الأحد 14 شباط

الأحد 14 شباط

10 شباط 2021
الأحد 14 شباط
2021 العدد 7
الأحد (17) من متى
اللحن الثالث، الإيوثينا الثالثة


أعياد الأسبوع:
14: البارّ أفكسنديوس، البارّ مارون النّاسك، 15: أونيسيموس أحد الرُّسل السَّبعين، البارّ أفسابيوس، 16: الشَّهيد بمفيلس ورفقته، 17: العظيم في الشَّهداء ثاوذورس التيرونيّ، 18: لاون بابا رومية، أغابيتوس السّينائي، 19: الرّسول أرخبيس، البارّة فيلوثاي الأثينائيّة، 20: لاون أسقف قطاني، الأب بيساريون.

التواضع أيضًا وأيضًا

سأل واحدٌ شيخاً: ماذا أعمل حتّى أكتسبَ موهبة الفضائل وبخاصّة التواضع؟
أجابه الشيخ: إن كان أحدٌ يريد أن يتعلّم صنعةً يلجأ إلى معلّم محترف، يرافقُه وَيُطيعُه إلى أن يكتسبَ كُلَّ فنٍّ ومهارة".
هكذا يتتلمذ كلُّ واحدٍ منّا على التواضعِ عندما يلتجئ إلى أبٍ رُوحيٍّ متواضعٍ ويُطيعُه في كُلِّ قَولٍ وَفِعل.
لقد وردَ عند إشَعيا النبيّ ما يلي: "إلى مَن أَنظُرُ سوى إلى المتواضع ومُنسحقِ القلب والمُرتعدِ مِن كلمتي" (إش 66: 2).
يَرِدُ في المزمور (24: 18 ) ما يلي: "أُنظُرْ إلى تواضعي وتعبي وَاغفِرْ جميعَ خطاياي".
التواضعُ نَبْذٌ لِلأنا وفي كُلِّ شيء، أَيْ إنَّ المُتواضِعَ يَطرحُ جانباً المجدَ الباطل، "الذبيحة لله روحٌ منسحق، القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الربّ" (مزمور 50).

* * *

في قاموس الآباء القدّيسين، تُشيرُ موهبةُ الفضائلِ إلى نعمةِ الروحِ القُدس. المسألةُ كلُّها في النتيجة لا تقتصرُ على الطاعةِ الخارجيّة التي تشكّل مجرّد واسطة لكي يصل الإنسانُ إلى إرشادٍ داخليٍّ مِنَ الروحِ القدس.
يقول القدّيسُ برصنوفيوس غزّة: "لِيُساعِدْكُم الربُّ يسوعُ لكي تحصلوا على نعمةِ الروحِ القُدس، فبحضورِها المجيد تستنيرُ قلوبُكم، وهي تُرشدُكم إلى الحقيقة كلّها" (يو 16: 13).

يربط القدّيسُ يوحنّا السلّميّ، في رسالته إلى الراعي، انسحاقَ القلبِ catanyxis بالأبِ الروحيّ وبطاعته. هذا الاِنسحاقُ ينتج عن الجرحِ الداخليّ لدى مَن يشعر في ضميره بأنّه أخطأ إلى الله.

الأبُ الروحيُّ يشارك ابنه في هذا الشعور. التحسّر على الخطيئة Componction نوعٌ من التوبة أو الندم الحقيقيّ مِن شرّ ارتكبه صاحبه وهو مرتبط برجاء رحمة الله وغفرانه.

كلّ هذا يذكّرنا بِقَولِ القدّيسِ سلوان الآثوسيّ "ضَعْ نفسَك في الجحيم ولا تيأس".
الحزن والبكاء على الخطيئة معموديّةٌ ثانية، لأنّ الدموعَ تمسحُ الخطايا التي ارتُكِبَتْ بعد المعموديّة الأولى.
يقول القدّيسُ يوحنّا السلّميّ إنَّ أَجْرَ النوحِ والبُكاءِ يَؤُولُ إلى فَرحٍ بصورةٍ عجيبة (المقالة 7: 55).
التواضع نوعان: الأوّلُ أن نَحسبَ أنفُسَنا أدنى مِن كلّ الناس، والثاني أن ننسبَ إلى الله الأعمال الصالحة.
أنظروا إلى الأشجار المحمَّلةِ بالثمار. هذه الأثمارُ تجعلُ الأغصانَ تَميلُ وتنحني إلى أسفل... هكذا النفس كلّما تواضعت أنتجت ثمراً (راجع كتاب التعاليم الروحيّة المقالة 2: 33).

