الكرمة - الأحد 10 حزيران 2018


 
الأحد 10 حزيران 2018
العدد 23
 
الأحد الثاني بعد العنصرة
 
اللَّحن الأوّل الإيوثينا الثانية
 
 
 
* 10: الشّهيدان ألكسندروس وأنطونينا، تذكار جامع للآباء الآثوسيّين، * 11: الرّسولان برثلماوس أحد الـ 12 وبرنابا أحد الـ 70، أيقونة بواجب الإستئهال، * 12: البارّ أنوفريوس المصريّ، بطرس الآثوسيّ، * 13: الشّهيدة أكيلينا، * 14: النبيّ أليشع، ميثوديوس رئيس أساقفة القسطنطينيّة، * 15: النبيّ عاموس، البارّ إيرونيمس،
* 16: تيخن أسقف أماثوس.
 
 
الرّسل وصوم الرّسل والرّسوليّة
 
ها نحن في زمن صوم الرّسل. كلمة "ملاك" باللّغة العبريّة تعني "رسول". الرّسول هو ملاك الله أي ناقل كلمة الله ومشيئته للبشر. الرَّسول هو حامل المسيح في قلبه وكيانه قبل أن يحمله كلمة. هو ممتلئ بروح الرّبّ. إنّه إنسان "روحيّ" (1 كورنثوس 2: 15).
 
زمن الرّسل انتهى، لأنّ الرّسل هم الَّذين كانوا في تماسّ مباشر مع الرّبّ يسوع بالجسد، الَّذين رافقوه وعرفوه ولمسوه (راجع: رسالة يوحنّا الأولى 1: 1).
 
يوجد في الكنيسة من نسمّيهم "معادليّ الرّسل"، لأنّهم كانوا مبشّرين وأسّسوا كنائس ولكنّهم من زمن ما بعد الرّسل.
 
مارس الرّسل القدّيسون الأطهار الصّوم منذ البَداءَة (وبينما هم يخدمون الرّبّ ويصومون أعمال ٢:١٣) اقتداءً بالرّبّ يسوع المسيح. والكنيسة، بدورها، حافظت على الصّوم، فهو من ضمن تسليمها الشريف وإيمانها.
 
أمّا صوم الرّسل فهو أحد أصوام الكنيسة، وهو يبدأ بعد مرور أسبوع على عيد العنصرة.
 
نقرأ في قانون الرّسل القدّيسين: "إّنّكم، بعد تعييدكم عيد البنديكوستي، أي الخمسينيّ – العنصرة، عيّدوا سُّبّةً واحدة (أسبوعًا) وبعد تلك السّبّة صوموا لأنّه من الواجب أن نفرح مسرورين بالموهبة الممنوحة من الله (الرّوح القدس) ونصوم بعد فرحنا".
 
ويستشهد هذا القانون بأنبياء صاموا مثل موسى وإيليّا، وصوم الأسابيع الثلاثة التي صامها دانيال النبيّ، وصوم حنّة النبيّة، وصوم أهل نينوى وصوم أستير ويهوديت وداود الملك. فعلى مثال هؤلاء يجب أن يصوم المسيحيّون أيضًا، لذلك كتب الرّسل قائلين: "أنتم أيضًا، عندما تصومون، اطلبوا سؤالكم من لدن إلهنا".
 
فبعد تكريم الرّسل في المجمع المسكونيّ الأوّل، سنة ٣٢٥م، على أنّهم معّلمو العبادة الحسنة ورعاة المسكونة كّلها، دعا الآباء المجتمعون الصّوم: "صوم الرّسل"، وحدّدوا أنّه، بعد مرور عيد الخمسين بأسبوع واحد، يجب على المسيحيّين أن يصوموا عن اللحم والجبن وكلّ مشتقاتهما إلى يوم عيد الرسل في ٢٩ حزيران.
 
هذا المرسوم الرّسوليّ قد حفظه القدّيسون سابا المتقدّس، ويوحنّا الدمشقيّ، وثاودورس الستوديتيّ، وغيرهم من الآباء الأقدمين، كما أنّ القدّيسَين باسيليوس الكبير ويوحنّا الذهبيّ الفم يعلّمان بشكل كافٍ عن هذا الصوم، ويتمسّكان به.
 
ويذكّر القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، في إحدى عظاته على الرّوح القدس، أهل أنطاكية بهذا الصّوم المنسوب إلى الرّسل القدّيسين، ويحثّهم على المحافظة عليه وتطبيقه.
 
لم تنتهِ البشارة بعد زمن الرّسل لأنّ الكنيسة بطبيعتها "رسوليّة" (دستور الإيمان)، أي هي مبنيّة على إيمان الرّسل وبشاريّة. الرّوح الرّسوليّة هي روح الكنيسة لأنّ دور الكنيسة في هذا العالم أن تكرز بالملكوت الآتي وتكشفه في حياتها الآن. "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (متّى 28: 19)؛ هذا ما يطلبه الرّبّ يسوع المسيح من الكنيسة في كلّ حين إلى أن يأتي "بمجد ليدين الأحياء والأموات" (دستور الإيمان).
 
أيّها الأحبّاء، رسالتنا المسيحيّة هي أن ننشر كلمة الإنجيل في العالم ليصير العالم مكانًا أفضل. علينا أن نترك روح الرّبّ القدّوس يقودنا. هو دليلنا إلى الخلاص وهو عربون خلاصنا بالمسيح بحسب قصد الله الآب. لا نستطيع أن نبشّر دون أن يكون فينا روح الرّبّ.

 
وروح الرّبّ لا يسكن فينا إلّا إذا آمنّا بالمسيح وأطعنا كلمته.
 
ولا نستطيع أن نؤمن بالمسيح ما لم يهبنا الرّوح القدس ذلك. ولا يهبنا الرّوح القدس الإيمان بيسوع ما لم يجتذبنا الله الآب. ولا يجتذبنا الله الآب ما لم نعرف هشاشتنا ومحدوديّتنا وعطبنا وحاجتنا أن نُخلَّص من قيود عبوديّة محبّة هذا العالَم.
 
"أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ" (يعقوب 4: 4) وأنّه "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1 يوحنّا 2: 15)؟
 
الرّسول حرّ، ونحن مدعوّون إلى الحرّيّة التي في المسيح لنستطيع أن نكون شهودًا له ورسلًا.
 
الطّريق إلى هذا كلّه هو التوبة... ومن استطاع أن يقبل فليقبل.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
 
 
طروباريَّة القيامة باللَّحن الأوّّل
 
إنّ الحجرَ لمّا خُتم من اليهود، وجسدَك الطاهر حُفظ من الجند، قمتَ في اليوم الثالثِ أيّها المخلّص مانحاً العالَمَ الحياة. لذلك، قوّاتُ السَّمَوات هتفوا إليك يا واهبَ الحياة: المجدُ لقيامتك أيّها المسيح، المجدُ لمُلكِكَ، المجدُ لتدبيرِكَ يا مُحبَّ البشرِ وحدَك.
 
القنداق باللَّحن الثاني
 
يا شفيعةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودة، لا تُعرِضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعةِ وأسرَعي في الطّلبةِ يا والدةَ الإلهِ المتَشفّعةَ دائماً بمكرِّميك.
 
 
الرِّسالَة
رو 2: 10-16
 
لتكُن يا ربُّ رحمتُكَ علينا
ابتهِجوا أيُّها الصدّيقون بالربّ
 
 
يا إخوة، المجدُ والكرامَةُ والسلامُ لكلِّ مَن يفعَلُ الخيرَ من اليهودِ أوّلاً ثمَّ من اليونانيّين، لأنْ ليسَ عندَ اللهِ محاباةٌ للوجوه. فكلُّ الذين أخطأُوا بدونِ الناموسِ فبدون الناموس يهلِكُون وكلُّ الذين أخطأُوا في الناموسِ فبالناموسِ يُدانون، لأنَّهُ ليسَ السامِعونَ للناموسِ هم أبراراً عندَ اللهِ بل العامِلونَ بالناموسِ هم يُبرَّرون. فإنَّ الأممَ الذينَ ليسَ عندهُمُ الناموس، إذا عملوا بالطبيعة بما هو في الناموس، فهؤلاء، وإن لم يكن عندهم الناموس، هم ناموسٌ لأنفسهم، الذين يُظهِرونَ عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم وضميرُهم شاهدٌ وأفكارُهم تشكو أو تحتَجُّ فيما بينها، يومَ يَدينُ الله سرائرَ الناسِ بحسَبِ إنجيلي بيسوعَ المسيح.
 
 
الإنجيل
متّى 4: 18-23(متّى 2)
 
في ذلك الزمان، فيما كان يسوع ماشياً على شاطئ بحرِ الجليل رأى أخَوَين، وهما سمعانُ المدعوُّ بطرسَ وأندَراوسُ أخوهُ، يُلقيانِ شبكةً في البحر (لأنَّهما كانا صيَّادَين). فقال لهما هلمَّ ورائي فأجعلَكما صيَّادَي الناس. فللوقتِ تركا الشِّباكَ وتبعاهُ. وجاز من هناك فرأى أخَوَينِ آخرَينِ وهما يعقوبُ بنُ زبَدَى ويوحنَّا أخوهُ في سفينةٍ معَ أبيهما زبَدَى يُصلِحانِ شباكَهما، فدعاهما. وللوقتِ تركا السفينَةَ وأباهُما وتبعاهُ. وكانَ يسوعُ يطوفُ الجليلَ كلَّه يعلّمُ في مجامعهم ويكرزُ ببشارةِ الملكوتِ ويَشفي كلَّ مرضٍ وكلَّ ضُعفٍ في الشعب.
 
في الإنجيل
 
الجليل منطقة ساحليّة تقع في شمال فلسطين مطلّةٌ على البحرِ، وهي مركزٌ لصيدِ الأسماك. في العهد الرومانيّ يشكّل الجليل المنطقة الشماليّة الكبرى التي كانت تؤلّف، مع اليهوديّة والسّامرة والساحل الفلسطينيّ، مملكة يهوذا الرّومانيّة.
 
هكذا في عهد المسيح كان الجليل مقسومًا إلى الجليل الأعلى والجليل الأسفل. كانت كفرناحوم والنّاصرة من مدن الجليل الأسفل، أمّا الجليل الأعلى فكان يُدعى "جليلَ الأمم" ربّما لأنّه كان يتاخم مدينتي صور وصيدا الوثنيّتين أو لأنّ سكّانًا وثنيّين من الفينيقيّين والسوريّين والعرب وغيرهم كانوا يقطنون هذا السّاحل.
 
في العهد الجديد لم يكن الجليل منطقةً محبوبةً عند اليهود الذين كانوا ينظرون إلى سكّانه بعين الازدراء (لو 13: 1؛ يو 1: 47)؛ فهو يُدعى جليل الأمم (أشعياء 9: 1).
 
والأمم هم غير اليهود، هم الذين لا يعبدون الإله الواحد. هم الشعب الذي وصفه أشعياء قائلاً: "الشعب الساكن في الظلمةِ قد أبصر نوراً عظيمًا" (أشعياء 9: 2).كثيرون من تلاميذ يسوع كانوا رجالاً من الجليل (أنظر أعمال 1: 11؛ 2: 7)،
 
وحتّى يسوع نفسه جليليّ، ولذلك كان يُعيَّر هو وأتباعه بسبب مكان سكناه. نرى في الأناجيل أنّ معظم نشاط يسوع التبشيريّ كان يتمّ بشكلٍ مكثّف في منطقة الجليل. كانت هذه المنطقة مكان سكن يسوع لمدّة ثلاثين سنة تقريبًا.
 
ليس من الغريب أن يبدأ المسيح بشارته من الجليل، مملكة الخطيئة والظلمة، ليكون النور الذي "يضيء كلَّ واحدٍ" (يو 1: 9)، أمماً ويهوداً. عند ولادته رفضته "مملكة يهوذا" بشخص هيرودوس الملك (مت 2: 3)، لأنّه كان يريد أن يقتله (مت 2: 13).
 
يسوع، كما يروي لنا سردُ ولادته، هو من سبط يهوذا، وهو قد "أتى إلى خاصَّته وخاصّته لم تقبله" (يو 1: 11). صار مرفوضًا كالجليليّين ومحتقراً كالأمميّين. ولكنّه من هناك سينتقل بكلمته وفعله إلى العالم كلّه.
وقد انتقى تلاميذه من الجليليّين:
 
أناسًا فقراء وغير متعلّمين؛ بسطاء، وصيّادي سمك. أعرض، استطراداً، من أقوال أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس النيصصيّ الذي يشير إلى أنَّ لاهوتنا هو لاهوت الصيّادين وليس لاهوتًا فلسفيّا أفلاطونيّاً أو أرسطوطاليسيّاً أو أيّ نوع من أنواع الفلسفة. لننظر، إذن، كيف تفاعل هؤلاء الصيّادون مع الدعوة:
 
قال لبطرس وأندراوس أن يتبعاه ليجعل منهما صيَّادَي بشر. طبعًا معنى الكلام هو أنَّ يسوع يريدهما مشاركَين له في نشر إنجيله أو بشارته في كلّ المسكونة، اِبتداءًا من الجليل واليهوديّة وإلى كلّ أقطار المسكونة (أنظر لو 24: 47، أعمال 1: 8). فبعد قيامته يقول لهم "إذهبوا وتلمذوا كلَّ الأمم" (متّى 28: 19). أمّا بطرس وأندراوس فلبَّيا الدعوةَ حالاً تاركَين شباكهما. فالشِّباك هي مصدر رزق هؤلاء الصّيادين وعَيشهم. فعبارة "للوقتِ" تدلُّ على أنَّهما تركا كلّ ما له علاقة بالأرضيّات والمادّيّات وتبعا المسيح حالاً وبدون تردُّد.
 
والشيء نفسه حصل مع يعقوب بن زبدي وأخيه يوحنّا، اللَّذين كانا في السفينةِ مع أبيهما.
 
فهما لم يتركا فقط مصدر رزقهما والسَّفينة التي تدلُّ على أنّهما كانا يملكان شيئًا باهظ الثمن كالسَّيّارات في أيّامنا، ولكنّهما تركا أباهما، أي تركا العائلة وكلّ الأشخاص المهمّين في حياتهما.
 
إذن، موضوع التَّرك هو أساسيٌّ لاتِّباع يسوع؛ ونعني بالتَّرك عدم التعلُّق لا بأشخاصٍ ولا بأموالٍ ولا بأمور مادّيّة أو دنيويّة. وهذا الترك يجب أن يصير أوَّلاً في القلب قبل أن يأخذ مظهراً خارجيّاً، ليأتي يسوع ويملأ هذا الفراغ.
 
نهايةً يذكر الانجيل أنَّ يسوع "كان يطوف الجليل كلّه يعلِّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كلّ مرض وضعف في الشَّعب". المقصود بالمجامع أماكن تجمُّع اليهود للصّلاة وقراءة النّاموس والأنبياء.
 
وأمّا الكرازة بملكوت السَّمَوات فكانت تتمُّ في المجامع وخارجها من خلال التعليم والشفاء، إذ يذكر الإنجيل عبارة "في الشعب" وهنا لا يحدِّد ما إن كانت الأشفية تتمّ فقط لليهود وإنّما من الواضح أنّها كانت تتمّ للجميع. كنيستنا كنيسة أشفية! الشّفاء، إذن، أمرٌ مهمٌّ يتوافق وبشارة الملكوت. المسيحُ يشفينا من أسقامنا الروحيّة والنفسيّة.
 
هو الذي يطهِّرنا بواسطة الروح لنكون جاهزين لاستقبال الملكوت، أو لانقشاعه، إذا صحَّ التعبير، إذ هو في داخلنا. ولهذا، في الكنيسةِ الأرثوذكسيّة للشّفاءِ مركزٌ أساسيّ في مسيرة حياة الإنسان الروحيّة وحياته الجسديّة.
 
هذا هو إنجيل بدء بشارة يسوع وبدء بشارة الرّسل. ومن الحكمةِ أنَّ الكنيسةَ رتّبت هذا الإنجيل ليُقرأ في الأحد الثاني بعد العنصرة لأنَّ الرسل، كما استقبلوا يسوع وتبعوه، هكذا استقبلوا الروح القدس وقبلوه وانطلقوا في بشارة الملكوت من أورشليم إلى جميع أنحاء المسكونة، مُعَلِّمين الشعب ومعمِّدين إيّاه؛ شافين الأمراضَ ومُنتهرين الشياطين ومُخرجينهم، وشافين، كمعلِّمهم، كلّ سقمٍ في الشعبِ.
 
وَجهُ المسيح
 
المسيح وَجه. وككلّ الوجوه هو مكشوفٌ أو محجوب، وفي الحالَين معًا نحن المسيحيّين مسؤولون. نحن كاشفوه إذا كُشِف أو حاجبوه إذا حُجب. قال السيّد في (يوحنّا 12: 46):
 
"أنا نوراً أتيتُ الى العالم..."، فإذا قرأنا قوله هذا رَبطًا بقوله في (متّى 5: 14) "أنتم نور العالَم..." أفيكون قوله الأخير هذا غيرَ تكليف صريح لنا بأن نكون نحن نورَه الذي به يُطلّ على العالم؟ أجَل، هذه مسؤوليّتنا، بل هذه مَهمَّتنا. لقد أُعدّت وجوهنا لتكون أيقوناتٍ حيّةً لوجه المسيح، تَشِفُّ عنه وبه تُطّل على العالم، بل به تقرأ العالم وتُنيره.
 
لكنّنا أَخطأنا وأَثِمنا فأظلمت وجوهنا حتّى باتت أستاراً كمداءَ كثيفةً تحجب وجه السيّد وتحجب نوره عن العالم.
 
واقع الحال- المؤسف طبعاً - أنّ وجهَ المسيح الحقيقيَّ، مسيحِ الإنجيل، محجوبٌ. واقع الحال أنّ الذين تَسمَّوا باسم المسيح ما كانوا لوجهه شفّافين فبقي وجهه محجوباً، وبالتالي مجهولاً.
 
كثيراً ما أساءت المسيحيّة التاريخيّة إلى المسيح الحقيقيّ، مسيحِ الإنجيل، لأنّ المسيحييّن قاطبةً، أفراداً وجماعات، أداروا له ظهورهم، وقبل أن يصيح الدّيك أنكروه، ليس فقط ثلاثاً بل ثلاثاً بثلاث. لكأنّ بطرس، عندما جَحَد السيّد، كان يعلم، مسبقاً، أنّه تاركٌ وراءَه خُلفاء، أو أنّه يدشّن تاريخاً من الإنكارات لن ينتهي إلّا عند قيام السّاعة. مع الفارق الكبير بين بطرس والمسيحييّن من بعده: فهو ندم على فعله وبَكى بكاءً مُرًّا، أمّا هم فلم يندموا ولم يكتفوا بالتنكّر لمسيحهم، بل- وهذا أدهى- استبدلوه بمسحاءَ دجّالين كُثُر من صنع أهوائهم وشهواتهم، من صنع نزواتهم وأطماعهم.
 
أجل، إنّ المسيحيّة التاريخيّة ألحقت بالمسيح أذًى كبيراً، ما جعل عظيماً من عُظماء التاريخ المعاصر، اسمُه غاندي، ينتفض لكرامة المسيح وكأنّه واحدٌ من أتباعه - وكان قد قرأ عنه، بل قرأه في الإنجيل، وأحبّه حبًّا عظيماً وتاثّر به - ويقول للمستعمرين الإنكليز في الهند: "أنا مُغرم بمسيحكم ولكنّي كرهت مسيحيّتكم. أَعطُوني المسيح وخُذوا مسيحيّتكم. لم أجد في مسيحيّتكم المسيحَ الذي تتكلّمون عليه".
 
هؤلاء هم مسيحيّو المسيحيّة التاريخيّة. إنّهم يفخرون بكون مسيحّتهم مسجّلةً في بطاقة هويّتهم، وتنتهي المسألة معهم عند هذا الحدّ.
 
يعرفون المسيح انتساباً في دوائر النفوس ولا يعرفونه انتساباً كيانيّاً ونهج حياة، ولم يكلّفوا أنفسهم، يوماً، جهد التعرّف عليه في إنجيله ليتّخذوه معلّماً لهم ومثالاً كما ينبغي لهم أن يفعلوا.
 
ومع أنّ سُبل معرفته تيسَّرت لهم إلّا أنّهم آثروا البقاء على جهلهم لأنّ المعرفة مُكلفة، تُكلّف مسؤوليّة والتزاماً، وهم يهربون من المسؤوليّة ويُؤثرون أن يبقَوا أحراراً من أيّ التزام.
 
علماً أنّ من تيسّرت له سُبُل المعرفة وقصّر في تحصيلها تكون خطيئته أعظم، وذلك عملاً بقول السيّد: "لو لم آتِ وأكلّمهم لم تكن لهم خطيئة، وأمّا الآن فليس لهم عذرٌ في خطيئتهم" (يو 15/22). خطيئة المسيحيّين في دهرهم أنّهم دَهرنوا مسيحيّتهم بدلاً من أن يُمسحِنُوا دهرهم.
 
اِتّخذوا من عظماء العالم ورؤسائه نماذج لهم وأهملوا مسيحهم. راقت لهم عظمة هذا الدهر ولم تَرُق لهم "عظمة" المسيح. وربّما لأنّه حذّرهم من مجانسة العالم في شهوة التسلّط حين قال لهم: "رؤساء العالم يَسُودونهم وعظماؤهم يتسلّطون عليهم، أمّا أنتم فلا يكن فيكم هذا..." (متّى 20/25 و26)، ربّما لأجل هذا أداروا له ظهورهم، حتّى يصحّ فيهم قول السيّد في صالبيه: "إنّهم أبغضوني بلا سبب" (يو 15/25).
 
أجل، ما خلا الشهداءَ والقدّيسين الذين يشكلّون لكنيسة المسيح ضمانتها واستمراريّتها، الذين يشفعون بنا ونذكرهم في المناسبات ولكن – للأسف - لا دخل لهم في حياتنا، ما خلا هؤلاءِ وقلّةً عزيزة من المسيحييّن الأصلاء المزورعين، هنا وثمَّة، في بقاع هذه الأرض الطيّبة يفعلون في ترابها فعل الخمير اليسير في العجين، ما خلا هؤلاءِ جميعاً لا نجد في سلوك المسيحييّن، تاريخيًّا، ولا في سلوكهم اليوم ما يدلّ على مسيحيّتهم. في الكنيسة الأولى كان المسيحيّون يحبّون بعضُهم بعضاً، وكانت هذه المحبّة علامتَهم الفارقة التي بها يُشار إليهم.
 
أمّا اليوم، فما الذي يميّزنا نحن المسيحيين؟ ما علامَتُنا الفارقة؟ لا شيء. نعيش حياتنا كما يعيشها باقي النّاس وليست لنا فيها بصمةٌ خاصّة تدلّ علينا بانّنا من تلاميذه. نفرح كما يفرح باقي الناس ونحزن كما يحزنون، كأنّنا لم نقرأ يومًا، وصيّة بولس: "لستُ أشاء أن يخفي عليكم أمر الراقدين لئلّا تحزنوا كباقي الناس الذين لا رجاء لهم" (1 تسا 4/13). يُقلقنا الغد كما يُقلقهم، كأنّنا لم نسمع، يومًا، كلام السيّد على طيور السماء وزنابق الحقل (لوقا 12/22-31).
 
نُراوغ كباقي النّاس ونُخاصم كباقي الناس، وكباقي النّاس نُساير ونُساوم ونُهادِن ونُحابي الوجوه.. باختصار، نقارب شؤون حياتنا، العامّة والخاصّة، بالذهنيّة نفسها التي لسائر النّاس، وكأنّ الكلام الإلهيّ لا يعنينا، أو كأنْ ليس هو كلاماً للعيش، والنتيجة واحدة: وَجهُ المسيح الحقيقيُّ محجوبٌ، فإلى متى؟
 
تشكّل الأيقونة عندنا- وأيقونة السيّد في الطليعة- عنصراً أساسيًّا من عناصر العبادة، نضعها في معابدنا ونقدّم لها الإكرام اللائق ساجدين لمن تمثّله. ولكن، هل كُتب على السيّد أن يبقى وجهه سجين المعابد فلا يُرى إلّا في الأيقونة الخشبيّة المكرّسة؟ حَتّامَ نُبقيه سجين المعابد ولا نَطفِرُ به إلى خارجها ليرى العالم وجهه مُرتسماً على وجوه بشريّة من لحم ودَم؟ هذا سؤال وجوديٌّ حادٌّ مطروحٌ على ضمائرنا نحن المسيحيّين وينتظر الجواب. وإلّا فلا نلُومَنَّ غاندي إذا صرخ في وجه المستعمر الإنكليزيّ، ولا نَستغربَنَّ إلحادَ الملحدين.
 
أخبـــارنــــا
 
إلى الأبناء الأحبّاء بالرّبّ
بعد خير الأدعية بحفظكم، أطلب أن تأخذوا علمًا بأنّ أبواب المطرانيّة تقفل كلّ يوم عند الساعة السادسة مساءً. بالتالي لا يمكن الاِجتماع بعد الساعة 5:45 مساءً، حفاظاً على أمن المطرانيّة وحسن سير الأمور فيها. مع تكرار الدّعاء والبركة.
 
طرابلس في 30/5/2018
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
+ أفرام كرياكوس
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies