الأحد 22 تشرين الثاني 2020


الأحد 22 تشرين الثاني 2020      
العدد 47
 
الأحد 24 بعد العنصرة  
 
اللَّحن السابع  الإيوثينا الثانية
 
* 22: الرَّسول فيليمن، الشَّهيدة كيكيليا، البارّ يعقوب تْساليكي الّذي في جزيرة آفيا، * 23: أمفيلوخيوس أسقف إيقونية، غريغوريوس أسقف أكراغندينون، * 24: الشَّهيدان كليمنضوس بابا رومية، بطرس بطريرك الإسكندريّة،
* 25: وداع عيد الدخول، كاترينا عروس المسيح، الشَّهيد مركوريوس، * 26: أليبيوس العامودي ونيكن المستتيب، أكاكيوس، ستيليانوس، * 27: الشَّهيد يعقوب الفارسيّ المقطّع، * 28: الشَّهيد استفانوس الجديد، الشَّهيد إيرينَرخُس. 
 
 
الحلال والحرام 
يتساءل العديدُ مِن المؤمنين حول بعض الممارسات، هل هي "حلال أم حرام". من هذه الممارسات، مثلاً، أعمال الرحمة والصدقات.
 
ليس مِن مبدأ لقياس الممارساتِ المذكورة سوى "المحبّة". المحبّة هي الشريعة الوحيدة التي تحكم الانسان. النموّ في المحبّة يُحدّد لنا كيف يجب أن نتصرّف أو نتعامل مع الأشخاص أو الأشياء.
 
ولعلَّ خيرَ جوابٍ يقدمُه الإيمانُ المسيحيّ على هذه التساؤلات قَولُ بولس الرسول: "كُلُّ الأَشياءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ ليسَ كُلُّ الأشياءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأشياءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لا يَتسلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ."(1 كورنثوس 12:6).
 
الانسان المسيحيّ يحيا في هذا العالم، لكنْ كأنّه ليس من هذا العالم. 
 
إنّه يستخدم هذا العالم ليصل إلى الملكوت. لذلك كلّ شيء يحقّ للمسيحيّ أن يعمله إن كان يوافق إيمانه، إن كان يساعده على النموّ في هذا الإيمان، إن كان يساعده أن يحقّق الملكوت على الأرض. 
 
إن كانت هذه الأشياء التي تحلُّ له تعيق مسيرته نحو الملكوت، فعند ذلك يجب عليه ألّا يفعلها. ومن جهةٍ ثانية، عليه ألّا يدعَ الأفعالَ التي يقومُ بها تتسلّطُ عليه، حتّى ولو كانت (حلالاً)، لأنّها تنقله من مرتبة سيّد إلى مرتبة عبد، والانسان المسيحيّ هو سيّد نفسه بيسوع المسيح.
قد أقوم ببعض الأعمال الجيّدة والصالحة، ويكون هدفي منها المجد الشخصيّ وحبّ الظهور، فهذه تعود عليّ بالسوء. وخيرٌ منها تلك الأعمال الجيّدة الصغيرة التي أقومُ بها بشكلٍ غير معروف، لأنّها تعود عليّ بالمنافع الكبيرة.
 
 إذاً المبدأ (الحلال والحرام) هو النموّ الروحيّ. المبدأ (الحلال والحرام) هو أن أمحّص كلّ ما أفعله على ضوء الانجيل ويسوع المسيح، إن كان هذا الشيء يخدم الحياة الروحيّة فهو حلال، وإن كان لا يخدم فهو حرام.
 
كلّما نما الانسان روحيّاً وصار جهاده الروحيّ أقوى وخبرته أعمق يستطيع أن يرى كيف توافق الأشياء مسيرته الروحيّة وكيف يفعل الأشياء بدون أن تتسلّط عليه.
 
الأكل هو حلال، لكنّ الشراهة حرام، لذلك يحقّ لي أن آكل كلّ شيء، لكنْ لا يوافقني كمسيحيّ أن أكون شرهاً.
 قد لا نجدُ في المسيحيّة تحديدًا دقيقًا أو إجاباتٍ عن بعض المسائل التفصيليّة: 
 
هل يجوز أن أشاهد التلفاز أم لا؟ 
هل يجوز أن نذهب إلى السينما أم لا؟ 
هل يجوز أن نلبس لباس البحر ونذهب إلى الشاطئ أم لا؟
 
كلّ هذه الأمور جوابها: كلُّ هذه الأشياء تحلّ لك، ولكن عليكَ أن تكون حكيمًا وصادقًا مع نفسِكَ لتحكمَ إن كانت توافقُ نموَّك الروحيّ أم لا توافقه؛ وإنْ كانت تتسلّط عليك وتُخضِعُك لقوانينِها أم لا.
 
طروباريّة القيامة باللّحن السابع
 
حطمت بصليبك الموتَ وفتحتَ للّص الفردوس، وحوَّلتَ نوحَ حاملاتِ الطيب، وأمرتَ رسلكَ أن يكرزوا بأنّكَ قد قمتَ أيّها المسيح الإله، مانحاً العالم الرحمةَ العظمى. 
 
طروبارية دخول السيدة إلى الهيكل باللّحن الرابع
 
اليومَ العذراءُ التي هي مقدَّمة مسرَّة الله وابتداءُ الكرازة بخلاص البشر، قد ظهرتْ في هيكل الله علانية، وسبقتْ مبشِّرةً للجميع بالمسيح. فلنهتفْ نحوها بصوتٍ عظيم قائلين: إفرحي يا كمالَ تدبير الخالق.
 
قنداق دخول السيدة إلى الهيكل باللّحن الرابع
 
إنّ الهيكل الكلّي النَّقاوة، هيكل المخلّص، البتولَ الخِدْرَ الجزيلَ الثَّمن، والكَنْزَ الطاهرَ لِمجدِ الله، اليومَ تَدْخُلُ إلى بيتِ الرَّبِ، وتُدخِلُ معَها النِّعمةَ التي بالرّوح الإلهيّ. فَلْتسَبِّحْها ملائكة الله، لأنّها هي المِظلَّةُ السَّماوية.
 
الرِّسَالة 
أف 2: 14-22 
 
الربُّ يُعطي قوَّةً لشعبِه  قدّموا للربِّ يا أبناءَ الله 
 
يا إخوةُ، إنَّ المسيحَ هو سلامُنا، هو جعلَ الإثنينِ واحداً، ونقَضَ في جَسدِه حائطَ السِياجِ الحاجزَ أي العداوة، وأبطلَ ناموسَ الوصايا في فرائِضِه ليخلُقَ الاِثنينِ في نفسِهِ إنساناً واحِداً جديداً بإجرائِه السلام، ويُصالِحَ كلَيْهما في جَسدٍ واحدٍ معَ الله في الصليبِ بقَتلهِ العداوةَ في نفسِه، فجاءَ وبشَّركم بالسلامِ البعيدِينَ منكُم والقريبين. لأنَّ بهِ لنا كِلَينا التوصُّلَ إلى الآبِ في روحٍ واحد. فلستُم غرباءَ بعدُ ونُزلاءَ بل مواطِنو القدّيسينَ وأهلُ بيت الله. وقد بُنيتم على أساسِ الرسل والأنبياء. وحجرُ الزاويةِ هو يسوعُ المسيح نفسُهُ الذي بِه يُنسَقُ البُنيان كُلُّهُ، فينمو هيكَلاً مقدَّساً في الرب، وفيهِ أنتم أيضًا تُبنَونَ معًا مَسِكنًا للهِ في الروح.
 
الإنجيل
لو 12: 16-21 (لوقا 9)
 
قال الربُّ هذا المثل: إنسانٌ غَنيٌّ أخصبَتْ أرضُهُ، فَفكَّر في نفسهِ قائلاً: ماذا أصنع. فإنَّه ليسَ لي موضِعٌ أخْزنُ فيه أثماري. ثمَّ قال: أصنعُ هذا، أهْدِمُ أهرائي وأبني أكبَرَ منها، وأجمَعُ هناكَ كلَّ غلاّتي وخيراتي، وأقولُ لنِفسي: يا نفسُ، إنَّ لكِ خيراتٍ كثيرةً، موضوعةً لسنينَ كثيرةٍ فاستريحي وكُلي واشربي وافرحي. فقال له الله: يا جاهِلُ، في هذه الليلةِ تُطلَبُ نَفْسُكَ منكَ، فهذه التي أعدَدتها لِمنْ تَكون؟ فهكذا مَنْ يدَّخِر لِنفسِهِ ولا يستغني باللهِ. ولمَّا قالَ هذا نادى: مَنْ لَهُ أُذنانِ للسمْع فَلْيسْمَعْ.
 
في الإنجيل
 
للفصلِ الثّاني عشر من الإنجيل بحسب لوقا طابعٌ إسخاتولوجيٌّ في عمقه.
 
فموضوع الموتٍ يكمن في صلبِ قراءةِ اليوم؛ فهو المعيار الذي يجدر على الانسان أن يأخذه في الحسبان عندما يفكّر بما يخصُّ نفسه. يطرح يسوع مثل الغنيّ الغبيّ بعدما نبَّه في الآيةِ 15 أن "انتبهوا وتحفَّظوا مِن كُلِّ طمعٍ، لأنَّ حياة الانسان ليست بكثرةِ مقتنياته".
 
يبدأُ الطَّمعُ والجشعُ مِن الفكرِ؛ لذلك نقرأ أنَّ الغنيَّ فكَّر في نفسه διελογίζετο. 
 
يحاول السيّد إيصال فكرة عدمِ القنيةِ كمبدأٍ أوَّليٍّ. فهذا تدريبٌ عقليٌّ وقلبيٌّ المرادُ مِنه إبعادُ الإنسانِ عن اشتهاءِ الغنى المادّي واستبداله باشتهاءِ الغنى الإلهيّ. نقرأ في سفرِ الخروج: "لا تشتهِ بيتَ غيرِكَ... ولا شيءَ مِمّا لهُ" (خر 20: 17). 
 
يشملُ الطَّمَعُ الآخَرَ، الأخ الإنسان، فهو يؤثِّرُ بمحيطِ الطمّاعِ سلبيّاً بشكلٍ أو بآخَر.
 
ربّما في هذا المثل لم يكن الغنيّ طامعاً بثرواتِ غيره، إذ كانَ مكتفياً ذاتيّا، وكان الربّ مباركاً أرضهُ، وكانت تثمِرُ. 
 
إنّها ليست بفكرة سيّئة من الناحية العمليّة أن يهدم المرء أهراءاته وأن يبني أكبر منها لتسع غلَّته إذ يضيق بها المكان. 
 
ولكن ما هو سلبيٌّ في الموضوع هو أنَّ الغنيَّ فكَّر بالتَّرف والاسترخاء.
 
 هذا ما يدعو إلى البطالة وعدم تفعيل الوزنات التي أعطاه إيّاها الله من جهة، وعدم اهتمامه بأخيه الانسان من جهةٍ أخرى، لأنَّه فكَّر في نفسه فقط، وهذا يعني أنَّه ألغى إغاثة الآخرين من فكره، فأضحى أنانيّاً.
 
ففي الفصل الثاني عشر بحدِّ ذاته والآية 33، يدعو المسيح الجموع أن يتصدَّقوا، أي أن يصنعوا الاحسانَ مع الآخرين: ’’بيعوا ما تملكون وتصدَّقوا بثمنه على الفقراء، واقتنوا أموالاً لا تبلى، وكنزاً في السّماواتِ لا ينفذ‘‘. 
 
أوليس هذا ما يقوله يسوع في نهاية هذا المثل في الآيتين 20 و21؟ "يا غبيّ، في هذه الليلةِ تُستردُّ نفسك منك. فهذا الذي أعددته لمن يكون؟ هذا يكون مصير مَن يجمع لنفسه ولا يغنى بالله". 
 
فإذا كان الجشعُ شهوةً جذورها في الفكر، أي القلبφρήν ، هكذا أيضاً فعدمُ القنيةِ يبدأ في القلب. ففي الآيةِ 34 يقول يسوع: ’’حيثُ يكونُ كنزكم، يكونُ قلبكم‘‘. 
 
فمن أرادَ اللهَ جعل نفسَه وفكرَه وقلبَه تلهج بالله؛ ’’أطلبوا ملكوت الله‘‘ (لو 12: 31)، ومَن يطلب الغِنى الماديّ يكونُ غبيّاً، والكلمة التي يستعملها النصّ هي ἄφρων، أي الشَّخص الذي يعوزه أو ينقصه القلب والعقل. 
 
فالغبيّ هو الذي لا يفكِّرُ بنهاياته ويهيّئها لاستقبال المسيح. 
 
هذا الاستقبال يتمُّ مُسبقاً في النفس التي تريدُ أن تغتني بالله.
 
لهذا فالطابع الاسخاتولوجيّ والرسالة النهائيّة التي يريدُ السيّدُ إيصالها هي أن يتذكَّر الانسان أنَّه سوف يموتُ يوماً، والموتُ أقربُ منه من ذاته. 
 
فالأجدرُ بالإنسانِ أن يبقي ذهنه في طلب الله والامتلاء منه حتّى الاستفاضةِ وألّا يلتهي بتخزين الأموال، بل إذا كان غنيّاً، ألّا يكون أنانيّاً. 
 
ونحنُ في بدءِ الأسبوع الثاني من الصوم الميلاديّ، ألا يذكِّرُنا هذا بإنجيل الدّينونةِ الذي يُقرأ في زمن التريودي في أحدِ مرفع اللحم حينما يوصينا الله أن نساعد إخوتنا الصغار لكي نصير مستحقّين أن نُحصى مع خرافِ اليمينِ في ملكوت السماوات؟
 
دخول السيّدة إلى الهيكل 
 
لم يكن غريبًا عن تقاليد الشعب العبرانيّ أن يأتي أهل بأولادهم إلى الهيكل، كعلامة لتكريسهم لله؛ لا بل وأن يُعطوهم بالكليّة للربّ كلّ أيام حياتهم، كما فعلت حنّة النبيّة بابنها صموئيل. 
 
لكن أن يُدخل بالأولاد إلى قدس الأقداس فهذا لم يكن أمرًا مألوفًا، كحدث دخول العذراء مريم إلى الهيكل وهي صغيرة. 
 
وإن تساءل أحد عن الغاية من حدث غريب كهذا، فإنّ جواب الكنيسة هو أن تتهيّأ كعروس كليّة النقاوة للمسيح. يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس، الّذي كتب عظة في دخول العذراء مريم إلى الهيكل، إنّ الهدف أن تتهيّأ للمسيح بالصلاة الهدوئيّة وسماع كلمة الله. 
 
ماذا يعني أن تتهيّأ مريم؟ شدّد آباء الكنيسة على كون مريم من دون خطيئة شخصيّة، لكنّها تعيش نتائج السقوط ككلّ إنسان آخر. 
 
خطيئتها الوحيدة، إن صحّ التعبير، تكمن في أنّها ما زالت تحت ظلّ ناموس ما قبل النعمة، الّذي نعته الرسول بولس بأنّه ناموس جسدانيّ، لا روحيّ. لهذا، كون مريم من دون خطيئة شخصيّة، لم يكن كافيًا ليجعل أحشاءها قادرة على تجسّد ابن الله الخالق فيها. 
 
ممّا لا شكّ فيه أنّ الله وجد مريم الفتاة الأكثر طهارة والأوفر كمالاً في كلّ البشريّة. 
 
لكن رغم كلّ هذه النقاوة والطهارة الممكنة في كائن بشريّ ما زال تحت ناموس جسدانيّ، كان لا بدّ لمريم لتستطيع قبول ابن الله في أحشائها أن يتمّ فيها أمران: 
 
أن تُحفظ وتنمو في طهارة الأفكار ونقاوة القلب، وهذا عمل النعمة؛ لهذا وَرَدَ في قنداق عيد دخولها أنّ مريم أدخلت النعمة بدخولها إلى هيكل الله. 
 
ثانيًا، أن تمتلئ من نعمة الروح القدس، كما يقول الإنجيل، لتختم على قداسة طهارتها وكمال نقاوتها وتجعلها قادرة على قبول ابن الله في أحشائها. 
 
لهذا كان لا بدّ من أن تُحفظ مريم في مكان مقدّس كهذا، وكان لا بدّ من طريقة الحياة هذه، التي كانت، بسابق معرفة الله، شهوة قلبها، لتنمو فيها هذه النقاوة المطلوبة من امرأة لتصير أمًّا ووالدة للإله الّذي لا يمكن لعقل بشريّ تصوّر مقدار نقاوته. 
 
 وكان لا بدّ من أن يحلّ عليها الروح القدس بهذا الملء وتظلّلها قوّة العليّ. هذا كان معموديّتها الحقيقيّة لتجديد قواها الروحيّة التي تؤهّلها لأن يتّحد بها ابن الله من دون أن تحترق أحشاؤها. 
 
الله نار آكلة، كما يقول الكتاب، فكيف يمكن لأحشاء غير مكتملة النقاوة أن تحمل الإله من دون أن تحترق. 
 
تمامًا، كما تطلب هذه النقاوة من كلّ مسيحيّ، بمقدار استطاعته، قبل اتّحاده بالمسيح، عبر تناوله جسده ودمه الإلهيّين. ويمنح الله هذه النقاوة العظيمة المافوق بشريّة، لأولئك الّذين غلبوا الخطيئة في داخلهم، بمقدار نموّهم في التواضع والمحبّة. ولأولئك الّذين ما زالوا خاضعين لناموس الخطيئة، بمقدار توبة اعترافهم وبكائهم على خطاياهم. ومريم كانت من الأوّلين.
 
هكذا اختار الله مريم، ليس بطريقة عشوائيّة، إنّما لأنّه كليّ المعرفة، يعلم النوايا وإرادة القلب. 
 
فدبّر دخولها قدس الأقداس. هناك حيث أعطت العذراء مريم ذهنها وقلبها وإرادتها ووجودها بالكليّة لله. 
 
في صمت قدس الأقداس كانت العذراء تُقدّم عبادة حيّة ومستمرّة لله. 
 
لقد كان ينبغي أن تُعتق من كل الاهتمامات الأرضيّة وتشتّت الذهن عبر الحواس وأشياء هذا العالم المخلوقة، لكي تستطيع أن تعيش هذه الخبرة الهدوئيّة، وتبلغ في صمت قدس الأقداس، إلى مثل هذه النقاوة والنضوج الروحيّ في النفس والجسد، التي استحقّت أن يتّحد الإله بالبشر من خلالها. 
 
فالهدوئيّة الحقيقيّة لا بدّ منها لكي يستطيع ذهن الإنسان أن يتّحد بذهن الله، ويصير واحدًا معه في مثاله الإلهيّ ذاته. 
 
واشتياق الإنسان إلى الله ليس مستطاعًا من دون حياة نسكيّة صارمة وصلاة هدوئيّة لا تعرف الملل. هكذا قدّمت العذراء مريم، كبشر، طاعة مُطلقة لله، كالمسيح الإله، في طاعته للآب. حقّقت مريم كمال التواضع الّذي يمكن أن يبلغه بشر، حين قدّمت عذريّتها للمسيح، بالنفس والجسد، واستطاعت بجهادها وفضيلتها أن يصير ابن الله ابنها وواحدًا معها.
 
 هذا ما دفع الكنيسة لتنشد للعذراء هذه الترنيمة الرائعة: "إنّ جبرائيل إذ اعتراه الذهول من بهاء عذريّتك وفائق لمعان طهارتك...". 
 
بهاء عذريّة مريم وفائق لمعان طهارتها، إنّما هما ثمرة الصلاة الهدوئيّة، ودليل بلوغ الإنسان إلى العشق الإلهيّ وسكنه الدائم في المحبّة التي للثالوث القدّوس، المكمِّلة لكلّ قداسة.
 
كلّ هذا اللاهوت الأرثوذكسيّ يُعاكس الفكر الكاثوليكيّ الّذي أفقد مريم كلّ قيمة لجهادها الروحيّ حين اخترع فكرة الحبل بلا دنس المسيئة لدورها في عمل الخلاص، وعزلها عن شقاء إنسانيّتنا وحاجتها للجهاد الروحيّ، وضرورة تآزر إرادتها مع نعمة الله. 
 
كما يُعاكس الفكر البروتستانتيّ الفاسد، الّذي يعتبر مريم أداة فقط أو قناة عبر منها ابن الله دون أن يكون لجهادها الشخصيّ أيّة قيمة في عمل الخلاص. 
 
هذان الفكران يُشكّلان تشويهًا لكلّ سرّ تدبير الله للبشر، ولإرادة البشريّة الحرّة في قبول تجسّد ابن الله. 
 
وإلّا لماذا احتاج الله، بعد سقوط الإنسان الأوّل، انتظار كلّ هذا الزمان ليتجسّد على الأرض. 
 
فملء الزمان، الّذي تكلّم عنه بولس الرسول حان حين أصبح هناك إنسان كمريم قادر من خلاله أن يتجسّد ابن الله الوحيد ويُحقّق خلاص العالم. 
 
وكما يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس، أنّ فائق طهارة الفتاة مريم "أجبر الله، الّذي لا يُجبر على شيء"، أن يأتي ويتجسّد في أحشائها1.
 
هكذا أصبحت والدة الإله نموذجًا حيًّا لكلّ المسيحيّين السالكين في الحقّ، خاصّة الرهبان الأرثوذكسيّين الهدوئيّين الّذين جعلوا خبرة هذا العيد مثالاً لحياتهم. 
 
أولئك الّذين خرجوا من العالم وهم يرجون شيئًا واحدًا، تطهير القلب الداخليّ، والدخول في خبرة الحياة الهدوئيّة، التي كانت مريم أوّل المختبرين لها، خبرة الاتّحاد بابن الله. 
 
كثيرون يسعون إلى الكمال الأخلاقيّ، وهذه ليست المسيحيّة. 
 
المسيحيّة الحقيقيّة تكمن في وصول الإنسان إلى الكمال الروحيّ، الّذي يسبقه السيطرة التامّة على الأهواء وبلوغ اللاهوى؛ وهذا يحتاج إلى الخبرة الهدوئيّة الأرثوذكسيّة. 
 
هذه الخبرة الهدوئيّة التي عاشتها مريم مستمرّة في الرهبنة الأرثوذكسيّة. بحسب آبائنا القدّيسين، الراهب المجاهد يعي أنّ كلّ فكر يُخرج ذهنه من الدير إلى العالم، هذا الفكر يُشتّت هدوءه ونقاوة صلاته وسلام أفكاره.
 
لقد كانت مريم تتهيّأ لتصير والدة الإله؛ ففي أحشائها التقت طبيعتان متناقضتان، إلهيّة وبشريّة، واتّحدتا في أقنوم ابن الله الإلهيّ ذاته. 
 
فكم كان على الطبيعة البشريّة أن تُجاهد لتستحقّ اتّحادها بطبيعة الله.
 
1 48, ΕΠΕ. 11, 324.



 
 



Copyright 2012 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies - www.archtripoli.org