+ أفرام
مطران طرابلس والكورة وتوابعهما

طروبارية القيامة باللحن الثالث
لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيات، لأنّ الربَّ صنعَ عِزًّا بساعدِه، ووطِئَ الموتَ بالموتِ، وصارَ بكرَ الأموات، وأنقدنا من جوفِ الجحيم، ومنح العالم الرحمةَ العُظمى.

القنداق باللحن االرابع
يا شفيعَةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطة لدى الخالِق غيرَ المرْدودةِ، لا تُعرِضي عَن أصواتِ طلباتِنا نَحنُ الخَطأة، بَل تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحة نَحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمانٍ: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطلْبَةِ يا والدةَ الإلهِ المتُشَفِّعَةَ دائماً بمكرِّميك.

الرسالة: 2 كو 6: 16-18، 7: 1
(17 بعد العنصرة)
صلُّوا وأوفُوا الربَّ إلهنا
الله معروفٌ في أرضِ يهوذا


يا إخوة، أنتمُ هيكلُ اللهِ الحيّ ،كما قالَ الله إنّي سأسكُنُ فيهم وأسيرُ فيما بينَهم وأكونُ لهم إلهاً وهم يكونونَ لي شعباً، فلذلك اخرُجوا مِن بينِهم واعتَزِلوا، يقولُ الربُّ، ولا تَمَسُّوا نَجِساً، فأقبلكُم وأكونُ لكم أبًا وتكونونَ أنتمُ لي بنينَ وبناتٍ يقولُ الربُّ القدير. وإذ لنا هذهِ المواعِدُ أيُّها الأحبّاء، فلنُطهِّرْ أنفُسَنا مِن كُلّ أدناسِ الجسدِ والروح، ونُكمِّلِ القداسةَ بمخافَةِ الله.

الإنجيل:
متى 15: 21-28
(متى 17)


في ذلك الزمان خرج يسوع إلى نواحي صورَ وصيدا وإذا بامرأةٍ كنعانيَّة قد خرجت من تلك التُخومِ وصرخت إليهِ قائلةً: ارحمني يا ربُّ يا ابنَ داود. فإنَّ ابنتي بها شيطانٌ يعذِّبُها جِدّاً، فلم يُجِبْها بكلمة. فدنا تلاميذُهُ وسألوهُ قائلين اصرِفْها فإنَّها تصيحُ في إثرِنا، فأجاب وقال لهم لم أُرْسَلْ إلّا إلى الخرافِ الضالَّةِ من بيتِ إسرائيل . فأتت وسجدتْ لهُ قائلةً أغثِني يا ربُّ، فأجابَ قائلاً ليس حسناً أن يُؤخَذَ خبزُ البنينَ ويُلقى للكلاب فقالتْ نعم يا ربُّ، فإنَّ الكلابَ أيضاً تأكُلُ مِن الفُتاتِ الذي يسقط من موائد أربابها. حينئذٍ أجابَ يسوعُ وقال لها يا امرأةُ عظيمٌ إيمانُكِ، فليكن لكِ كما أردتِ. فشُفيتِ ابنتُها من تلك الساعة.

في الرسالة

هذه الرسالة التي قرأناها اليوم هي من أجمل المقاطع التي ترِدُ في رسائل بولس الرسول، إذ نكتشف فيها قيمة الإنسان الحقيقيّة الناتجة من كونه "هيكل الله"، ونحنُ خُلقنا لنكون مسكناً له هوَ، وليس أقلّ من ذلك.

فيها نكتشف أيضاً محبّة الله اللامحدودة لنا، هذه المحبّة التي نجهلُها في أغلب الأحيان، والتي تظهر في قول الرب:
"سأسكنُ فيهم وأسيرُ بينهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً... وأكون لكم أباً وأنتم تكونون لي بنينَ وبناتٍ"، يريدنا الربُّ أن نكون خاصَّته، أولاده، وشعبه الخاصّ، فهل نتأمَّل في ذلك؟!

إذا اكتشفنا قيمتَنا ستتغيَّرُ نظرتُنا إلى أولويَّاتِ حياتنا، ولن نرضى أن نعيش في مستوى الأرضيّات فقط، بل سترتفعُ أنظارُنا وعقولُنا إلى السماويّات. ومتى اكتشفنا ولَمَسْنا محبّةَ اللهِ لنا، فسنبادلُه الحبَّ، ونعيش أجمل اللحظات، رغم ما تجتازُه المسكونةُ بأسرها من ضيقٍ في هذه الأيّام.
في الحقيقة ليسَ أمراً قليلاً أن نكون أبناء الإله الذي خلقَ وصمَّمَ الكونَ وأبدعَ الإنسانَ وأحبَّهُ "حتّى أنَّه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو3: 16).

حقيقةُ أنَّ الله أبٌ مُحِبٌّ نراها بوضوح في الإنجيل في مطارحَ متعدّدة: في مَثَلِ الاِبن الشاطر، حيث لم يسأل الأبُ ابنَهُ الذي بذَّر أمواله، أينَ كنتَ؟ وماذا فعلتَ؟
بل إذ رآه من بعيد، بادرَ نحوه وقبَّله وأعاد له كرامته. وفي حديثه مع السامريّة، حيث لم يسألْها عن أسباب تعدُّد أزواجها، بل جذبها إلى الماء الحيّ الذي عنده، وإلى العبادة بالروح.

وفي موقفه مع الزانية، حيث سامحها وأنقذها من طالبي رجمها، قائلاً لها: ولا أنا أدينك. ومع الخاطئة التي بلَّلت قدمَيه بدموعها ومسحتهما بشعرها، حيث قال لها: مغفورةٌ لكِ خطاياكِ، وقال لسمعان مضيفه: قد غُفِرَتْ خطاياها الكثيرة لأنها أحبَّت كثيراً.

وأيضاً مع الكنعانية التي قالَ لها ما لم يَقُلْهُ لرُسُلِه: يا امرأة عظيمٌ إيمانكِ! وأعطاها سُؤلَ قلبِها وشفى ابنتَها.

هذه هي الصورةُ الحقيقيّةُ لأبينا السماويّ، ونحن بحاجة إلى هذه الصورة، في هذا الزمن الذي نعاني فيه من القلق، والأزمات، والمرض والموت. إنَّ أكثرَ ما يُخيفُ الإنسان، سيَّما في هذه الأيام، هو الموت، فلماذا لا نتوجَّه ونلتجئ إلى من عنده الحياة والحبّ؟!

لكنَّ الربَ يضع لنا شرطاً واضحاً، حتّى يقبَلَنا ويكون لنا أباً، وهو:"عليكم أن تخرجوا من وسطهم، وتعتزلوا".

وهذا يعني أنّ علينا نحن المؤمنين المسيحيّين، مسؤوليّةَ أن نتركَ أساليبَ عيشِ أهل هذا العالم "لأنّكم لستم من العالم" كما قال لنا الربّ (يو15: 19)، فلا نغرقَ في متاهاتِ العالَمِ وضلالِه ومَلذّاتِه، بل نبتعدُ عن عبادة المال والجسد والسلطة، ونعيشُ بقناعةٍ وبساطة. نُحِبُّ، نسامحُ، نغفرُ، ونجاهدُ كي نتقدَّسَ ونكونَ أنقياء من أهوائنا وشهواتنا.

نُصلِّي، نَعترف، نقرأ كلمةَ الله، عندئذٍ لن نكون في اضطراب ممّا يحصل الآن وما سيحصل غداً، لأنّنا سنكون في حضن الآب، وهو سيكون فينا.
وحدتُنا في الخدمة

"لِنُودِعْ ذواتِنا .... وكُلَّ حياتِنا للمسيح الإله... في آخرِ كلِّ طلبةٍ تُقالُ في الخِدَمِ الليتورجيّة نسمع هذه المقولة بعد ذِكرِ والدةِ الإله الدائمة البتوليّة مريم.
ويقول المفسِّرون حول هذا الأمر إنّ إيداع النفس لله ليس بالأمر السهل، لذا نطلب معونةَ والدة الإله، وكما نُذرَتْ للربِّ في الثالثةِ مِن عُمرِها، كذلك كلُّ مؤمن يُقدَّم إلى الربّ لِيَغدُوَ بيتَهُ ويَسكنَ المسيحُ فينا.

هذه الطلبة مكتملة بما أوردناه، ويمكنُ أن تكونَ مُكتفيةً بذاتها، لكنَّ النص يضيف عنصرًا مميَّزًا وهو تعبير: وبعضنا بعضنا" وهذا ما يعطي الطلبة بُعدًا آخر، أو بالأحرى المعنى الحقيقيّ لِكُلّ طلبةٍ نرفعها للربّ، ولا عجب بتكرار هذه الطلبةِ في كُلِ مَفاصلِ القدّاسِ الإلهيّ، وكأنّ التعبير الحقيقيّ هو" لنحبَّ بعضنا بعضًا ".

ولعلّ القُبلةَ المقدَّسة، قُبلةَ المحبّة بين المؤمنين، والتي استُعيض عنها بقُبلة الكهنة، هي أَوضَحُ صورةٍ عن المحبّة التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض، ويجعل منّا جسدًا واحدًا، بكلمة الله، وَلِكَونِ الغايةِ الوحيدةِ مِن تقديمِ الذبيحةِ هي الرحمةُ والمحبّة، على ما يقولُ القدّيسُ باسيليوس الكبير.

كلُّ ليتورجيّتِنا وَكُلُّ لاهوتِ الكنيسةِ قائمٌ على رباط المحبّة الّذي يربط بين المؤمنين. المسيحيّون، بقدر ما يمتلئون مِن محبّةِ الله، بقدر ما يَفيضون على إخوتهم بالبشريّة خدمةً وعطاء، لا بل يُصبحون ميناءً للراحة والفرح.

يقولُ القدّيسُ نكتاريوس إنَّ المسيحيَّ واحةٌ للآخَرين، لِكَونِهم يَحيَون الرجاءَ في الله الذي يُعيدُ الجَرحى إلى الصحّة، ويُقطِّع أغلالَ السُّجَناء، ويُنيرُ أولئك المظلِمين بِوَسَخِ الرّوحِ الحزينة، ويُبَلسِمُ جِراحَ القلبِ الذي هو في حِداد.

يَحتاجُ أغلبُ الناسِ في هذه الأيّامِ إلى الشعور بأنّهم غيرُ مُهمَلين أو منسيّين، بخاصّةٍ أنّ الوضعَ فوق ما يمكن أن يحتملَهُ الفَرْدُ بِمَعزلٍ عن الآخَر. وَهُنا تَبرزُ فَرادةُ المسيحيّين بِرِباطِ المحبّة التي تُعطي بدون قيد أو شرط، لمن يحتاج إلى ثمارها".

بهذا قد عرفنا المحبّة، أنّ ذاك وضعَ نفسَه لأجلِنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة... فإنْ كان اللهُ أحبّنا هكذا ينبغي لنا أيضًا أن يُحِبَّ بعضُنا بعضًا "(1يو 16:3 و 11:4)

الطريقةُ العمليّةُ للمحبّة يوضحُها الرسولُ يعقوب بقوله: "ما المنفعةُ يا إخوتي إن قال أحدٌ له إيمانٌ وليس له أعمال... إنْ كان أخٌ وأُختٌ عُريانَين فقالَ لهما أحدُكم امضِيا بسلامٍ استدفِئا واشبَعا ولكن لم تُعطُوهُما حاجاتِ الجسد، فما المنفعة؟"( يع 14:2)

حان الوقتُ لإظهارِ ما نِلناه مِن نِعم المسيحِ علينا. اليوم وقتٌ مناسِبٌ لِنُعلِنَ حقيقةً أنّنا "نُودع ذواتنا وبعضنا بعضًا وكلَّ حياتنا" لمشيئة المسيح الإله الذي وحَّدنا بدمه.