الكرمة - الأحد 25 آذار 2018

 

الأحد 25 آذار 2018
العدد 12
الأحد الخامس من الصوم (مريم المصريّة)

اللّحن الأوّل الإيوثينا التاسعة

* 25: عيد بشارة والدة الإله الفائقة القداسة. * 26: عيد جامع لرئيس الملائكة جبرائيل، استفانوس المعترف، * 27: الشهيدة مطرونة التَّسالونيكيّة، النبيّ حنانيا، * 28: البارّ إيلاريون الجديد، * 29: مرقس أسقف أريثوسيون، كيرلّلس الشمّاس والَّذين معه، * 30: البارّ يوحنّا السُّلَّميّ، النبيّ يوئيل، آففولي والدة القدّيس بندلايمون، * 31: الشهيد إيباتيوس أسقف غنغرة.*

 

توبة القدّيسة مريم المصريّة

فترة الصّوم تبدأ بالغفران. الغفران مرتبطٌ بالتوبة. الأب الرّحوم غفر للاِبن الشاطر لأنّ هذا الأخير تاب عن خطيئته. نور المسيح، نور الفصح، يأتي إلينا بالصّوم، بالتوبة والغفران. "نور المسيح يُضيء للجميع".

المسيح غفر لمريم المصريّة، لا بل قدّسها، لأنّها تابت توبة صادقة. لقد انفتحت أمامها أبواب كنيسة القبر المقدّس، انفتحت أمامها أبواب الملكوت.

لقد قال الرّسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: "ليس ملكوت الله طعاماً وشراباً بل هو برّ وسلام وفرحٌ في الرّوح القدس" (رومية 14: 17). أمّا هنا، مع القدّيسة البارّة مريم المصريّة، فيقول المرنّم: "ليس ملكوت الله طعاماً وشراباً بل برّ ونسك مع قداسة". (راجع ذكصا الإينوس الأسبوع الخامس من الصّوم) هذا ما حدا القدّيسة البارّة مريم المصريّة التي غرقت بالزنى والفجور لسنوات عديدة أن تنسك وتتوب عن خطاياها سبعًا وأربعين سنة في البرّيّة. هذا لكي تُمحى خطاياها الكثيرة التي دامت سنين عديدة (راجع السنكسار).

الجهاد الرّوحيّ من خلال الصّلاة والصّوم لا يقتصر على إذكاء حياة خُلُقيّة، بل يبغي شفاء النفس الداخليّة وتحريرها من أمراض الخطيئة والأهواء.سقطات الإنسان الجسيمة تُمحى عن طريق التوبة

والاِعتراف. هذا هو باب الصحّة وفرح الملكوت. هذا يتطلّب جهاداً وسهراً ويقظة على كلّ أفكارنا الداخليّة، أن نحاسب أنفسنا حتّى على أصغر الخطايا والزلّات. من يتوب في بَداءة السقطات لن يصل إلى نهايتها. يفسّر القدّيس بالاماس مثل الزؤان الذي بُذر بين الزرع الجيّد (متّى 13: 24-30): "إنّ الله يعطي هذه الحياة العابرة كزمن للتوبة. إرادة الله أن لا يُقلع الزؤان بموت الأشرار وانفصالهم عن الأبرار لأنّ هذا، من جهة، يسبّب اقتلاع الزرع الجيّد، ومن جهة أخرى، هذا الاِقتلاع لن يسمح للأشرار بأن يعيشوا مع الأبرار العائشين بالتقوى، وأن يتحوّلوا عبر التوبة ويثبتوا في التقوى والفضيلة ويصيروا بدل الزؤان قمحاً جيّدًا".
الإنسان المستعبَد للّذّة يوجد مخلّعاً على سرير الشهوانيّة والرّاحة. بالاِعتراف، مع وَعيه حالَتَهُ الخاطئة، يغلب حالته الخاطئة وحياء النفس. هكذا ينال الشفاء من الله ويتمتّع بفرح الملكوت. هذا ما يذكّرنا بقول القدّيس إسحق السريانيّ: "من يعترف بخطاياه هو أهمّ ممّن يقيم الموتى"؛ ويقول أيضًا: "الذي يتوب عن زلّاته هو كمن ينتقل من الموت إلى الحياة".

+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

 

طروباريّة القيامة باللّحن الأوّل

إنّ الحجر لمّا خُتم من اليهود، وجسدَك الطاهر حُفِظَ من الجند، قُمتَ في اليوم الثالث أيّها المخلِّص، مانحاً العالَمَ الحياة. لذلك، قوّات السماوات هتفوا إليك يا واهبَ الحياة: المجدُ لقيامتك أيّها المسيح، ألمجدُ لملكك، المجدُ لتدبيرك يا محبَّ البشرِ وحدَك.

