداسةِ والبِرِّ ...".
 
في شخص كلِّ قدِّيسٍ لا نرى فقط إعادة التجديد وفيض الفضائل، إذ إنَّ أشخاصاً لا ينتمون إلى الكنيسة عندهم فضائل، وبأكثريَّتهم لا يؤمنون بالله. هؤلاء يأخذون صفة القدّيسين، لأنهم حصلوا، بحسب الشَّيخ يوسف الهدوئيّ، على "الكمال بالله"، لأن القدّيسين هم "الشُّهداء الأُمناء للمسيح" (رؤ 12:2). 
 
يُشدِّد القدّيس باسيليوس، منارةُ قيصريّة العظيم، على أنَّ القدّيسين عندهم "الله مقيمٌ فيهم"، والروحَ القدسَ ساكنٌ في نفوسهِم. 
 
هؤلاء كانوا رسالة المسيح المكتوبة، لا بحجرٍ، بل بروح الإله الحيّ، لا على ألواحٍ من حجرٍ، بل على ألواح قلوبٍ بشريةٍ (2أنظر كو 3:3).
 
الرّوحُ القدس هو حقاً مكانُ سُكنى القديسين، حيث يجدون راحتهم. والقدّيس هو المكان المناسب للرّوح القدس، إذ يقدِّم ذاته لكي يسكن فيه الرّوح القدس مع الله الآب وهكذا يكون هيكلاً له، كما يعبِّر بولس رسول الأمم: 
 
"أنتم هيكل الله الحيّ". لا يصير الإنسان قدّيساً فقط عَبرَ تخلُّصه من الخطايا، ولكن من جراء حضور الرّوح القدس أيضاً عَبرَ وفرة الأعمال الصّالحة. وهكذا تمتلئُ وجوههم وأقوالهم أيضاً من النِّعمة الرّوحيَّة. 
 
هم مثالٌ في الفضيلة والصَّبر والإيمان والوداعة. كلّ حياتهم هي تمجيدٌ لله: "وهذا عمل الصِدِّيقين" أيضاً: "أن يقدِّموا شكراً لله من أجل كلِّ شيءٍ وفي أيّ ظرفٍ ووقتٍ". 
 
فحضور الرّوح القدس وسُكناه في قلوب القدِّيسين ("يسكن المسيح بواسطة الإيمان في قلوبكم")، يظهر عَبرَ أفعالٍ مختلفةٍ: فهو يخلق الكثير من الورَع والتّقوى، وأحياناً يخلق حبًّا وجدانيًّا وأحياناً سَكَراً روحيًّا. 
 
هذا بالضَّبط ما يشدِّد عليه القدّيس إسحَق السّريانيّ والبارّ سلوان الآثوسيّ قائلَين: "النَّفْسُ التي عَرَفَت الإله أحبَّته، وشعلةُ الَمحبَّة تقرِّبه إليها بلا شَبَع، لأنّ نِعمةَ الرَّبّ حلوةٌ تُدفئُ العقل والقلب وكلّ الجسَد المريض".
 
كلمة صاحب السّيّادةالمتروبوليت أفرام (كرياكوس)
في استقبال بطريرك صربيا إيريناوس في دير مار يعقوب ددّه بتاريخ 7 حزيران 2019
 
غبطة البطريرك إيريناوس، غبطة البطريرك يوحنا العاشر،
السّادة المطارنة، الآباء المحترمون، رئيسة هذا الدّير وراهباته الورعات، أيّها الإخوة الأحبّاء جميعاًنحن، في هذا الدّير المقدّس، نستقبل بفرح كبير غبطة البطريرك إيريناوس بطريرك صربيا، محتفلين بعيد صعود ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات، صعوده بالجسد إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب.
 
نحن، إذاً، بحالة فرح ومجد عظيمين، تشملنا النّعمة الإلهيّة غير المخلوقة.
 
نشكرك يا صاحب الغبطة لأنّك، أوّلاً، تفتقدنا بحضورك بيننا في هذه الأيّام الصّعبة والدّقيقة التّي تمرّ بها كنيستنا وبلادنا.
 
هذا، أوّلاً، أسوةً بالرّبّ يسوع الذي كان "يطوف المدن كلّها والقرى يكرز ببشارة الملكوت ويَشفي كلّ مرض وكلّ ضعف في الشّعب".
 
من ثمّ، أيضًا، أنتم يا صاحب الغبطة تؤكّدون، بزيارتكم هذه، وحدة الكنيسة الأرثوذكسيّة الجامعة الرّسوليّة، هذه الوحدة التي علينا أن نتمسّك بها متخطّين كلّ صعوبة، بخاصّة الصّعوبات الآتية عن طريق السّياسة العالميّة والقوميّة الوطنيّة السلببيّة.
 
إنّ مسعاكم كلّه يجعلنا شاهدين، بصراحة وجرأة، على المحبّة الخالصة في الوحدة وعلى الوحدة في المحبّة على مثال العلاقة الثّالوثيّة.
 
هنا، اليوم أيضًا، نلتقي في هذا الدّير المقدّس، دير مار يعقوب الفارسيّ المقطّع الذي هو أحد الأديار الأولى التي تأسّست في الزّمن الحديث المعاصر لتجديد حركة الرّهبنة الأرثوذكسيّة في كنيستنا الأنطاكيّة المقدّسة.
 
إنّنا نؤمن بأنّ صلوات الرّهبان والرّاهبات في هذا العصر وصلواتكم لها دور كبير في تنقية الإنسان المعاصر من كلّ براثن الشّيطان العالميّة.
 
دمتم يا صاحب الغبطة حاملين سلام الله فيما بيننا. آمين.
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies