الكرمة - الأحد 14 نيسان 2019

 
الأحد 14 نيسان 2019
العدد 15
الأحد الخامس من الصّوم 
 
اللّحن الخامس   الإيوثينا الثانية
 
* 14: (مريم المصريّة)، أريسترخس وبوذس وتروفيمس وهم من الرُّسل السَّبعين * 15: الشّهيد كريسكس،* 16: الشّهيدات أغابي وإيريني وشيونيَّة الأخوات العذارى، القدِّيسة غاليني، البارّ أمفيلوخيوس (بطمس)،* 17: الشّهيد في الكهنة سمعان الفارسيّ ورفقته، * 18: البارّ يوحنَّا تلميذ غريغوريوس البانياسيّ، * 19: الشّهيد في الكهنة بفنوتيوس، * 20: سبت لعازر، البارّ ثاوذوروس الشعريّ، أنستاسيوس بطريرك أنطاكية المعترف، زكّا العشّار. 
 
الهـدوئيّة
 
"طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله" (متّى 5: 8). 
 
هناك فرق كبير بين معرفة الله العقليّة واللّقاء معه ومعاينته. يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس: "لا نستطيع أن نقتني الله فينا ونعاين نورَ وجهه إلّا إذا تنقّينا بالفضيلة وخرجنا من أنانيّتنا وتجاوزنا أنفسنا وارتفعنا فوق الأفكار العقليّة لكي نلتقي الجهلَ الذي يفوق كلّ معرفة. 
 
إنّ فلسفة العقل هي معرفة نكتسبها بصرف النظر عن النّقاوة، وهي لا تطهّرنا من الأهواء الضارّة. 
 
إنّ المعاينة الرّوحيّة التي نكتسبها عن طريق الصّلاة القلبيّة، صلاة يسوع، ليست حصيلة الدراسات بل هي الجهل الذي يتجاوز المعرفة العقليّة، هي الرّؤيا التي تتجاوز كلّ تصوّر Concept، وهي التذوّق السرّيّ mystique للنّور الإلهيّ" (راجع كتاب الدّفاع عن القدّيسين الهدوئيّين، الثلاثيّة الأولى صفحة 115).
 
هؤلاء القدّيسون الهدوئيّون اكتسبوا ثمار الرّوح: المحبّة الفرح، السّلام... وصلبوا الجسد مع الأهواء والشّهوات (راجع غلاطية 5: 22-23-24)..
 
القدّيس غريغوريوس بالاماس راهب نسك فترة في الجبل المقدّس، جبل آثوس، وأسّس تيّاراً روحيّا كبيراً في القرن الرّابع عشر يُدعى التيّار الهدوئيّ Hésychasme.
 
يلخّص هذا التيّار لاهوت آباء الكنيسة الأرثوذكسيّة ومحوره تألّه الإنسان المسيحيّ  deification كما ظهر ذلك على جبل ثابور في التّجلّي حين استنار الرّسل بأشعّة الرّوح القدس التي غلّفت إنسانية المسيح.
 
ظهرت شعلة هذه الحركة الرّوحيّة في القرن الرّابع مع آباء الصحراء في مصر مثلاً. 
 
هي شعلة مقدّسة رافقت الكنيسة الأرثوذكسيّة. نستقي، حتّى اليوم، من قوّتها وبهائها. 
 
نحن اليوم، في عصرنا الحاضر، نشهد لموجة من الإلحاد في الشرق والغرب، بينما هذه الشعلة الرّوحيّة هي في قلب التّقليد الهدوئيّ الذي اشتهر به الجبل المقدّس - جبل آثوس - في القرن العشرين، وأيضًا اشتهرت به روسيا التي كانت "شيوعيّة"، ذلك بظهور ملايين من الشّهداء القدّيسين.
 
في هذا الصّوم الكبير ذكرى القدّيس غريغوريوس بالاماس، وكذلك الأحدان التّاليان لأحد الصليب وهما أحد السلّميّ وأحد القدّيسة مريم المصريّة، هذه المحطّات ليست بعيدة عن هذه الخبرة الهدوئيّة التي تحوي في جوفها قوّة الصليب، كما تحوي الجهاد النسكيّ، جهاد التّوبة، إلى جانب الحياة اللّيتورجيّة وممارسة الأسرار المقدّسة.
 
 تفترض هذه الحركة الهدوئيّة قسطاً هامًّا من الهدوء الخارجيّ والسكينة الداخليّة والعمل الرّوحيّ، كلّ ذلك مع ترداد صلاة القلب:
"أيّها الرّبّ يسوع المسيح يا ابن الله الحيّ ارحمني أنا الخاطئ".
 
+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما
 
 
طروباريّة القيامة  باللّحن الخامس
 
لنسبِّحْ نحن المؤمنينَ ونسجدْ للكلمة المساوي للآبِ والرّوح في الأزليّة وعدمِ الاِبتداء، المولودِ من العذراءِ لخلاصنا. لأنّه سُرَّ بالجسد أن يعلوَ على الصّليبِ ويحتملَ الموت، ويُنهِضَ الموتى بقيامتِهِ المجيدة.  
 
طروباريّة القدّيسة مريم المصريّة باللّحن الثّامن 
 
بكِ حُفِظَتِ الصورةُ بإحتراسٍ وَثيق أيَّتها الأمُّ مريم؛ لأنَّكِ حمَلتِ الصليبَ وتبِعْتِ المسيح، وعَمِلتِ وعلَّمتِ أن يُتغاضى عن الجسَدِ لأنَّه يزول، ويُهتمَّ بأمورِ النفسِ غيرِ المائتة. لذلك تَبتهِجُ روحُكِ مع الملائكة. 
 
القنداق باللّحن الثّاني 
 
يا شفيعَةَ المَسيحيِين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِقِ غيْرَ المرْدودة، لا تُعْرِضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمَعونةِ بِما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصارِخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ، وأسْرِعي في الطلْبَةِ يا والِدةَ الإلهِ، المُتشَفِّعَةَ دائماً بِمكرِّميك. 
 
الرِّسالة
عب 9: 11-14 
 
صَلُّوا وأَوفُوا الربَّ إلهَنا  اللهُ معْروفٌ في أرضِ يهوذا 
 
يا أخوة، إنَّ المسيحَ، إذ قَدْ جاءَ رَئيسَ كَهَنَةٍ للخيراتِ المستقبَلةِ، فبمسكِنٍ أعظَمَ وأكملَ غَيْرِ مصنوع بأيدٍ، أي ليس من هذه الخليقة وليسَ بدمِ تيوسٍ وعجولٍ، بل بدمِ نفسِهِ دَخَلَ الأقْداسَ مرَّةً واحدةً فوَجَدَ فِداءً أبَديّا. لأنَّهُ، إنْ كانَ دَمُ ثيرانٍ وتيوسٍ ورَمادُ عِجلةٍ يُرَشُّ على المُنجَّسينَ فيُقَدِّسُهُمْ لتطهيرِ الجسد، فكَمْ بالأحرى دَمُ المسيحِ الذي بالروحِ الأزليِّ قَرَّبَ نفسَهُ للهِ بلا عيْبٍ، يُطَهِّرُ ضمائرَكُم منَ الأعْمالِ الميْتةِ لتعْبُدوا اللهَ الحيَّ.
 
الإنجيل
مر 10: 32-45 
 
في ذلك الزمان، أخَذَ يسوعُ تلاميذَهُ الاِثْنَي عَشَرَ وابْتَدَأ يَقولُ لَهُم ما سيَعْرِضُ لَهُ: هُوذا نَحْنُ صاعِدونَ إلى أورَشليمَ، وابنُ البَشَرِ سَيُسَلَّمُ إلى رؤساءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ فَيْحكُمونَ عَلَيْهِ بِالموْتِ وَيُسَلِّمونَهُ إلى الأمَم فَيَهْزَأُونَ بِهِ ويَبْصُقونَ عَلَيْهِ وَيَجْلِدونَهُ وَيَقْتُلونَهُ وفي اليَوْمِ الثالثِ يَقومُ. فَدَنا إليْهِ يَعْقوبُ ويُوحَنّا ابنا زَبَدى قائلَينَ: يا مُعَلِّمُ نريدُ أنْ تَصْنَعَ لَنا مَهْما طَلَبنا. فَقالَ لهُما: ماذا تُريدانِ أنْ أصْنَعَ لَكُما؟ قالا لَهُ: أعْطِنا أنْ يَجْلِسَ أحَدُنا عَنْ يميِنكَ والآخرُ عَنْ يساركَ في مَجدِكَ. فقالَ لَهُما يسوعُ: إنَّكُما لا تَعْلَمان ما تَطْلُبان. أتستطيعانِ أنْ تشرَبا الكأسَ التي أشرَبُها أنا وأنْ تَصْطَبِغا بالصِّبْغَةِ التي أصْطَبِعُ بِها أنا؟ فقالا لَهُ نَسْتَطيع. فقالَ لَهُما يسوعُ: أمَّا الكأسُ التي أشْرَبُها فَتَشْرَبانِها وبِالصِّبْغةِ التي أصْطَبِغُ بِها فَتَصْطَبِغان. أمَّا جُلوسُكما عَنْ يميني وَعَن يَساري فَلَيسَ لي أنْ أُعْطِيَهُ إلاّ للّذينَ أُعِدَّ لَهُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ ابْتدَأوا يَغضَبونَ على يعقوبَ ويوحنّا؛ فدَعاهُم يسوعُ وقالَ لَهُم: قدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الذينَ يُحْسَبونَ رُؤَساءَ الأمَمِ يَسودونَهُم وَعُظماءَهُم يَتَسلَّطون عَليْهم وأمَّا أنْتُمْ فَلا يَكونُ فيكمْ هكذا، ولكِنْ مَنْ أرادَ أن يكونَ فيكم كبيراً فليَكُنْ لَكُمْ خادِماً وَمَن أراد أن يكونَ فيكمْ أوَّلًا فَلْيَكُنْ للجميع عَبْدًا. فإنَّ ابنَ البَشَرِ لَمْ يَأتِ ليُخْدَمَ بَل ليَخْدُمَ وليَبذلَ نفسَهُ فِداءً عَنْ كثيرين.
 
في الإنجيل 
 
إذا ترافق الهوى مع الشّهوة الرّديئة وتمكّن من إنسان يجعله محبًّا للّذة، ويقيّده بالفجور، وينحدر به إلى الفحشاء والزِّنى. 
 
كانت مريم المراهقة، من جهة، مصابة بشبق النّساء، وتشتهي الرّجال، ولم تستطع التّحكّم بنزوتها، فكبرت ومعها شهوتها التي باتت تتحكّم بها إلى أن صارت عبدة لهواها. 
 
وكانت، من جهة ثانية، تتمتّع بجمال فائق يجذب الرّجال الذين تغويهم، فيقع بسببها من لا إرادة له، وتأسرهم، وهي بدورها تصبح أسيرة زناها غارقة ومغرّقة في "حمأة الأفعال"، ولا مُنقِذ.
 
"لا العقرب، ولا الثعبان، إذا سكنا في أحشائنا، يبثّان سمومًا بقدر الرّضى الذي نناله بسبب الشّهوة الرّديئة، التي تبدّد كلّ شي في داخلنا، وتقلبه رأسًا على عقب. فكما تحرق النّار القصب، هكذا تحرق الشّهوة الأهوائيّة الفكر، وكما يعمي الدّخان العينين كذلك تعمي الشّهوة الأهوائيّة الذّهن". (يوحنّا الذّهبيّ الفم). 
 
وتبعت شهوتها إلى كنيسة القيامة لتغوص في نجاستها إلى أعماق الهلاك، فمنعتها قوّة غير منظورة من دخول الكنيسة المقدّسة يوم عيد رفع الصّليب. "رجس الأدناس الممتدّ صدّها عن مشاهدة الأشياء المقدّسة" (بروصوميّة السبت). 
 
انجرح قلبها من ذلك وأدركت حالتها المزرية، فوقعت ناحبة وغارقة في بحر الدّموع تستعطف الله بالتوبة وعازمة تغيير سلوكها، فاستطاعت، عندئذ، دخول الكنيسة والسّجود للصّليب المقدّس. 
 
"أهربوا من الزِّنى، كلّ خطيّة يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكنّ الذي يزني يخطئ إلى جسده " (1كو 6: 18). 
 
ولكن كيف تهرب مريم من الزِّنى وقد أصبح عادة راسخة عندها؟
 
"كتبت إليكم في الرّسالة أن لا تخالطوا الزّناة،... وإلّا فيلزمكم أن تخرجوا من العالَم". (اكو 5: 9-10).
 
وكيف عليها أن لا تخالط من زنت معهم وهي لم تعرف سواهم؟ 
 
لا حلّ أمامها، إذًا، سوى الهروب والخروج من العالَم، لئلّا تعود عن توبتها بفعل العادة والمخالطة الرّديئة؛ وتبدأ بعدها حربًا داخليّة لقمع أهوائها التي تمنع عنها النّعمة الإلهيّة.  
 
اتّخذت قرارها الجريء ورحلت إلى صحراء الأردنّ: "فحاضرت بإسراع نحو المنهج الحسن وجازت مجاري الأردنّ وقطنت بنشاط في موطن الصّابغ، وبواسطة سيرتها أفنت توحّش الآلام ولطّفت وثبات الجسد بإيضاح" (بروصوميّة السبت مساء). 
 
وبقيت في أقصى البرّيّة 47 سنة، عاشت طِيلتَها عيشة قاسية جدًّا، فأقصت عنها الشّهوات الرّذيلة وانتصرت في جهاد الفضيلة. ففعلت توبتها فعلها وشُفيت نفسها وتطهّر قلبها، فأضحت إناء للنّعمة الإلهيّة ومسكنًا للرّوح القدس وذلك بفعل جهاداتها المترافقة مع النّعمة الإلهيّة.
 
"أيّتها البارّة لقد حسمت بسيف الإمساك الفخاخ النّفسانيّة وأهواء البشرة، وبصمت النسك خنقت الخطايا الفكريّة، وبمجاري عَبَراتك روّيت كلّ البرّيّة وأينعتِ لنا أثمار التّوبة. فلذلك نعيّد لتذكارك".
 
انتقالها من أسفل الخطيّة إلى قمّة القداسة كان بفعل توبتها وسيرة حياتها اللّتين جعلتا منها "أيقونة" للتّوبة، ونموذجًا نتمثّله ونقتدي به، أي بممارسة التّوبة الحقيقيّة ليس في الصّوم فقط بل في كلّ لحظة من حياتنا، فنشترك، عندئذ، بالنّعمة المحيية التي ألّهتها. آمين.
 
الصّوم المقبول لدى الرّبّ 
 
وصولنا إلى الأحد الخامس من الصّوم لا يمنعنا من التأمّل فيه كَدَرس نكمل به مسيرتنا ونحمله إلى الأصوام المقبلة. 
 
الصّوم هو من أكثر الأمور صعوبة في العالَم المعاصر. مشكلتنا الفعليّة لا تكمن في تغيير عاداتنا الغذائيّة بل تكمن، بالحقيقة، في مفهوم الصّوم وما يستلزمه. 
 
نحن نستوعب تغيير النّظام الغذائيّ (الرّيجيم) لأسباب صحّيّة أو لتحسين مظهرنا أو رفع معنويّاتنا. 
 
أمّا تغيير نمط الأكل لمعرفة الله، أو للتّهيئة لعيد كنسيّ، كما ينبغي، فهذا شيء غريب عن فكر حضارة المنفعة التي تقوم على معرفة وجهة استخدام كلّ الأشياء. 
 
فمنطق المنفعة يتطلّب أن يكون للأشياء معنًى بالنّسبة للإنسان وأن يكون قادرًا على التحكّم بها بشكل أو بآخر، وأن يستخدمها كما يرى ذلك مناسبًا، ويشكّلها وفقًا لرغباته الخاصّة. 
 
يعتقد الكثيرون في عصرنا أنّ الشخص هو نتاج خياراته وقراراته، أي أنّ الإنسان يشرّع حياته، وعلى هذا الأساس هو القيّم عليها. 
 
هذا كلام يعكس فكر الحداثة الذي يتوجّه بغالبيّته إلى الذين يتمتّعون بالثّروة والقوّة. 
 
إنّه يعدهم بالاِمتيازات التي نادراً ما تتحقّق ويسخر من ضعف الذين لا يملكون سلطة.  بالطّبع، هذا الكلام لا يتوافق مع وجهة النظر  المسيحيّة التقليديّة.  
 
فبالرغم من أنّنا أحرار في اتّخاذ القرارات والخيارات، إلّا أنّ حرّيتنا ليست بلا حدود. 
 
الجزء الأكبر من حياتنا ليس محدّداً ذاتيًّا. نحن نؤمن أنّ حياتنا هي هبة من الله وليست من صنعنا. 
 
ما يميّز الحياة الرّوحيّة المسيحيّة التّقليديّة ليس حرّيّة الاِختيار وتقرير المصير بل هو إفراغ الذّات وحمل الصّليب. 
 
فعلى سبيل المثال، يتساءل غالبيّة المسيحيّين، عند بدء الصّوم الكبير، حول ما هو الشيء الذي سوف يتخلّون عنه في هذا الصّوم. 
 
هذا سؤال يعكس نيّة طيّبة، إلّا أنّه سؤال خطأ لأنّه يحوّل الصّوم الكبير إلى مجرّد خيار آخر من خيارات الحياة، أي إلى صوم استهلاكيّ. 
 
صحيح أنّ ممارسة الصّوم التقليديّة تغيّرت إلى حدّ كبير عَبر القرون الماضية. 
 
لكنّ الأرثوذكسيّة تستمرّ في تطبيق الصّوم التقليديّ ولو مع بعض الاختلافات بين كنيسة وأخرى. 
 
من المتعارف عليه عموماً أنّ القواعد المكتوبة هي للرّهبان، لكنّ المشترك في صوم الشّعب هو الاِنقطاع عن اللّحوم والسّمك والخمر ومشتقّات الحليب. 
 
بعض التّقاليد يحدّد عدد الوجبات وطريقة طبخها. الخبرة الرّعائيّة تقول بأنّ النّاس، بشكل عامّ، يبذلون جهدًا في الصّوم. لكن، هل هذا الأمر مهمّ؟ لماذا على المسيحيّين في العالَم المعاصر أن يهتمّوا بممارسة تقليديّة؟ 
 
ما هو على المحكّ اليّوم في العالَم الحديث هو الإنسانيّة. إنّ الجزء الأكبر من حياة الإنسان هو مجموعة هبات قد لا يفرح بها دائماً، إذ غالباً ما يرغب في أن يكون غير ما هو عليه. 
 
لهذا، فإنّ قول العالَم الحديث بأنّنا، في الواقع، نصنع أنفسنا وحياتنا هو خرافة. إنّها خرافة تخدم تثبيت ثقافة الاِستهلاك. نحن فقط نختار مَن نكون لا أن نكون. 
 
إنّ الحياة الإنسانيّة الأصيلة الوحيدة هي تلك التي نتلقّاها كهبة من الله. 
 
إنّ روحانيّة الاِختيار والاِستهلاك تحت ستار الحرّيّة ما هي إلّا فراغ. إنّ الهويّة التي نكوّنها هي سراب ونتاج للوهم والسُّوق. 
 
إنّ عادات السُّوق تساهم في استعبادنا فيما الصّوم هو دعوة للحرّيّة. 
 
لهذا، إنّ مقدمة الصّوم هي التّوبة عن العالَم الحديث نفسه، أعني بذلك التخلّي عن الفكرة القائلة بالفرد المولَّد ذاتيًّا والحاكم ذاتيًّا. 
 
الإنسان لا يُحدَّد بخياراته وقراراته، ولا بحياته المهنيّة وتسوّقه. يبدأ الصّوم بالإقرار بأنّ الله وحده هو الرّبّ وليس الإنسان. 
 
تأخذ الحياة معنًى وهدفاً فقط بالعلاقة مع الله. 
 
من هنا أنّ الممارسة الأساسيّة في هذه الحياة المتمحورة حول الله هي تقديم الشّكر. 
 
وعلى هذا الأساس يوجد بعض النّقاط الأساسيّة التي علينا أن نطبّقها لكي يكون صومنا طريقاً موصلاً إلى الله بالفعل. 
 
في الصّوم نتخلَّى عن محاولاتنا لتحسين أنفسنا بالاِعتماد على أنفسنا. نحن لسنا أعمالاً ومشاريعَ، وإذا كنّا عملاً فنحن عمل الله. "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أفسس 10:2). 
 
في الصّوم لا نفكّر بمخطّطات للحصول على "صوم جيّد"، ولا نتخيّل ما سيكون عليه "الصّوم الجيّد". 
 
في الصّوم نقوم بتقييم ذواتنا حتّى لا نبقى نحن مركز عالَمنا، ونفهم أنّنا لسنا نحن موضوع الصّوم بل المسيح الفصحيّ هو الموضوع.
 
نحن نصوم وفقًا للتّقليد لا وفق أفكارنا وتصميماتنا. قد يكون هذا صعبًا بالنّسبة للبعض، لكنّ الاعتدال ضروريّ، فلا نكن صارمين جدًّا أو متساهلين جدًّا، وإذا أمكن، نلتزم بالصّوم بالطريقة المعروفة عموماً بدلاً من اعتماد طرق نصمّمها أو ننسخها، كاختيار ما نصوم عنه أو الصّوم فقط عمّا نحبّ وغيره.
 
الأهمّ في الصّوم هو أن نصلِّي. الصّوم بدون صلاة يسمّى "صوم الشّياطين"، لأنّ الشياطين لا يأكلون أبداً، لكنّهم لا يصلّون أبداً. نحن نصوم كوسيلة للاقتراب من الله. 
 
يجب الموازنة بين الصّوم والصّلوات. لا ينفع الصّوم بطريقة صارمة من دون الصّلاة لفترات طويلة. 
 
النقطة الأساسيّة هي أن يكون الصّوم والصّلاة شيئاً واحداً. نحن نضيف الرّحمة إلى صلاتنا وصيامنا، والرّحمة هي التخلّي عن بعض المقتنيات وخاصّة المال. يجب أن تكون رحمتنا مخفيّة عن الآخرين قدر الإمكان. في الصّوم ننفِقْ أقلّ ونوزّع أكثر.
 
في الصّوم نضاعِفْ الذّهاب إلى الكنيسة، وإذا كانت في الكنيسة خدم إضافيّة نشترك فيها. صورة العبادة المعاصرة تركّز على الفرد بدلاً من أن تتوجّه إلى الله، بحجّة أنّ الكنيسة مملّة. 
 
المملّ ليس العبادة المسيحيّة بل خبرة الأشخاص الذين تربّوا ليكونوا مستهلِكين. إنّ العبادة الأرثوذكسيّة تكون بحسب التقاليد وتركّز اهتمامها على الله، ولا تقوم على منطق الرّبح.
 
في الصّوم نقلّل من الترفيه. في تقاليد البلاد الأرثوذكسيّة كانت الملاهي تُغلَق طيلةَ فترة الصّوم. 
 
قد يكون هذا الأمر صعبًا بالنّسبة للأشخاص المعاصرين، لأنّنا نعيش للاستهلاك وبالتّالي نقع في دَوّامة الألم والسرور. 
 
ليس المقصود هنا الملذّات الطبيعيّة كالتّمرين أو المشي، على الرّغم من أنّ تحوّل هذه الأنشطة العاديّة إلى سلعة تُستهلك ويُدفَع ثمنها هو أمر مقلق.
 
في الصّوم نقلّل من مشاهدة التّلفاز وقراءة الأخبار والتّعبير عن الآراء فيها. 
 
غالباً ما لا يكون هدف الأخبار إطّلاع النّاس بل الدّعاية السياسيّة والتحكّم بالمستهلكين. قلّة الدقّة التي في الأخبار ليست جيّدة للرّوح. كثرة الآراء تدمّر صحّة الرّوح إذ أنّها، في غالبيّتها، لا تعبّر عن معتقدات بل هي عواطف تعبّر عن نفسها. 
 
ختاماً، من السهل أن يشعر الشخص المعاصر بالإرهاق عند قراءته هذه القائمة فيتساءل: 
 
ماذا تبقّى؟ ما تبقّى هو الإنسان. في حياتنا الكثير من اللّهو العابر الذي ليس من الله، وهذا يفسّر شعورنا بالإرهاق وقلقنا. 
 
لا خير لنا في ما ليس من الله. "وَلكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ. وَمَزِّقُوا قُلُوبَكُمْ لاَ ثِيَابَكُمْ. وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ لأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّأْفَة" (يوئيل:2: 12- 13).
 
 
أخبــارنــا
 
قدّاس الشعانين في رعيّة بطرّام
 
تحتفل كنائس الأبرشيّة بعيد الشعانين المقدّس صباح الأحد الواقع فيه 21 نيسان 2019. 
 
ويترأّس راعي الأبرشيّة قدّاس أحد الشّعانين في رعيّة القدّيسين قزما ودميانوس - بطرّام. تبدأ صلاة السَّحَر الساعة التّاسعة صباحاً.
 
 
 
 


Copyright 2018 Greek Orthodox Archdiocese of Tripoli, Koura & Dependencies