طروباريّة البشارة باللّحن الرّابع

اليومَ رأسُ خلاصنا، وإعلانُ السـرّ الذي منذ الدهور؛ لأنَّ ابنَ الله يصير ابنَ البتول، وجبرائيلَ بالنعمة يُبشِّر. فلذلكَ ونحن معه لنهتف نحو والدة الإله: إِفرحي أيّتها الممتلئةُ نعمةً الرّبُّ معَكِ.

القنداق باللّحن الثامن

إنّي أنا عبدُكِ يا والدةَ الإله، أكتبُ لكِ راياتِ الغَلَبة يا جُنديَّةً محامية، وأُقَدِّمُ لكِ الشُّكرَ كمُنقِذةٍ مِنَ الشَّدائد. لكنْ، بما أنَّ لكِ العِزَّةَ التي لا تُحارَب، أَعتقيني من صُنوفِ الشَّدائد، حتّى أصرُخَ إليكِ: إفرحي يا عروسًا لا عروسَ لها.

الرِّسالة
عب 2: 11-18
 
تُعظّمُ نفسي الرّبَّ
لأنَّهُ نظر إلى تواضع أمَتهِ


يا إخوةُ، إنَّ المقدِّسَ والمقدَّسينَ كُلَّهم من واحدٍ. فَلهذا السَّببِ لا يستحيي أن يدعُوَهم إخوةً قائلاً: سأُخبِرُ باسمِكَ إخوتي وأُسبِّحُكَ في الكنيسة؛ وأيضًا سأكونُ متوكّلاً عليه. وأيضًا هاءَنذا والأولادُ الذينَ أعطانيهِمُ الله. إذَنْ، إذ قد اشتركَ الأولادُ في اللَّحمِ والدَّمِ، اشتَرَك هو كذلكَ فيهما لكي يُبطِلَ بموتِه من كانَ لهُ سُلطانُ الموتِ أي إبليس، ويُعتِقَ كُلَّ الذينَ كانوا مُدَّةَ حياتِهم كُلَّها خاضعين للعبوديّة مخافةً من الموت. فإنَّهُ لم يتَّخذِ الملائكةَ قَطُّ بل إنَّما اتَّخذَ نسلَ إِبراهيم. فَمِنْ ثَمَّ كان ينبغي أن يكونَ شبيهاً بإخوته في كلِّ شيءٍ، ليكونَ رئيسَ كهنةٍ رَحيماً أميناً في ما لله حتّى يُكفِّرَ خطايا الشعب. لأنَّهُ، إذ كانَ قد تألَّم مُجرَّباً، فهُوَ قادرٌ على أن يُغيثَ المصابِين بالتجارِب.

الإنجيل
لو 1: 24-38 


في ذلك الزمان، حبلتْ أليصابات امرأةُ زخريا، فاختبأت خمسةَ أشهرٍ قائلةً: هكذا صنع بي الرب ُّ في الأيّام التي نظر إليَّ فيها ليصرِف عنّي العارَ بين الناس. وفي الشهر السادس أُرسِلَ الملاكُ جبرائيلُ من قِبَلِ الله إلى مدينة في الجليل اسمُها الناصرة، إلى عذراءَ مخطوبةٍ لرجلٍ اسمهُ يوسفُ من بيتِ داود،َ واسم العذراءِ مريم. فلمَّا دخل إليها الملاك قال: "السلامُ عليكِ أيتَّها المُنعمُ عليها، الربُّ معكِ، مباركةٌ أنتِ في النساء. فلمَّا رأتْهُ اضطربت من كلامهِ وفكَّرتْ ما عسى أنْ يكون هذا السلامُ. فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريمُ فإنَّكِ قد نلتِ نعمةً لدى الله، وها أنتِ تَحبلينَ وتلدين ابناً وتسمّينَهُ يسوع. هذا سيكون عظيماً وابنَ العليّ يُدعى، وسيُعطيهِ الربُّ الإلهُ عرشَ داودَ أبيهِ، ويملِكُ على بيتِ يعقوبَ إلى الأبد، ولا يكونُ لملكهِ انقضاءٌ. فقالت مريم للملاك: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرفُ رجلاً؟"؛ فأجاب الملاك وقال لها: إنَّ الروحَ القدس يحُلُّ عليكِ وقوَّةَ العليِّ تظلّلكِ، ولذلك فالقدُّوس المولود منكِ يُدعى ابنَ الله. وها إنَّ أليصاباتَ نسيبتَك قد حَبِلت هي أيضًا بابنٍ في شيخوختها، وهذا الشهرُ هو السادس لتلك المدعوَّةِ عاقراً، لأنَّهُ ليس أمرٌ غيرَ ممكن لدى الله. فقالت مريم: ها أنا أمَةٌ للرّبّ، فليكُن لي بحسب قولك. وانصرف الملاكُ من عندها.

في الإنجيل

الملاك "جبرائيل"، ومعنى اسمه إمّا "جبروت الله" أو "رجل الله"، هو ملاك، أي رسول الإعلان الإلهيّ. في سفر دانيال، الذي هو من الأسفار الرؤيويّة حيث للملائكة دور كبير، ينقل جبرائيل البلاغات الإلهيّة إلى دانيال (16:8ـ17؛ 21:9ـ27). ولوقا هو الكاتب الوحيد من كتبة العهد الجديد الذي اعتمد دور "جبرائيل" التبليغيّ على خطى سفر دانيال.


قام جبرائيل، أوّلاً، بالإعلان لزكريّا، الكاهن المتقدّم في العمر، مبشّرًا إيّاه بولادة ابن له من زوجته العاقر المتقدّمة في السّن، ويُسمّيه "يوحنّا". وفي الشّهر السّادس، بعد البشارة بيوحنّا، أرسل الله الملاكَ جبرائيل ليُبشّر مريم.


"إفرحي يا من نِلْتِ ملء الحظوة (لدى الله)". لقد فاقت مريمُ دانيالَ "رجلَ الحظوات" (23:9) بالحظوة التي نالتها لدى الله. "الرّبّ معكِ". إنّها من العبارات الشّائعة في روايات الدّعوة: دعوة موسى (خر 12:3)؛ دعوة جدعون (قض 12:6)؛ دعوة إرميا (8:1و19؛ 20:15).
وكانت ردّة فعل مريم الأولى، على هذا التّدخّل الإلهيّ، أنْ داخَلها اضطراب شديد، وتساءلت في أعماقها عمّا هو معنى هذا السّلام. لم يكن اضطراب مريم ناتجًا عن ظهور ملاك لها، بل عن مضمون التّحيّة التي حيّاها بها.


وجاء سريعًا الإعلان الإلهيّ:
"ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمّينه يسوع.
سيكون عظيمًا وابن العليّ يُدعى.
ويُوليه الرّبُّ الإله عرشَ داود أبيه،
ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد؛ ولن يكون لمُلكه نهاية".


"يسوع" هي الصيغة المعرّبة للإسم العبريّ "يشوع"، الذي هو اختصار لـ "يهو شاع" أي "يهوه يخلّص". الإسم يدلّ على الوظيفة والمهمّة الإلهيّة المكلّف بها حامِلُه. إنّه "ماشيحا= المسيح"، الملك المتتظَر من نسل داود، الذي سيحمل الخلاص لشعب الله ويوطّد مملكة الله الأبديّة (أش 6:9ـ7).


إنّ يسوع، الذي ستلده العذراء مريم، التي "لا تعرف رجلاً"، ومِن دون أن يكون ابنًا بحسب الجسد لرجلها يوسف، سيكون "ابنَ داود" ببنوّته ليوسف بحسب الشّريعة يومَ يُختَنُ في اليوم الثّامن حاملًا اسم "يسوع بن يوسف".


و"يسوع"، الـ "يهوه يُخلّص"، لن يكون فقط "المسيحَ الآتيَ"، بل سيكون أيضًا "يهوه الآتي". ففي العهد القديم توقّعات ليس لمجيء "المسيح الملك المخلّص" فحسب، بل ولمجيء "يهوه" لإقامة عالم جديد: " هاءَنَذا أرسل ملاكي فيهيّئ الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السّيّدُ الذي تطلبونه وملاكُ العهد الذي تسرّون به؛ هوذا يأتي قال ربّ الجّنود* 2  ومن يحتمل يوم مجيئه؟ ومن يثبت عند ظهوره؟" (ملاحي 3). و "إفرحي يا بنت صهيون ... في وسطك الرّبُّ إلهكِ" (صفنيا 14:3ـ17). وهذا ما عبّر عنه لوقا في قول الملاك: "الرّوح القدس يحلّ عليك، و قوّة العليّ تظلّلك؛ فلذلك أيضًا القدّوس المولود منك يُدْعَى ابنَ الله".

الإيمانُ مسيرةٌ نحو اللّه

في هذا الأحد المبارك يبدأ الأسبوع الأخير من الصّوم الأربعينيّ، قبل أن ندخل الأسبوع العظيم، أسبوع الجهادات العظيم، الّذي فيه تكتمل كلّ مسيرة هذا الصّوم بتحوّل الموت إلى قيامة.


آحاد الصّوم هي مسيرة تصاعديّة، تدرّج روحيّ للوصول إلى معاينة الله في نور قيامة المسيح من بين الأموات. الأحدان الأوّلان، أحد الأرثوذكسيّة وأحد غريغوريوس بالاماس، يمثّلان خبرة الإيمان الحيّ المستقيم، الّذي عليه يقوم كلّ ارتقاء روحيّ حقيقيّ نحو الإله الحيّ الّذي نؤمن به. الأحدان الأخيران من الصّوم الأربعينيّ، أحد يوحنّا السلّميّ وأحد مريم المصريّة، يمثّلان خبرة التوبة والجهاد الرّوحيّ لبلوغ الحياة الكاملة في المسيح. وفي وسط هذا الصّوم المقدّس، تمرّ خبرة الإيمان وخبرة النسك بخبرة الصليب، الّذي يمثّل خبرة الإيمان الحيّ بابن الله وخبرة تسليم مشيئتنا له. يمثّل الصليب صلة بين العقيدة والحياة، لأنّه حقّق غلبة المسيح على الخطيئة والشيطان والموت، وكشف حاجة الإنسان لصليب المسيح. أصلح المسيح عصيان الإنسان الأوّل بالطاعة حتّى الموت، موت الصليب. فأصبح هذا الصليب الرّابط الّذي لا ينفكّ بين الإيمان المستقيم والحياة المستقيمة. أمّا الأسبوع العظيم فهو تتويج لهذه المسيرة التصاعديّة، حيث النهاية تصير بَداءَةً، في ولادة جديدة روحيّة، حين تتحقّق فينا خبرة الموت والقيامة، الغلبة مع المسيح.


مسيرة الإنسان التصاعديّة نحو الله هي، أوّلاً، مسيرة إيمان. لكنّ الإيمان يحتاج إلى أعمال نسك جدّيّة؛ الإيمان يحتاج إلى أعمال، والأعمال لا يمكن أن تصير صالحة وكاملة من دون نسك يطهّرها من أهواء محبّة الذات الفاسدة. كما يحتاج الجسد إلى الخبز هكذا تحتاج الأعمال إلى جهادات نسكيّة. لهذا نقول إنّ الإيمان الحيّ يحتاج إلى نسك. هذا النسك نعبّر عنه بهذه الأصوام المباركة والصلوات الطويلة والأسهار والأتعاب المختلفة. هذه هي الوسيلة التي تمنح النفس أن تُسلّم، بالإيمان، مشيئتها لله وتحيا فيه. النسك هو غذاء الإيمان الحقيقيّ، لأجل أن يصير كاملاً، لا مجرّدًا نظريًّا. الإيمان من دون حياة نسك يموت حتمًا، أوّلاً في عقلانيّته ومنطقه المحدود، وثانيًا، بفعل الأهواء، يتّجه إلى ذاته لا إلى الله. يقول القدّيس إسحق السريانيّ: "إنّ تحمُّل الضيق، طوعًا وبمحبّةٍ، يُبرز صدق الإيمان، أمّا عمل الرّاحة فيصير بالضمير الفاسد. لقد امتُحنَتْ محبّة القدّيسين بالضيقات لا بالرّاحة، لأنّ العمل الصائر بدون تعبٍ هو فضيلة أهل الدنيا الّذين يعملون الإحسان ظاهريًّا ولا ينتفعون منه شيئًا".


بالإيمان أسلم القدّيسون أنفسهم لله وبالنسك طهّروا مشيئتهم، فقمعوا أجسادهم وأخضعوها لوصاياه. يُشير القدّيس هيلاريون بواتييه إلى أنّ النفس القلقة لا تجد راحتها إلّا في تسليم الإيمان، وهذا ما يدفعها للشهادة، بدون خوف، لإيمانها الحيّ.
الإيمان الحيّ وحده يربط المخلوق بخالقه. هذا الإيمان ليس قناعة خارجيّة في الإنسان، إنّما يعمل فيه من الداخل ويوجّه قوى النفس لتصل إلى معرفة لله يقينيّة. شدّد المسيح في تعليمه على عمل الإيمان؛ وظهر هذا التشديد حين ألحّ في السؤال، في حادثة النازفة الدمّ: مَن لَمَسني؟ وذلك ليقول إنّنا لا نستطيع لمسه حقيقة إلّا بالإيمان. كثيرون لمسوه كإنسان لكنّ واحدة لمسته كإله (القدّيس أفرام).


وهذه كانت حالَ العذراء مريم، في بشارتها من الملاك، الّذي أنبأها بحلول ملء الزمان؛ لمست عقليًّا الطفل الحالّ فيها كإله، أو، على الأقلّ، لا كإنسان عاديّ. إنّ تسليم مريمَ الفوريّ هذا لمشيئة الله، بعد سؤالها الملاك، كشف قوّة الإيمان الّذي كانت تحيا عليه. وقوّة إيمانها أظهرت طريقة حياتها النسكيّة، لأنّ قوّة الإيمان تظهر في قبول مشيئة الله باتّضاع وبتسليم ذات دون خوف أو تردّد. ولعلّ الله أراد هذا العيد أن يقع وسط الصّوم الكبير لأنّه حقًّا يعبّر عمّا يهدف إليه الصّوم: تطهير مشيئة الإنسان الذاتيّة، عبر بلوغ أقصى التواضع، لكن، أيضًا، بلوغ أقصى درجات الإيمان.


لهذا كان إيمان مريم سرًّا أمات جحود حوّاء، حين قبلت أن يأتي منها سرّ تدبير الخلاص. بفعل إيمان مريم أتى المسيح واختفى آدم؛ استعيدت بنوّة الكنيسة عوض نفي الفردوس، وبشارة الملاك أبطلت تجربة الحيّة، وأُعطيت الحياة الأبديّة عوض الموت والهلاك الأبديّ.
هذا الإيمان الّذي نتكلّم عليه لا يمكن أن يكون مبعثرًا لأنّه واحد ومقدّس. في الأرثوذكسيّة لا يوجد إيمان مجرّد، إيمان غير محدّد بعقائد وقوانين. إيماننا بالله يصعد على درجات هذه العقائد المحدّدة والمقدّسة. يعبّر القدّيس أبيفانيوس القبرصيّ، في كتابه "المرساة"، عن مفهوم الإيمان القويم، أنّه كمرساة يحتاجها الإنسان في رحلته عبر بحر هذه الحياة، المملوءة بالتجارب والضلالات والشّياطين والهرطقات.
مسيرة الإيمان الحقيقيّ ليست فقط من الإنسان؛ كمال الإيمان عطيّة من الله. يتكلّم القدّيس كيرلّس الأورشليميّ، في تعليمه، على درجتين في الإيمان: "الإيمان العقائديّ"، ويتعلّق بموافقة النفس، وهو وسيلة لتربح هذه النفس إيمانًا آخر هو "عطيّة النعمة، وهبة المسيح". هذا الإيمان هو أسمى من تحليلات المنطق البشريّ، لأنّه يُنير النفس من الداخل ويؤهّلها لتأمّل الله ومكافآت الدهر الآتي.
المسيحيّون يملكون سرّ المسيح، ليس بالبراهين المنطقيّة بل بقوّة الإيمان المستقيم. لهذا، الكنيسة الحيّة، الأمينة لوصيّة مسيحها، تغرس في قلوب أبنائها عِشق المسيح في محبّة الإيمان الأرثوذكسيّ المستقيم، وفي الهذيذ بكلمة الله والصلاة الداخليّة، وفي التعب الرّوحيّ لأجله. إنّ مسيحنا ليس مسيح مؤسّسات، بل مسيحُ الآب الأزليّ.

أخبــارنــا
 
 قدّاس الشعانين في رعيّة أميون غربيّ

تحتفل كنائس الأبرشيّة بعيد الشعانين المقدّس صباح الأحد الواقع فيه 1 نيسان 2018. ويترأّس راعي الأبرشيّة قدّاس أحد الشّعانين في رعيّة القدّيس جاورجيوس- أميون. تبدأ صلاة السَّحَر الساعة الثامنة والنصف صباحاً.

مسابقة دينيّة في رعيّة الميناء
يسرّ فرع الميناء لحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة دعوتكم للمشاركة في مسابقة دينيّة بعنوان "النهضة: إيمان وحياة" (قراءة في فكر كوستي بندلي).
هدف المسابقة تحفيز شبيبة الكنيسة على اقتناء ثقافة أرثوذكسيّة عبر اتّصالهم بمفكّرين أرثوذكسيّين نهضويّين ومعاصرين عالجوا إشكاليّات تمسّ حياتنا وتخاطب إيماننا.
تصلكم التفاصيل لاحقاً.

 

 













 



Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies