الكرمة - الأحد 10 شباط 2019

 
الأحد 10 شباط 2019 
العدد 6
الأحد (17) من متّى (الكنعانيّة)
 
اللّحن الرّابع - الإيوثينا الرّابعة
 
*10: الشّهيد في الكهنة خارالمبوس، البارّ زينون * 11: الشّهيد في الكهنة فلاسيوس ورفقته، الملكة ثاوذورة،* 12: ملاتيوس أسقف أنطاكية، * 13: الرَّسولان برسكيلّا وأكيلّا، البارّ مرتينيانوس، * 14: البارّ أفكسنديوس، البارّ مارون النَّاسك، * 15: أونيسيموس أحد الرُّسل السَّبعين، البارّ أفسابيوس، * 16: الشّهيد بمفيلس ورفقته.
 
 
"ذَهَلتُ عن أكل خبزي"
 
أمور كثيرة تلهي الإنسان وتشغله، ولكنْ خلاصُ نفسه يبقى ثانويًّا أمام الحاجات المعيشيّة الضّاغطة والمُلحّة يومًا بعد يوم. "الاِرتباك في أمور الحياة" أصبح بديهيًّا في زمنٍ طغت عليه السّرعة، وزادت فيه المصاريف الجديدة التي لم تكن ضمن الحسبان منذ جيلٍ خلا.
 
ننسى أن نأكل حين يكون انشغالنا كبير؛ تتعدّد الأسباب وتتنوّع، فهناك العمل والدّرس والتّحضير لحدث كبير... نتعب ونجاهد بغية الوصول إلى النتيجة المرجوّة، وهذا كلّه مبارك إذ به نُفعِّل مواهبنا، ولا نطمُر وزناتنا.
 
النتيجة الملموسة، إذا ما كانت جيّدة، تطغى على التّعب والجوع، تُفرح القلب وتروي ظمأ النفس: نتعب ونُلاقي. وأمّا حينما تكون النتيجة سلبيّة، فإمّا علينا أن نُعيد النظر في طريقة عملنا وصحّة توقّعاتنا expectations، وإمّا أن نبقى على انزعاجنا ولا نتعلّم كيف ننمو نحو الأفضل.
 
المرأة الكنعانيّة أصرّت على السيّد كي يلتفِت إليها ويَشفي ابنتها من جنونها. خلاص تلك الفتاة كان هاجسًا عند أمّها؛ لم تتردّد أو تكلّ، كانت "تَصيحُ" خلف المُعلّم وتلاميذه صارخةً:
 
"إرحَمني، أعِنّي...". رَضِيَت بأن يعُطى مَثَل الكلاب تشبيهًا لوضعِها، كما كانت الحال بين اليهود والأمم. تواضعَت إذ عرفت أنّ خلاصها يرتبط مباشرةً بخلاص فَلذة كبدها، عرفت أساس الإيمان قبل أن تلتهي بأشكاله. تبنّت مفهوم الجماعة كجسدٍ واحدٍ، فأخذت من الرأس عطيّة الشّفاء، وتمّ "وقت الرأفة" (مزمور 102).
 
حين نسهو عن أكل خبزنا اليوميّ، نضعف وتخور قوانا الجسديّة فنُجرَّب ونُحارَب، لكنّنا نتشدّد روحيًّا بالخبز الجوهريّ النّازل من السماء. نتناوله برِعدةٍ عالمين أنّنا لا نستحقّ هذه العطيّة. نتقوّى فنقوّم طرقنا بحفظ وصايا الربّ، وعيش مشيئته في حياتنا.
 
نلتفت إلى اللّه طالبين الرّحمة، نراه حاضِرًا معنا، واقفًا في وسطنا، فاتحًا يديه ليضمّنا ويخلّصنا، يحوطنا بنعمته ومحبّته، حينها يكون فرح اللقاء، فنعاين مجده ونصرخ "هلّلويا".
 
طروباريّة القيامة باللّحن الرّابع
 
إنّ تلميذاتِ الرّبّ تعلّمنَ من الملاك الكرزَ بالقيامةِ البَهِج. وطَرَحْنَ القضاءَ الجدِّيَّ، وخاطَبنَ الرُّسُلَ مفتخراتٍ وقائلات: سُبيَ الموت، وقامَ المسيحُ الإله، ومنحَ العالمَ الرَّحمةَ العُظمى.
 
طروباريّة الشّهيد في الكهنة خارالمبُس باللّحن الرّابع
 
لقد ظهرتَ أيّها الحكيم خارالمبُس مثل عمودٍ لكنيسة المسيح غيرِ متزعزع، ومصباحٍ للمسكونة دائِم الإنارة؛ وتلألأْت في العالم بواسطة الاِستشهاد، فأزلتَ ظلمة العبادة الوثنيّة أيّها المغبوط. فلذلكَ تشفَّع بدالّةٍ إلى المسيح في خلاصنا.
 
القنداق باللّحن الرّابع
 
يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودة، لا تُعرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحة، نَحْنُ الصارخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ، وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدةَ الإلهِ المُتشفِّعَةَ دائماً بمكرِّميك.
 
الرّسالة
2تيمو 2: 1-10
 
يفرح الصدّيق بالرّبّ استمع يا ألله لصوتي
 
يا ولدي تيموثاوس، تَقوَّ في النعمةِ التي في المسيحِ يسوع. وما سمِعتَهُ مِنّي لدى شُهُودٍ كثيرينَ استَودِعْهُ أُناسًا أُمَناءَ أَكفياءَ لأن يُعلِّموا آخَرِينَ أيضًا. إحتَمِلِ المشقَّاتِ كجُنديّ صالِح ليسوعَ المسيح. ليسَ أحدٌ يتجنَّدُ فيرتَبِكُ بِهُموم الحياة، وذلك ليُرضِيَ الذي جنَّده. وأيضًا إن كانَ أحدٌ يُجاهِدُ لا ينالُ الإكليلَ ما لم يُجاهِدْ جِهاداً شرعيًّا. ويَجِبُ أنَّ الحارِثَ الذي يتعَبُ يشتَرِكُ في الإثمار أوَّلاً. إفهم ما أقول. فَليُؤتِكَ الرَّبُّ فهمًا في كلِّ شيءٍ. أُذكُرْ أنَّ يسوعَ المسيحَ الذي من نسلِ داودَ قد قامَ من بينِ الأمواتِ على حسَبِ إنجيلي الذي أحتَمِلُ فيهِ المشقَّاتِ، حتَّى القيودَ، كمُجرمٍ. إلَّا أنَّ كلِمةَ اللهِ لا تُقيَّد. فلذلكَ أنا أصبِرُ على كلِّ شيءٍ من أجلِ المختارِينَ لكي يَحصُلُوا هم أيضًا على الخلاصِ الذي في المسيحِ يسوعَ مع المجد الأبديّ.
 
الإنجيل
متّى 15: 21-28
 
في ذلك الزمان خرج يسوع إلى نواحي صورَ وصيدا، وإذا بامرأةٍ كنعانيَّة قد خرجت من تلك التّخومِ وصرخت إليهِ قائلةً: إِرحمني يا ربُّ يا ابنَ داود فإنَّ ابنتي بها شيطانٌ يعذِّبها جدّاً؛ فلم يُجبها بكلمةٍ. فدنا تلاميذهُ وسألوهُ قائلين: اصرِفْها فإنَّها تصيحُ في إثرنا. فأجاب وقال لهم: لم أُرسَلْ إلّا إلى الخرافِ الضّالَّةِ من بيتِ إسرائيل. فأتتْ وسجدتْ لهُ قائلةً: أَغِثْني يا ربُّ. فأجابَ قائلاً: ليس حسناً أن يُؤخَذَ خبزُ البنينَ ويُلقى للكلاب. فقالتْ: نعم يا ربُّ، فإنَّ الكلابَ أيضًا تأكلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يسقط من موائد أربابها. حينئذٍ أجابَ يسوعُ وقال لها: يا امرأةُ عظيمٌ إيمانُكِ، فليكُنْ لكِ كما أردتِ. فشُفيَتِ ابنتُها من تلك الساعة.
 
في الإنجيل
 
يتكلَّمُ هذا الفصل من القراءة الإنجيليّةِ على إيمانِ المرأةِ الكنعانيّةِ العظيمِ الفاعِلِ بإصرارها وتواضُعها.
 
يبدأ المقطع بأنَّ يسوعَ قد "خرج" (متّى 15: 21) إلى نواحي صيدا وصور. فهو كانَ في بقاعٍ يقطنها اليهود وقد "خرجَ" منها بعدما كان قبلاً في نقاشٍ مع الفرّيسيّين والكتبة وقد رفضوه (متّى 15: 12).
 
"فخرج" منهم، وذهب إلى تخومِ الأمم الذين قَبِلوه (أنظر يوحنّا 10: 3-4). وعندما وصلَ إلى تلك التّخومِ، "خرجَتْ" أيضاً اِمرأةٌ كنعانيّةٌ "من تلك التّخومِ" ولاقت يسوع. فخُروجُها هذا يعني أنّها "خرجت" على الوثنيّة رافضةً إيّاها، وأتت لِلُقيا الحبيب المبتغى.
 
المرأةُ الكنعانيّةُ أُمميّةٌ وثنيّةٌ تابعةٌ لذلك الشعبِ الذي استوطنَ فلسطينَ واختلطَ باليهودِ. وبسببِ هذا فهي تعرفُ الشريعةَ والأنبياءَ. لذلك، لمّا رَأَتْ يسوع قالَتْ له "ارحمني يا سيّد، يا ابنَ داوُد!" (أنظر إشعيا 11: 1).
 
هذا اعترافُ إيمانٍ بيسوع أنّه مسيحٌ إذ هو ابن داود وربٌّ. كثيرون من آباء الكنيسةِ المفسِّرين رأَوْا في الاِبنةِ المسكونةِ من شيطانٍ رمزاً للأمم الوثنيّة الرازحةِ تحت نير جنون عبادة الأوثان والجسد والخطيئة. الأمّ لم تكن بحاجةٍ لشفاءٍ بسبب إيمانها. كانت تتوسّل من أجلِ ابنتها. لم يُجِبها يسوع بكلمةٍ منتظراً ثباتَها وإصرارها وليُعلِن لليهود الموجودِين هناك عن تواضعها الذي يناقضُ كبرياءَهُم (أنظر يوحنّا 8: 33).
 
وإذ أراد التلاميذ التخلُّصَ منها، إذ كانَت تَصْرُخُ بِشِدَّةٍ إلى الرَّبِّ، وكذلك بداعي الشَّفَقَةِ عليها، مُتَوَسِّلين إلى الرب أن "يصرفَها"، أي أن يعطيها ما تريدُهُ ليتخلّصوا منها، يأتي ردُّ الرّبّ الغريبُ لهم أنَّه لم يُرسَل إلّا للخرافِ الضّالّةِ من بيتِ إسرائيل.
 
وذا ما يحيِّرُ السامِعَ. فمنذ قليلٍ قد "خرج" يسوعُ من تخوم اليهوديّةِ إذ رفضه أبناء إسرائيل.
 
وبعدما استعمل معهم كلَّ الطرق ليقنعهم بالإيمانِ به، رفضوه، فكيف ينطقُ بهذا الكلام؟ في تفسيرِ هذه النقطةِ يتّفق آباءُ الكنيسةِ على أنَّ يسوع قد قال هذه الجملة لتسمَعَها جماعةُ اليهودِ لئلّا بأعذارٍ يأخذوا ذريعةً أنّه لم يحاوِل أن يخَلّصَهم أو أنَّه يخالط الوثنيّين، إذ هو الذي قال قبلاً للرّسل "إلى طريقِ الأمم لا تمضوا ... بل اِذهبوا إلى خراف بيت إسرائيل الضّالّة"، وهذا لكي لا يتأثَّروا بهم، ولأنَّ يسوع يريد أن يخلِّصَ هؤلاءِ الأخيرين على الصَّليب، بعد أن يكون قد استنفد كلّ الطرق ليرجعَ إسرائيل إلى الإيمان به.
 
هنا تُصرُّ المرأة الكنعانيّة وتسجد ليسوع؛ هذا عملُ إيمانٍ فاعِلٍ بالتواضُع. وطلبت "أغثني يا ربّ". فهي تعلمُ أنْ لا قوَّةَ بشريّةً تستطيعُ أن تساعدَ ابنتها.
 
فالمرأةُ هي أمُّ أبناءِ الأممِ الّذين سيطرت عليهم الخطيئة، فتتوسّل للمسيحِ من أجلِ خلاصِ كنيسة الأمم. فيجيبها يسوع بتلك الجملةِ الغريبةِ والمشهورةِ والتي تحمل الكثير من التساؤلاتِ والتفاسير:
 
"ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب". فبالمفهوم اليهوديّ البنون هم أبناء الله، أبناء إبراهيم وإسحَق ويعقوب، هم أبناءُ الموعد، أمّا الكلابُ فهي الأمم الوثنيّة.
 
لقد تقبَّلتِ اِلامرأةُ كلامَ يسوعَ ولم يستفزَّها. لقد وافَقَت على أنَّ الأمَمَ هم كِلابٌ في عبادَتهم للأصنامِ. وبقولها إنَّ صغارَ الكلابِ تأكُلُ من الفتات الذي يسقط عن موائِدِ أربابها تريد أنْ تقول للمسيحِ إنَّ الأممَ مستعدّون لأن يقبلوه وتطلب منه أن يعطيَهُم ما رفضه اليهود.
 
هذا إيمانٌ عظيمٌ، وبحسب إيمانِها أعطاها عندما قال لها "فليكُن لَكِ ما تريدين". هذه الجملةُ تُذَكِّرُ بأفعالِ الأمرِ التي نجدُها في بَداءةِ سِفرِ التَّكوين عندما يقول الله "ليكن نورٌ ... وكان كذلك"، "ليكُن جَلَدٌ ... وكانَ كذلك"، والنتيجة أنَّ ابنتها شُفِيَت للفور. والمُراد بالقول أنَّ الله يستطيع أن يفعل كلَّ ما تطلبه منه بتواضُعٍ وإيمانٍ ويصيرُ هذا على الفور. هل أنتَ في ضعفٍ؟ فتواضَع واطلب معونة الله، وهو سيساعدكَ على تخطّي ضعفك إذا أسندتَ إليه أمْرَكَ بإيمانٍ.
 
الإدمان
 
يوصف الإدمان بأنّه "هو الإفراط في الاستعمال بصورةٍ متّصلةٍ أو دوريّةٍ بمحض اختيار المتعاطي، بهدف الشّعور بالرّاحةِ أو ما يُخَيَّل للمتعاطي أنّه شعور بالرّاحة أو بدافع الفضول أو لاستشعار خبرة معيّنة".
 
وبين الإدمان والعادة صداقة متينة تجمع بينهما، ولكن لكلٍّ منهما خصائصه وفرادته وقيوده. فالإدمان هو الأخ الأكبر للعادة، إلّا أنّ الأوّل يصبح مرضًا يحتاج عقاقيرَ وطرقًا قاسية أغلب الأحيان لمداواته، أمّا العادة فيمكن تطوير طبيعتها أو تغييرها جذريًّا. كما يتحوَّلٌ المجرمُ إلى قدّيس.
 
الإدمان أنواع، فهو لا يقتصر على المخدّرات المتنوّعة من أدوية وعقاقير، وإنّما يتخطّاها إلى أمور حياتيّةٍ تشلُّ الإرادة الإنسانيّة وتعطّل في الإنسان خصائص الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله.
 
ما يتحكّم بالإنسان وبإرادته، ويقيّده، ويمكن أن نقول عنه أيضًا إنّه يأسره، هو كالإدمان، لا يستطيع بالسبيل الهيّن أن يتخلّص منه، هذا إن أراد.
 
فليس كلّ المدمنين يرغبون في الخروج من حبائل الإدمان لا بل بعضهم يستزيد حتّى الموت.
 
لمرّات عديدة استوقفني بعض الملتزمين في الكنيسة وسألوني عن قدرتي على التخلّص من لفافة السيجارة، ومن خرطوم الأراجيل، ويسألونني، مازحين، عن الرجوليّة والسيطرة على الذات بقولهم "مَن الرّجل: أنت أم هي (السيجارة)"؟ فيكون الجواب دائمًا "هي!".
 
الهاتف الخليويّ - وقد أصبح معه كُلُّ إنسان، إن لمستَ هاتفه كأنّك تقتلع قلبه - هو مُربٍّ للإدمان على "الأنا". التلفاز، الألعاب الإلكترونيّة، الشهوات، اللّذّة المريرة، اللّهو اللّيليّ، العيش بموجب متطلّبات المجتمع الاِستهلاكيّ، كلّها تعكس حاجة الإنسان إلى الرّاحة والفرح، ودلالة على الفراغ الذي يعيشه الناس.
 
وتزداد اللّهفة في البحث عن البدائل، ويستمرّ البحث، وربّما لا يجدها المرء للحظة المغادرة. ويبقى الإنسان مدمنًا على تعاطي هذا النّمط من الحياة ومقيّدًا به، وبذا تصبح الإضافة إلى تعريف الإدمان بالقول "الرّغبة في الاستمرار والسّعي للحصول على رغباتنا بأيّة وسيلة" ينطبق على واقعنا.
 
الفراغ، البطالة، الصّحبة السيّئة، الضّعف البشريّ تجهد أفكارك إلى مستوى الفراغ وعوامل تسبيكَ إلى البحث عن لذّة الحياة، وتصطادك بشصّ الإدمان بأحد أشكاله.
 
في خدمة التسبيح الشّاروبيميّ يتردّد صدى كلمات للقدّيس باسيليوس الكبير "ليس أحدٌ من المقيّدين بالشّهوات واللّذات الجسديّة أهلاً لأن يتقدّم إليك أو يخدمك يا ملك المجد"؛ إنّها صلاة تدعونا للتأمّل فيها. وهذه الكلمات تجعلنا نعيد قراءة حياتنا.
 
فكيف السّبيل للتحرّر من هذا الإدمان؟
 
يقول المثل "لكلِّ داءٍ دواء"، ولكلِّ مرضٍ علاج. فالمدمنون على المخدّرات كُثُر، ولصعوبة التخلّص منها أنشئت مراكز متخصّصة تعتمد فصل المدمن عن التّعاطي ولو تردّد صراخ المريض لآخر المسكونة طلبًا للمخدّرات. إنّما حُبًّا به يسمحون بالألَم لإبادة مسبّبه.
 
بالنسبة للمسيحيّين، كان يُطلق على الكنيسة لقب "المستشفى"، وبقيت هذه التسمية مدرجة في كتبهم، والعلاج يبتاع بثمن الإرادة الصّلبة والرّغبة بالشّفاء أوّلاً.
 
وكما لكلِّ علّة سبب كذلك التداوي. فالفراغ والبطالة من العمل، فطالما لم يتوفّر لك عمل تصبو إليه، حتّى أصبح همُّ توفّره سببًا لقلقك، استفِد من الوقت لعمل المحبّة ضمن مؤسّسات خدماتيّة ولو تطوُّعًا، فالمردود نعمةٌ إلهيّة آتية من الجهد الذي تبذله للآخرين. وكلّما ازداد حُبُّك للعطاء ازدادت النعمة وتحرّرت من اليأس والقنوط.
 
والرّبّ المتحنّن يفتح لك أبوابًا وسبلاً جديدة، وتدرك معنى "أَلقِ على الرّبّ همّك فهو يعولك" وأنَّ وعودَ الله لأبنائه المؤمنين أنّه لا يتركهم صحيحةٌ.
 
التحوّل من حالة المرض إلى الصحّة يتمّ بتوجيه الطّاقة التي فينا، ولكنّ هذا لا يكفي دون معونة الأطبّاء والأدوية النّافعة.
 
أطبّاؤنا، بكلّ بساطةٍ، همّ القدّيسون الذين اختبروا ما نعيش وتحرّروا من قيود الأهواء. فبعشرتهم وبالمكوث في مجالسهم وسماع تعاليمهم والاِقتداء بهم وبطلب معونتهم نستطيع أن نقول إنّنا قطعنا نصف الشوط. فـ"باتّكالنا عليهم لا نخيب وبهم ننجو من كلّ الشدائد" ونستعيد أفكارنا الهائمة المسبيّة بالأهواء.
 
وكذلك الالتصاق بعشرة الأصدقاء الذين يسعون لخلاص نفوسهم وقداسة حياتهم.
 
وأمّا العلاج فلا يكون بالتوجّه إلى الطّبيب فقط دون الأخذ بإرشاداته وتناول الأدوية التي يصفها. أمّا وَصْف الأدوية فعلى الطبيب وأمّا تناولها فعلى عاتق المريض، الذي يقبل مرارة الدواء سبيلاً للشّفاء، وما التمنّع إلّا استفحالٌ للمرض وازدياد للإدمان. الدواء في الكنيسة حياةُ نُسكٍ، نسكٍ فرديّ وآخر جماعيّ. في المخدع الخاصّ ومع الجماعة في صلواتها وسهرانيّاتها وأجوائها الرّوحيّة، لها همٌّ مشترك ومحبّة تفهم الخطايا وتعرف الضعفات.
 
الدواء هو جهاد لتفعيل الفضائل في النفس البشريّة الضعيفة، فترتفع الأيادي ذبيحة صباحيّة ومسائيّة، والرّكب تنحني سجودًا وتنفتح الشّفاه تسبيحًا وشكرًا، ويمتلئ القلب تخشّعًا وانسحاقًا، والذِّهن تواضعًا، ويُمسي الكيان محبّةً، فتستنير حواسّنا ونتحرّر من كلّ القيود التي اختلقها العالم لنا أو اختلقناها نحن لأنفسنا، ونعيش فرحًا حقيقيًّا وسلامًا داخليًّا آتيًا من ملكوت الله، من لدن طبيب النفوس والأجساد.
 
أخبــارنــا
محاضرة في معهد اللّاهوت - جامعة البلمند
 
برعاية صاحب الغبطة يوحنّا العاشر الكلّيّ الطوبى والجزيل الإحترام
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
 
يدعوكم معهد القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ اللّاهوتيّ في جامعة البلمند إلى ندوة رعائيّة موضوعها:
الرّجاء في فترة المرض يشارك فيها:
 
المتروبوليت أفرام (كرياكوس) الجزيل الاحترام راعي أبرشيّة طرابلس والكورة وتوابعهما،
 
الدكتور دانيال هانشو (الرّعاية التلطيفيّة)، الدكتورة جاين كارانهان (الطّبّ النّفسيّ)، الدكتور ميشال ضاهر (الجراحة، وعلم الأخلاق الطبيّة)، الدكتور ناظم باسيل (طبّ الشّيخوخة)، الدّكتورة روزيت جبّور (طبّ الأعصاب).
الزّمان: نهار السّبت الواقع فيه 23 شباط 2019، من السّاعة التّاسعة صباحاً حتّى الواحدة بعد الظهر.
 
المكان: قاعة البطريرك إغناطيوس الرّابع في معهد اللّاهوت.
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies