الكرمة - الأحد 12 كانون الثّانـي 2020


الأحد 12 كانون الثّانـي 2020
العدد 2
الأحد بعد الظّهور
اللَّحن الخامس الإيوثينا الثامنة
 
* 12 : الشهيدتان تتياني وآفستاسيَّا، فيلوثاوس الإنطاكي، * 13: الشهيدان أرميلس واستراتونيكس، مكسيموس (كَفُسُوكاليفيا)، * 14: وداع عيد الظهور، الآباء المقتولون في سيناء وريثو، * 15: البارَّان بولس الثيبي ويوحنَّا الكوخي، * 16: السجود لسلسلة بطرس المكرمة، الشَّهيد دمسكينوس، * 17: القدّيس أنطونيوس الكبير معلّم البريّة، الشهيد جاورجيوس الجديد (ايوانينا)، * 18: أثناسيوس وكيرللس رئيسا أساقفة الإسكندريّة.
 
 
"صوت صارخ في البريّة"
 
يتّفق الإنجيليّون الأربعة على أنّ القدّيس يوحنّا المعمدان كان هو الصوت الصارخ الذي تنبّأ عنه إشعيا النبيّ (٤٠: ٣). وبحسب الرسولين متّى ويوحنّا، كان المعمدان نفسه من أعلن أنّ نبوءة إشعيا تتحقّق.
 
ترد النبوءة في سفر إشعيا الإصحاح ٤٠، الذي يبشّر بتعزية أورشليم. وسياقها مهمّ جدًا لفهم الرسالة التي أراد المعمدان إيصالها بتأكيده أنّ النبوءة تتحقّق. سبق إشعيا النبيّ أن أخبر الملك حزقيّا بأنّ شعبه سيُسبى إلى بابل ويُستعبد هناك (٣٩: ٦-٧)، وبعد ذلك بشّر بافتقاد الله لأورشليم وصفحه عن آثامها (٤٠: ٢)، ومجيئه إليها لخلاصها (٤٠: ٥. ٩-١٠).
 
فأخبر عن الصوت الصارخ في البريّة تهيئةً لطريق الربّ (٤٠: ٣). وإشارة المعمدان إلى تحقُّق هذه النبوءة ينسجم مع فحوى الرسالة التي حملها، وهي أنّه أتى أمام الإله الذي أقبل كي ”يخلّص شعبه من خطاياهم“. تحمل إشارة المعمدان إلى النبوءة عن الصوت الصارخ إعلانه لأورشليم، ولكلّ الشعوب على مدى الأجيال، أنّ الله افتقد شعبه، وتنبسط يده ليشير بإصبعه ويدلّنا على يسوع ربّ المجد قائلاً: "هوذا إلهكم" (إشعيا ٤٠: ٩).
 
أمّا بالنسبة إلى فحوى النبوءة عن الصوت الصارخ، فتجدر الإشارة إلى أنّ قراءة النصّ الماسوريتيّ اللاحق تختلف عن الترجمة السبعينيّة التي اعتمد قراءتها الإنجيليّون الأربعة. بحسب الترجمة السبعينيّة ترد شبه الجملة "في البريّة" كمقيّد نحويّ يتبع كلمة "صوت"، فيكون المعنى "صوت صارخ في البريّة". بينما تنتمي شبه الجملة في النصّ الماسوريتيّ إلى فحوى القول، أي "في البريّة أعدّوا طريق الربّ".
 
مهما يكن الأمر، الثابت هو أنّ ما تنبّأ عنه إشعيا عن مجيء إلهنا إلى شعبه قد تحقّق. وأينما كان موقع لفظة "البريّة" في صياغة الجملة، يبقى معناها اللاهوتيّ دون تشويش، كما أراده إشعيا النبيّ.
 
ما هو، إذًا، مدلول "البريّة" الذي شدّد عليه إشعيا النبيّ؟
للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتذكّر أنّه في البريـّة نشأ العهد بين الله وشعبه، فصار وعد الله لهم، وتعلّموا الحياة بحسب ناموس العهد.
 
لقد طبعت حياة البرّيّة الخبرة الروحيّ’ عند اليهود. لذا، تتعدّى الصحراء تحديدها الجغرافيّ لتحمل معنى لاهوتيًّا. هي طريقة عيش العهد بين الله وشعبه. إنّها الخلاء الذي لا يجد فيه الإنسان معينًا له سوى الله.
 
يأكل من القوت الذي يعطيه الله، ويشرب من مائه ويستدفئ بحرارته. تتلخّص خبرة البريّة في الكتاب المقدّس بالتحرّر من كلّ الاهتمامات والتخلّي عن كلّ الضمانات البشريّة والاتّكال المطلق على الله، والبقاء في حضرته.
 
عندما قال المعمدان إنّه هو الصوت الصارخ في البريّة، وجّه إعلانًا لنا أنّ ملء الزمان حلّ، وأنّ الذي "يَجلسُ على كرة الأرض وسكّانُها كالجُندُب، الذي ينشر السموات كسَرادِق، ويَبسُطُها كخيمةٍ للسكن" (إشعيا ٤٠: ٢٢)، الله الكلمة الذي خلق كلّ شيء، تجسّد وجاء ليسكن بيننا.
 
وفي البريّة هتف يوحنّا كي يعلّمنا أنّنا نحصل على معرفة الله عندما نتكّل عليه وحده دون سواه، ونتقدّس ببركاته عندما نتحرّر من الاهتمامات الدنيويّة ونحيا أمامه بحسب إنجيله.
 
الأرشمندريت يعقوب خليل
معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ
 
 
طروباريّة القيامة باللّحن الخامس
 
لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الابتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصنا. لأنّه سُرَّ بالجسد أن يعلوَ على الصليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهِضَ الموتى بقيامِته المجيدة.
 
 
طروباريّة الظّهور باللّحن الأول
 
باعتمادك يا ربّ في نهرِ الأردن ظهرت السجدةُ للثالوث، لأنّ صوتَ الآب تقدّمَ لكَ بالشهادة، مسميّاً إياكَ ابناً محبوباً، والروح بهيئة حمامة يؤيّدُ حقيقةَ الكلمة. فيا مَن ظهرتَ وأنرتَ العالم، أيّها المسيح الإله المجد لك.
 
 
قنداق الظّهور باللّحن الرّابع
 
اليومَ ظهرتَ للمسكونة يا ربّ، ونورُكَ قد ارتسمَ علينا نحن الذين نسبِّحُكَ بمعرفةٍ قائلين: لقد أتيتَ وظهرتَ أيُّها النورُ الذي لا يُدنى منه.
 
 
الرِّسَالة
أف 4: 7-13
 
لِتَكُن يا ربُّ رحمَتُكَ عَلَينا
ابتهِجوا أيُّها الصدّيقونَ بالربّ
 
يا إخوة، لكلِّ واحدٍ منّا أُعطيَتِ النعمةُ على مقدارِ موهبةِ المسيح. فلذلك يقول: لمّا صعد إلى العُلى سبى سبيًا وأعطى الناسَ عطايا. فكونُهُ صعد هل هو إلاّ أنّه نزل أوّلاً إلى أسافل الأرض. فذاك الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق السماوات كلِّها ليملأ كلّ شيء. وهو قد أعطى أن يكونَ البعضُ رُسُلاً والبعضُ أنبياءَ والبعضُ مبشِّرين والبعضُ رُعاةً ومعلِّمين. لأجلِ تكميل القدّيسين ولعَمَلِ الخدمة وبُنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعُنا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسانٍ كاملٍ، إلى مقدار قامةِ مِلءِ المسيح.
 
الإنجيل
متى 4: 12-17
 
في ذلك الزمان، لمّا سمع يسوع أنّ يوحنا قد أُسلم انصرف إلى الجليل، وترك الناصرة، وجاء فسكن في كفرناحوم التي على شاطئ البحر في تخوم زبولون ونفتاليم، ليتمّ ما قيل بإشعياء النبي القائل: أرض زبولون وأرض نفتاليم، طريق البحر، عَبرُ الأردن، جليلُ الأمم. الشعبُ الجالسُ في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم نور. ومنذئذ ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات.
 
في الإنجيل
 
في هذا الأحد الذي يقع بعد عيد الظهور الإلهي، نقرأ هذا المقطع الإنجيليّ من بشارة الرسول متى، الذي يتكلّم فيه حول بداية نشاط الربّ يسوع البشاريّ العلنيّ بعد معموديّته على يد يوحنّا المعمدان في نهر الأردن، وقد ابتعد الربّ عن اليهودية وجاء يسكن في كفرناحوم بعد أن تمّ القبض على يوحنّا المعمدان ووضعه في السجن.
 
قد ابتدأ الربّ يسوع بشارته من حيث أنهى يوحنّا المعمدان بشارته بالقول الصارخ: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات". هكذا صرخ يوحنّا في البرية داعياً الناس إلى التوبة والرجوع عن الخطأ لأنّ الملكوت عنده هو المسيح الذي سوف يأتي لخلاص العالم. أمّا الرب يسوع بترداده لقول يوحنّا هذا ليؤكّد أنّ الملكوت حضر وأنّه هو جوهر الملكوت وقوّته، وقبوله واستقباله لا يتمّ إلّا بالتوبة التي يدعونا فيها الربّ أن نتحوّل إليه موبّخين أنفسنا على كلّ ما اقترفناه من اعمال خاطئة في ماضينا.
 
وهذا التحوّل لا يصير في لحظة واحدة من حياتنا فحسب، بل هي عمليّة يجب أن ترافقنا مدى الحياة على هذه الأرض.
 
لذا التوبة لا تعني هجر حياة الخطيئة وحسب. إنّما أيضًا عيش الفضيلة، التخلّي عن الأعمال السيّئة شرط لازم لكنّه غير كاف لحياة التوبة. لذلك كان للتوبة ثمار ينبغي أن تظهر.
 
هذا إن كانت حقيقيّة. وهذا ما نادى به الرسل أيضًا بعد بشارة الربّ يسوع بالتوبة وتكلّموا عنه في عظاتهم التبشيريّة في أعمال الرسل: "أن يتوبوا ويرجعوا الى الله. بالقيام بأعمال تدلّ على التوبة" (أع 26: 20).
 
ألا أعطانا الله أن نتوب توبةً صادقة تتوافق مع أخلاق الإنجيل ووصايا الربّ يسوع وتثمر ثماراً جيدة بأعمال صالحة.
 
الذين يُرجئون اقتبال المعموديّة للقدّيس باسيليوس الكبير
 
لو كنتُ أُوَزّعُ ذهَبًا على الجماعة، لَما تغَيّبتَ عن اجتماع التوزيع، ولَكُنتَ طَلَبتَ حصَّتَكَ بإلحاحٍ خوفًا من أن يسبقَكَ الآخَرون. ولكن، عندما يَعرضُ عليكَ الموزّعُ الأكبرُ لا مادّةً برّاقةً بل طهارةَ النّفس، تختلقُ الأعذارَ الكثيرة لكي لا تأتي إلى اجتماع التوزيع.
 
عجبًا! إنّكَ تريدُ أن تتجدّد دونَ أن تذوب! تريدُ أن تأخذَ صورةً جديدةً دونَ أن تُكسَر!
 
لو كُنتَ عَبدًا للنّاسِ وتقرَّرَ موعدٌ لِلعَتق، أما كُنتَ تَحضُر في اليوم المقرّر وتَدفع للمحامين مستصرخًا القُضاةَ لكي يختاروكَ ويحرّروك؟! أظنُّ أنّكَ سوفَ تكونُ مستعدًّا لتقبُّلِ صفعةٍ، هي آخِرُ صفعةٍ ينالُها العبد، على أمل أن تُعتَقَ بعدَئذٍ مِن كُلّ عبوديّة.
 
والآن، وأنتَ عبدٌ لا للنّاسِ بل للخطيئة، يدعوكَ المُنادي إلى الحرّيّة ليُعتقَكَ مِن أَسرِكَ ويجعلكَ معادلاً للملائكة في الحقوق، ويقيمك ابنًا لله بالتبنّي بواسطة النّعمة، وارثًا لخيرات المسيح، وتقولُ إنّ الوقتَ لم يَحُنْ بعد لِنَيلِ هذه المواهب؟!
 
إنّها لَعوائقُ يُرثى لها! وموانعُ مُخجِلةٌ ولا حدّ لها! ماذا يُعادِلُ النَّفْسَ؟ وماذا يُضاهي ملكوتَ السّماوات؟ أيُّ رَجُلِ مشورةٍ أجدرُ بالثقةِ من الله؟
 
في ساحةِ الوَغى، يعطى القائدُ كلمةَ السرّ لجنوده لكي يتنادوا بسهولةٍ إذا ما اختلطوا بالأعداء. لن يعرفوكَ إذا لم تُثبتِ انتماءك بِسِماتٍ "روحيّة"، ولم يرتسم في وجهك نورُ الربّ. كيفَ سيتصرّفُ الملاكُ تجاهك؟
 
كيف سيقتلعُكَ من بين الأعداء إذا لم يرَ الختمَ عليك؟ كيفَ يمكنك أن تقول "أنا من الله" إذا لم تُبرِزْ علاماتِ اعترافك به؟ أتجهلُ أنّ المُهلِكَ كان يحفظُ البيوتَ المختومة، ويذبحُ كُلَّ بِكرٍ من البيوتِ غيرِ المختومة؟
 
العمادُ يدعوكَ إلى إنعاشِ نفسِكَ التي خرّبتَها وغَضَّنتَها ولطّختَها بأوزارِك. إنّكَ تزدري المُحسِنَ إليكَ ولا تُبادِرُ إلى وَعدِه! ألا تَوَدُّ رؤيةَ المعجزةِ الكُبرى؟ كيف يمكنُ للإنسانِ أن يُولَدَ مِن جديدٍ بدونِ أُمّ؟
 
العمادُ هو فِديةُ الأسرى، وتسديدُ الدُّيون، وموتُ الخطيئة، وتجديدُ ولادةِ النَّفْس، والرِّداءُ المتألِّق، والمركبةُ إلى السَّماء، وضمانةُ الملكوت، ونِعمةُ التبنّي.
 
فيما نودّع الظّهور
 
في الإثنين الماضي عيَّدنا الظّهور الإلهيّ، وبعد غد نودّعه. وإذ نودّعه يحسن بنا أن نَقْتَفي ما أمكننا اقتفاؤه من معانيه ومدلولاته- فهي كثيرة- لنستبقيه في أفكارنا والقلوب. هكذا يكون توديعنا العيدَ إقامةً لنا فيه، نُقيم في ذكراه وتُقيم ذكراه فينا. كذا هي ليتورجيّتنا في كلّ حال. ولعلّ طقس الظّهور- وهو الحاوي معانيَه كلَّها- يُسعِفنا في ما نحاول، فنقتطف منه لهذا المقام معنيّيْن يبدوان لنا أساسيَّين.
 
ففي طقس العيد، أوّلاً، أنّ السيّد قدّس مجاري الأردنّ بنزوله فيه. لست أراني خارج التعليم الصحيح لو ذهبتُ، في تأمّلي، إلى أنّ المخلّص، بتقديسه مجاري الأردنّ، إنّما يقدّس الأرض كلّها، بل الكون كلّه. يسوع يبثّ من قداسته في الأرض قداسةً لتكون هي مقدّسةً ومنبتًا للقداسة.
 
وهو يستودعنا، نحن الأرضييّن، هذه القداسة أمانة ومسؤوليّةً حتّى نصونها ونفعّلها ونعمّمها. نحن سفراء يسوع في الأرض لننشر فيها قداسته، فينبغي لنا أن نتعاطى مع الأرض بما يليق بالقداسة التي خصّها بها هو. لذا، فكلّ فساد نعيثه في الأرض، وكل دنسٍ نلطّخها به، تراباً أو بحراً أو جوًّا، أو بشراً إنما هو في الحقيقة امتهان للقداسة التي أُريدت لها و، بالتالي، امتهان للقصد الإلهي من خلقها. المسيحيّ إنسانٌ حسّاس- أو هكذا ينبغي أن يكون- للقصد الإلهيّ من الخلق وهو، بالتالي، حسّاس لكلّ ما يجرح هذا الخلق ويُفسده. ولعلّ هذا ما يفسّر شجبه المطلق، بل إدانته المطلقة لأسلحة الدمار الشامل ومعها لكلّ ما يتسبّب بتلويث هذه الأرض وتلويث الإنسان فيها حتى الإبادة. واستطرد من هنا لأقول: لذلك كان هاجس البيئة وسلامتها هاجساً مسيحيًّا كبيراً وكانت رعايةُ البيئة سعياً لاهوتيًّا وكنسيًّا قبل أن تكون سعيًا اجتماعياً بالمعنى الحصريّ للكلمة.
 
أجل، نحن المسيحييّن رُعاةٌ للبيئة لأنّنا، بالدعوة، رعاة لهذه الأرض التي جعلها السيّد "موطئاً لقدميه" مثلما جعل "السماء كُرسيّه" نرعى هذه الأرض ومَن عليها رعايةً منّا لحقّ الله فيها.
 
وفي طقس العيد، ثانياً، أنّ السيّد، باقتباله المعموديّة من يد الصابغ، يُحني هامته للعيد.
 
إنه بهذا يقول تواضعه الكبير فيستدعي من أبيه السّماويّ الشهادة له بأنْ "هذا هو إبني الحبيب الذي به سُررت.." ومن الروح القدس "تأييد حقيقة الكلمة". بهذه الشهادة العظيمة يتجلّى ظهور الثالوث، فإذا معموديّة السيّد مناسبةٌ لعناقٍ ثالوثي به يتحقّق انعطاف السماء على الأرض. وإذا انعطفت السماء على الأرض فكيما تغدو الأرضُ سماءً. وهذه الأخيرة مشروع سماء إذا كثر فيها أحبّةُ الربّ، العاملون ما يُرضيه. هذا بيت القصيد. أن نجعل هذه الأرض التي قدَّسها يسوع بنزوله في الأردنّ معراجاً إلى السماء هذا، لعمري، هو عيد الظهور الإلهيّ وهذه هي إقامتنا فيه. ولا تكون أرضنا معراجاً إلى السّماء إلاّ إذا اتخذناها بالحب. نحبّ الأرضَ ومَن عليها فيكون لنا هذا الحبٌّ ارتقاءً إلى فوق، به نردم ما أمكننا ردمه من الهوّة التي أثبتتها الخطيئةُ بيننا وبين السماء. بهذا المسعى، إذا نجحنا، نكون مقيمين في الأرض عُرساً يكون تهجئةً للعرس السماويّ الذي سيتحقّق، مرّة وإلى الأبد، على الصليب.
 
ما معموديّة الأردنّ إلاّ الخطوة الأولى على طريق الفداء التي ستنتهي بيسوع إلى معمودية الجلجلة. تلك كانت صبغة الماء بها برز السيّد ملتزماً ناموس موسى ومؤكّداً تمام ناسوته، أما هذه فستكون صبغة الدم، وبها سيبرُز السيّد مقيماً ناموس الحبّ ومؤكداً به تمام لاهوته. بهذه الصبغة عينها سيبيد السيّد مملكة الموت ليقيم مكانها مملكة الفرح الأبديّ، وسوف يدعونا للدخول إلى هذه المملكة إذا ما وَجدَنا على الأرض شهوداً له. إذ ذاك يكون لنا نصيبٌ معه في فرحه ونكون قد نِلنا الخُطوة.
 
 
 
 

 



Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies